الفصل 91 - الضياع
ساد صمت مطبق في الزنزانة.
ليس ذلك الصمت الفارغ الذي يأتي بعد انتهاء الضجيج وقبل بدء الضجيج التالي. كان صمتاً مشحوناً بأسئلة تراكمت فوق صدري طوال أيام حتى كادت ثقلاً تشعر به الأضلاع. صرخات المعذبين في الممرات الخارجية كانت موجودة لكنها أصبحت خلفية لا مقدمة، كأن أذني قررت أن تُصنّفها ضمن أصوات المكان لا ضمن ما تحتاج إلى سماعه.
نظرتُ إلى العجوز.
كان يجلس في وضعية التأمل المعتادة في ركنه المظلم، جسده يبدو كأنه منحوت من الحجر القديم الذي لا يُقرر أن يتغير. لا حركة، لا تنفس واضح، لا أثر لشيء يُشير إلى أنه يعيش في نفس الزنزانة ونفس الزمن الذي نعيش فيه.
“من أنت يا سيدي؟”
خرقتُ الصمت بالسؤال الذي أجّلتُه أطول مما ينبغي.
“ما هو اسمك؟ وما هو الماضي الذي ألقى بك في قعر كاريثيون؟”
فتح العجوز عيناً واحدة. لمع فيها بريق حاد كشفرة الحلاق التي تعكس الضوء من زاوية لا تتوقعها.
“الأسماء مرساة يا فتى.”
قالها بصوت هادئ وعميق، صوت من لا يحتاج إلى رفع نبرته ليُسمع.
“وإذا أخبرتك باسمي، فسوف تنجرف خلفي إلى المحيط الذي جئتُ منه. هناك معلومات لستَ مستعداً لمعرفتها بعد. تذكر دائماً: المعرفة تأتي مع مسؤوليات، وأنت بالكاد تحمل مسؤولية بقائك حياً.”
لم أستسلم.
“إذاً أخبرني عن قوتك. في أي مستوى أنت حقاً؟”
ابتسم ابتسامة باهتة لم تبلغ عينيه. ولم يُجب برقم.
“المستويات هي لغة البشر لتصنيف خوفهم.”
ثم أضاف بعد لحظة كأنه قرر منحي قدراً محسوباً من الحقيقة:
“لكن لكي أُرضي فضولك سأكتفي بالقول إنني أُعتبر من أقوى الأشخاص في هذه القارة بأكملها. وجودي هنا ليس لعجز عن الخروج. بل لانتظار شيء لم يأتِ بعد.”
‘انتظار شيء لم يأتِ بعد. ما الذي ينتظره شخص بهذه القوة في زنزانة؟’
ساد الصمت لثانية. ثم وجّه هو السؤال إليّ بطريقة لا تستأذن.
“وماذا عنك يا دارون؟ ما هو ماضيك؟ من الذي صنع هذا الفراغ في عينيك؟”
أطرقتُ رأسي.
شعرتُ ببرودة مألوفة تسري في وعيي، تلك البرودة التي تأتي كلما اقتربتُ من تلك المنطقة المظلمة التي تسبق كل ذاكرة لديّ.
“لا أعرف.”
قلتُها ببساطة لا دراما فيها لأن الأمر صار بسيطاً بعد أن عشتُ معه وقتاً كافياً.
“استيقظتُ يوماً دون ذكريات، دون هوية، دون اسم سوى دارون. أنا رجل بلا أمس.”
نظر إليّ العجوز طويلاً بعيون تقرأ ما لا يُقال. نظرة من يرى السطور المكتوبة على الروح لا على الوجه.
“لطالما انتابني الفضول حول تلك الهالة الخفية التي تضخ منك باستمرار.”
تمتمها وكأنه يُكمل حواراً داخلياً كان يُجريه مع نفسه منذ وقت.
“أي هالة تتكلم عنها؟”
سألتُه بحدة لا أُخفيها.
نقل نظره بعيداً فجأة، كمن يُقرر إغلاق باب لحظة فتحه.
“لا شيء. لستُ مستعداً لاكتشاف الأمر الآن. ذكرياتك وماضيك شيء عليك البحث عنه بنفسك. لا تنتظر من غريب أن يُخبرك من تكون.”
تركني كلامه في حالة من التخبط يُشبه الوقوف أمام باب مُغلق تعرف أن خلفه شيئاً يخصك لكن المفتاح ليس في يدك. كنتُ أشعر أن هناك لغزاً يحيط بي يراه العجوز ويتعمد ألا يُكمل رؤيته أمامي. لماذا؟
لكنه قبل أن أُصيغ السؤال بدّل الموضوع بتلك الطريقة التي لا تبدو كتبديل بل كانتقال مُقصود.
“روح الحياة سيسيليا.”
قال.
“تعتقد أنها مجرد جنية مرافقة؟”
شعرتُ بالفهد يتحرك في أعماقي عند سماع الاسم، حركة ليست استجابة للألم أو الخطر، بل شيء أقرب إلى الانتباه.
“سيسيليا كائن قديم جداً. ربما تُنافس في قِدمها أقدم خمسة كائنات في هذه القارة بأكملها. أما الفهد الأسود الذي يلازمها فقد كان ظلها منذ قرون. حاول الكثيرون ترويضه. ملوك وأباطرة وسادة حرب. وفشلوا جميعاً دون استثناء. لا أحد يعرف حدوده الحقيقية حتى الآن. لكنه حتماً ليس جنية عادية بأي معنى من المعاني. إنه تجسيد لإرادة لا تنكسر.”
شعرتُ بالفهد يتحرك في أعماق وعيي بحركة لم يُحدث لها صوتاً. لم يكن غاضباً ولا مستنفراً. كان يشعر بشيء يُشبه الاعتراف، كأن شيئاً قيل عنه بشكل صحيح لأول مرة.
همستُ لنفسي:
‘لم اعتبره عادياً قط.’
“عد للنوم يا فتى.”
ختم العجوز الحوار بتلك البساطة التي لا تعتذر ولا تُفسّر.
“أمامك مشوار طويل من الجحيم. غداً ستواجه سرباً من ذوي الأصداف.”
في اليوم التالي، انفتحت بوابات الساحة لتكشف عن كابوس من نوع آخر.
ثلاثون مخلوقاً ضخماً. الواحد منها ضعف حجم الإنسان في الطول والعرض معاً، بأجساد تبدو كأنها بُنيت لغرض واحد: الحصانة. أجسادهم مغطاة بصدفة صلبة داكنة اللون تعكس الضوء بطريقة مات فيها الضوء لا بطريقة أحيته، ولهم أربعة أيدٍ تنتهي بمخالب طويلة وحادة كالخناجر المصنوعة من العظم المتحجر.
سارعتُ أنا وميراثيل لاتخاذ وضعية القتال جنباً إلى جنب.
“انظر إلى قشرتهم.”
قالت ميراثيل وعيناها تتفحصان المخلوقات بتلك الطريقة الحاسبة التي اكتسبتها بعد أسابيع من الساحة.
“إنها سميكة جداً. سيفي لن يخترقها بالضربات العادية.”
“ولا سيفي.”
أضفتُ وأنا أُفعّل العقل الفعال في خلفية وعيي.
بدأ الهجوم.
اندفع السرب نحونا بتناغم لا يُشبه العشوائية، كأن لهم نظام تحرك يعمل دون أوامر واضحة، غريزة جماعية تحرك الثلاثين كأنهم جسد واحد كبير.
حاولتُ في البداية تسديد ضربة مكثفة بالتقنية الجديدة نحو صدر أحدهم. تركّزتُ. نقلتُ الإرادة في التسلسل الصحيح. وأطلقتُ الضربة بكل ما جمعته.
ارتدَّ سيفي.
كأنني ضربتُ جداراً من الألماس المدفون في الجبل.
“تباً! القشرة لن تنكسر حتى بالتكثيف الحالي!”
صرختُها وأنا أتفادى مخلباً أتى من اليسار بمقدار لا يكفي لأصبع.
فعّلتُ العقل الفعال بالكامل الآن لا بمستوى منخفض. بدأتُ أُحلل بنية أجسادهم بتفصيل ما كنتُ سأفكر فيه في الظروف العادية. وفي غضون ثوانٍ لاحظتُ ما يجعل الفرق:
الأصداف ليست قطعة واحدة صلبة. هي صفائح متداخلة تشبه درع السمكة، تتحرك مع حركة الجسم وتعود لتشكّل حاجزاً حين يتوقف. وعند المفاصل، عند التقاء الصفائح، هناك فراغات صغيرة لا تزيد عن سنتيمتر. لكنها فراغات.
“ميراثيل!”
صرختُ بها وأنا أتفادى ضربة المخلب الثانية.
“استهدفي الفراغات بين الصفائح! تلك هي مناطق ضعفهم!”
فهمت. وفهمت بسرعة من لا تحتاج إلى شرح طويل.
بدأ التناغم الحقيقي.
استخدمت ميراثيل سلاسلها لتقييد أطراف المخلوقات الأربعة، تُثبّت كل طرف بالقدر الكافي ليُكره المخلوق على حركة تكشف مفاصله وتوسّع الفراغات بين صفائحه. والمخلوق حين يُجبَر على مقاومة التثبيت يشد عضلاته فيفتح بالضبط ما نريده أن يفتح.
وأنا كنتُ أستخدم النقل الديناميكي بالكامل. أندفع، أنقل التكثيف في التسلسل المُحكم، وأُوجّه النصل بدقة جراحية نحو الشقوق الصغيرة بين الأصداف.
شقوق صغيرة. لكن كافية.
كان القتال استنزافياً بامتياز. المخلوقات سريعة بشكل لا يتناسب مع حجمها، وأيديها الأربعة تعني أن هناك دائماً مخلباً لم تُحسب حسابه.
في لحظة انشغلتُ فيها بمخلوق ثانٍ حاولتُ استغلال انفتاح صفائحه الجانبية، شعرتُ بألم حارق يشق ظهري. مخالب طويلة خدشتني من الخلف خدشاً عميقاً لم يبلغ العظم لكنه أوغل في اللحم بما يكفي.
صرختُ.
لكنني لم أتوقف. استدرتُ وفصلتُ رأس المخلوق عن جسده عبر فتحة الرقبة في حركة واحدة حادة لا تعتذر.
ميراثيل أيضاً لم تسلم. تلقت إصابة في ذراعها اليسرى حين حاول أحد المخلوقات سحقها بين يديين اثنتين. شعرتُ بها تتألم من المسافة الفاصلة بيننا، لكنها حافظت على سلاسلها وعلى تركيزها. ألم يصل لكنه لم يُقطع ما تفعله.
بعد ساعة من الدماء والعرق والرمال الحمراء التي أصبحت أحمر مما كانت، سقط آخر مخلوق بصوت ارتطام يختلف عن صوت سقوط الإنسان، أثقل وأجوف.
ارتمينا على الأرض وسط حطام الأصداف المكسورة.
عدنا للزنزانة وجراحنا تنزف.
خمسة عشر مخلوقاً لكل منا. وعملتان فضيتان لكل مخلوق.
ثلاثون فضية لكل منا. ثلاث ذهبيات.
الرصيد الكلي وصل لستّ ذهبيات في حوزتي. ومئة بعيدة كالأفق الذي يتراجع كلما اقتربتَ منه.
‘لكن الأفق الذي يتراجع لم يختفِ.’
استلقيتُ على ظهري. جرح الظهر يُرسل إشارات لا تتوقف، والفهد بدأ عمله ببطء يُشعرني به كدفء يزحف من الداخل نحو الخارج.
نظرتُ إلى العجوز الجالس في ركنه.
تذكرتُ كلماته عن الهالة الخفية. وعن سيسيليا. وعن الفهد الذي لم يُذعن لملوك ولا لأباطرة.
‘من أكون حقاً؟’
السؤال ليس جديداً. لكنه اليوم يحمل وزناً مختلفاً لم يحمله في المرات السابقة. كأن الإجابة باتت أقرب مما كانت، لكنها مازالت تُعطي ظهرها.
أغمضتُ عيني.
والجحيم القادم لن ينتظر الإجابة.