الفصل 90 - إتقان التكثيف
كانت جدران الزنزانة في ذلك الصباح تبدو أكثر ضيقاً من المعتاد.
الرطوبة تتسرب من الحجارة المتشققة وتُعلن نفسها برائحة عفن قديم لا يكذب ولا يتجمل، تتمازج مع رائحة جروحنا التي بدأت تتماثل للشفاء ببطء مؤلم ذي معنى. جلسنا، أنا وميراثيل، في وضعية التأمل التي فرضها علينا العجوز دون أن يُسمّيها تأملاً أو يشرح لماذا. كان الصمت ثقيلاً، لا يقطعه إلا صوت قطرات ماء تسقط من سقف الممر البعيد بإيقاع لا يتسق مع أي شيء، وصوت أنفاسنا التي نحاول ضبطها لتتوافق مع إيقاع داخلي لم نُحدد مكانه بعد.
كانت هزيمة الترول العظيم في الأسبوع الماضي بمثابة صدمة لما كنا نظنه وعياً. أدركنا فيها أن القوة البدنية المحضة مهما بلغت عظمتها تحتاج إلى شيء يوجّهها وإلا أصبحت مجرد ثقل يسحب صاحبه إلى الأسفل. ما يفصلنا عن الموت الحقيقي في الساحات القادمة ليس مزيداً من العضلات. إنه الفهم. الفهم الذي يمتلكه العجوز ويتعمد ألا يمنحنا إياه مُعبّأً جاهزاً، ينتظر أن نستنتجه بأنفسنا لأن ما يُستنتج يبقى وما يُمنح يُنسى.
“ميراثيل.”
همستُها دون أن أفتح عيني.
“هل تشعرين بها؟”
“بماذا يا دارون؟”
جاء صوتها خافتاً مشحوناً بالتعب الذي يشبه الصدأ لا الإرهاق.
“بإرادتكِ. هل ترينها كشيء تملكينه أم كشيء هو أنتِ؟”
صمتت قليلاً بالطريقة التي تصمت بها حين تُفكر حقاً لا حين تُؤخر الإجابة.
“أراها كأداة. كالسيف، أحاول شحذها لأقطع بها قيودي.”
هنا تكمن المشكلة.
فتحتُ عيني ونظرتُ إلى كفيّ المليئتين بالندوب المتشابكة، تاريخ قتالي مكتوب على جلدي بلغة لا تحتاج إلى ترجمة.
طوال الأشهر الماضية كنتُ أتعامل مع الإرادة كطاقة خارجية أحاول حشرها في أعضائي وتثبيتها هناك. كنتُ أُحاول تكثيفها في قبضة يدي كمن يحاول ضغط الماء في مشته المغلوق. النتيجة دائماً كانت الانفجار المرتد الذي يُحطم من الداخل أكثر مما يُحطم الخارج، أو التشتت الذي يُفرّق القوة قبل أن تصل إلى هدفها.
نهض العجوز من ركنه المظلم.
كانت عيناه تلمعان ببريق غريب في العتمة، بريق من يعرف ما أنت على وشك أن تفهمه ويستمتع بانتظار اللحظة التي تصل إليها.
“أخيراً بدأتَ تسأل الأسئلة الصحيحة يا دارون.”
قاله بصوته الذي يشبه حفيف الأوراق الجافة في ريح باردة.
“الإرادة ليست سيفاً تحمله. هي أنت. لكي تُكثّف إرادتك يجب أن تعرف من تكون أفضل من أي شيء آخر في هذا الوجود. لا يمكنك تشكيل مادة تجهل ماهيتها.”
أغمضتُ عيني مرة أخرى.
غصتُ في أعماق وعيي نحو ذلك المكان الذي يسكنه الفهد. لم أعد أراه كوحش يمنحني القوة حين أستدعيه ويُعذّبني بثمنها حين أُفرط فيها. بدأتُ أراه كجزء من هويتي، تلك الهوية التي تشكّلت في حروب فيرون وسبارك وكاريثيون ولم تنكسر رغم كل ما حاول كسرها.
بدأتُ أتتبع خيوط إرادتي. لم تعد تبدو لي كأنهار ضوء تجري خارج جسدي. بدأت تبدو كألياف دقيقة تشكل نسيج وجودي بالكامل، في كل عضلة وكل عظمة وكل دفقة دم.
ثم لمعت الفكرة.
كصاعقة تجد مسارها في لحظة واحدة لا تقبل التأخير.
الخطأ الذي كنتُ أقع فيه هو الجمود.
كنتُ أُكثّف الإرادة في مكان واحد وأُحاول إبقاءها هناك كقلعة محاصرة. هذا التكثيف الساكن هو ما كان يُفقدني التناسق الحركي. حين أجمّد إرادتي في يدي تصبح بقية أطرافي خفيفة بدرجة الضعف، فأفقد التوازن أو أتلقى صدمة مرتدة تُحطم ما لم يُحطمه الخصم.
الإرادة يجب ألا تكون قيمة ثابتة في مكان واحد. يجب أن تكون تياراً يتحرك، ينتقل، يتغير موقعه مع كل لحظة من لحظات الحركة.
“الأمر ليس في المكان الذي تضع فيه قوتك.”
تمتمتُها لنفسي بذهول يشبه الاكتشاف.
“بل في المسار الذي تسلكه تلك القوة.”
وقفتُ وسط الزنزانة.
نظرتُ إلى العجوز مباشرة.
“سأهجم عليك يا سيدي.”
حذّرتُه. وكان التحذير احتراماً لا طلب إذن.
أومأ ببطء مُعطياً موافقته الصامتة.
اندفعتُ نحوه وبدأتُ تسلسل النقل لأول مرة بوعي كامل:
القدمان أولاً: كثّفتُ نقطة التركيز في عضلات قدميّ للحصول على دفع انفجاري يرفع ثقلي عن الأرض. شعرتُ بالرمل والحجر يضغطان تحتي كأنهما يريدان دفعي لا إعاقتي.
الحوض ثانياً: بمجرد أن غادرت قدماي الأرض، نقلتُ المركز إلى عضلات الحوض والخصر. شعرتُ بجسدي يصبح رصيناً في الهواء كصخرة تطير بإرادة لا بصدفة.
الأكتاف والصدر ثالثاً: رحّلتُ الكثافة نحو الأعلى. الأكتاف القوية منحتني التحكم في مسار حركتي بدقة لم أشعر بها من قبل.
الساعد واليد أخيراً: في اللحظة التي قاربتُ فيها الوصول إليه، سحبتُ كل الإرادة من الأجزاء السابقة ودفعتُها بالكامل نحو ساعدي وقبضتي.
كان الأمر يشبه موجة تسير عبر حبل مشدود. الموجة لا توجد في الحبل كله في لحظة واحدة. تنتقل من طرف إلى طرف بسرعة تجعلها تبدو متزامنة لمن يراها من الخارج لكنها بالنسبة لمن يُحركها سلسلة من اللحظات.
سددتُ اللكمة.
وشعرتُ لأول مرة بالتكثيف الحقيقي.
لم تكن يدي ثقيلة. كانت حادة. ذلك الفرق بين الثقل الذي يسحق والشفرة التي تخترق.
دوياً.
اصطدمت قبضتي بكف العجوز التي رفعها ببرود مُحكم. لكن هذه المرة لم تنكسر عظامي. لم أفقد توازني. الضغط الذي كان يُحطمني في كل مرة سابقة تلاشى لأنني لم أعد أقاوم القوة من مكان ثابت. أصبحتُ أنا القوة التي تتدفق.
تراجع العجوز خطوة واحدة إلى الخلف.
خطوة واحدة.
كانت المرة الأولى في كل تدريباتنا التي يتزحزح فيها ولو قدر أنملة بسبب هجومي. نظر إلى كفه التي تصاعد منها خيط رفيع من البخار الخفيف، ثم رفع عينيه إليّ بنظرة لم أرها فيه من قبل.
“لقد فعلتها.”
قالها بهدوء يحمل ثقل التأكيد لا خفة المديح.
“لقد فهمتَ أن الإرادة نهر وليست سداً.”
سقطتُ على ركبتيّ ألهث.
عقلي كان يشعر بإرهاق مختلف عن إرهاق الجسد، كأنني قمتُ بحل ألف معادلة في ثانية واحدة وكل معادلة منها كانت تستهلك شيئاً لا يُعوَّض بسرعة.
“كان الأمر بسيطاً.”
قلتُها بصوت متقطع.
“ولكنه صعب جداً في نفس الوقت.”
“ما هو الصعب يا دارون؟”
سألت ميراثيل التي كانت تراقب المشهد كله بتلك العيون التي تُسجّل لا تُعلق.
“النقل. المشكلة الآن ليست في القدرة على التكثيف. بل في سرعة نقل نقطة التركيز. إذا تأخر النقل بين الحوض والساعد أجزاء من الثانية، أفقد زخم الحركة وتتحول قوتي إلى عبء يُثقلني لا يدفعني. الحل الوحيد هو الخبرة. المحاولة المتكررة حتى تصبح هذه العملية غريزية مثل التنفس.”
نهضت ميراثيل وبدأت تُطبق.
اندفعت نحو الجدار في حركة اختبارية. نجحت في تكثيف قدميها للاندفاع الأولي بشكل واضح، لكنها فشلت في نقل القوة لساعديها في الوقت المناسب. ضربتها وصلت لكنها كانت أضعف بكثير مما يجب. وجهها عكس إحباطاً نادراً ما تُظهره.
“مرة أخرى.”
قالتها لنفسها لا لأحد آخر.
وأعادت.
“الآن.”
قال العجوز وهو يعود لمكانه بتلك الخطوات التي لا تُحدث صوتاً.
“بدأ تدريبكما الحقيقي. المستوى الثالث ليس قوة عضلية. إنه إدارة للزمن الداخلي. عليكما أن تتمرنا حتى تصبح سرعة نقل الإرادة تتخطى سرعة إدراك الخصم.”
قضينا الأسبوع التالي في تدريب لم نعرف له مثيلاً في كثافته وفي عدد المرات التي وقعنا فيها ونهضنا.
كان العجوز يهاجمنا فجأة بلا سابق إنذار، لا وقت مُحدد ولا إشارة مُسبقة. أحياناً في منتصف الوجبة، وأحياناً حين يظن أحدنا أنه في لحظة راحة. كان يُجبرنا على ردود الفعل السريعة التي لا تنتظر أمر العقل.
في كل مرة حاولتُ فيها نقل نقطة التركيز، كنتُ أشعر بالفهد يزمجر في داخلي بنوع مختلف من الزمجرة. ليس استجابة للألم أو الخطر، بل كمن يُزيّت مسارات داخلية يعرفها ويُريد أن يُذكّرك بها. بدأتُ أحسب التوقيت:
الاندفاع من القدمين: عُشر ثانية.
الثبات في الحوض: نصف عُشر ثانية.
توجيه الأكتاف: نصف عُشر ثانية.
التفريغ في القبضة: عُشر ثانية.
كان عليّ تقليص المجموع الكلي من ثلاثة أعشار الثانية إلى أقل من عُشر واحد لأصل إلى مستوى المحترفين. الهوة بدت كبيرة. لكنها كانت قابلة للقياس، وما يُقاس يُقلَّص.
ميراثيل من جهتها وجدت طريقتها الخاصة لتطبيق المفهوم. بدأت تنقل التكثيف إلى أطراف حركاتها القتالية بطريقة تتناسب مع أسلوب التدفق الذي يميزها. لم تعد ضرباتها تحمل نفس الوزن في كل لحظة. بدأت تكتسب ثقلاً مفاجئاً في اللحظة التي تُكمل فيها مسارها، ثم تعود خفيفة سريعة. أسلوب يُربك من يواجهها لأنه لا يستطيع قراءة مقدار القوة القادمة قبل وصولها.
كانت الزمردية تمر بين الحين والحين لتراقبنا من وراء القضبان.
ابتسامتها الباردة لم تتغير. كانت ترى استثماراً يرتفع سعره يوماً بعد يوم. لم تكن تعلم أو ربما كانت تعلم ولا تُبدي أن كل تدريب يزيد من قوتنا كان يزيد أيضاً من شيء آخر لا يُقاس بالعملات.
الرغبة في الخروج.
في ليلة اليوم السابع، استلقيتُ على الأرض الحجرية الباردة ونظرتُ إلى السقف المظلم.
شعرتُ بجسدي بطريقة مختلفة عن كل ما سبق. لم يعد مجرد لحم وعظم وندوب تُحكي قصصاً متعبة. شعرتُ به كأداة موسيقية ضُبطت أوتارها بعد زمن طويل من العزف على أوتار مشدودة بشكل خاطئ.
“دارون.”
همست ميراثيل في الظلام بصوت يحمل شيئاً بين التساؤل واليقين.
“هل تعتقد أننا سنخرج من هنا حقاً؟”
نظرتُ إلى السقف بعيني مفتوحتين.
“سنخرج يا ميراثيل.”
قلتُها دون تردد ودون تجميل.
“لكننا لن نخرج كالأشخاص الذين دخلوا.”
أغمضتُ عيني.
“الساحة صهرتنا. وحان الوقت لنُري العالم ماذا صنع هذا الصهر.”
من أعماقي، من المكان الذي يسكنه الفهد ويعرف حين يكون الوقت مناسباً للزمجرة وحين يكون مناسباً للصمت، سمعتُ صوتاً خفيفاً منخفضاً.
لم يكن صوت وحش.
كان صوت شيء يكتمل.