الفصل 89 - الجحيم الأبدي
مرّ أسبوع كامل منذ نزال ذئاب الجحيم.
أسبوع لم يكن فيه النوم إلا غيبوبات قصيرة تُقطعها أصوات العضلات وهي تُعاد بناؤها قسراً في الليل — ذلك الصوت الخافت المتقطع كفرقعة الخشب حين يتمدد في البرد، لكنه يأتي من الداخل لا من الخارج. كان العجوز يُراقبنا طوال ذلك الأسبوع بصمت مخيف بطريقته الخاصة — صمت من يرى شيئاً يتشكّل ويعرف أنه لا يمكن تسريع التشكّل بالكلام.
ظلّ “التكثيف” جداراً أصمّ.
كلما حاولتُ حصر إرادتي في نصل السيف، شعرتُ بجسدي يتعامل مع الأمر كجسم غريب يجب طرده — صدمات عصبية تتتابع، وتشنّجات تُجمّد الذراع لثوانٍ قد تعني الموت في الساحة. وميراثيل كانت تُعاني من نسخة مختلفة من نفس الجدار: سلاسلها تزداد كثافة مع كل محاولة لكنها تعجز عن أن تصبح “مكثّفة” بما يكفي لتحطيم العظم مباشرة دون الحاجة إلى تراكم.
لكننا لم نتوقف. التوقف كان خياراً متاحاً نظرياً فقط.
النزال الأول: طوفان الغيلان
انفتح باب الساحة في اليوم التالي والأرض لا تزال تحمل بقايا آخر ما شهدته.
لم تكن وحوشاً ذكية هذه المرة. لم تكن كيانات لها تكتيك أو تنسيق مُفكَّر فيه. كان هناك “جوع” محض في شكل ستين غولاً من المستوى الأول.
كائنات مشوّهة رمادية الجلد كجلد الميت الذي جفّ ثم ابتلّ مرات. أنياب ناتئة من أفواه لا تُغلق إغلاقاً كاملاً. وعيون بيضاء لا حدقة فيها لا تُفكّر ولا تُخطّط — تبحث فقط عن التمزق.
— “ستون؟” همست ميراثيل وهي تشدّ قبضتها على مقبض سيفها. “هذا ليس قتالاً. هذه عملية إبادة.”
— “لا تدعيهم يُحيطون بكِ.” قلتُ وأنا أُفعّل العقل الفعال. “إذا تكتّلوا فوقنا تحولنا إلى لحم مفروم قبل أن نستطيع الضرب.”
بدأ الهجوم.
كان الأمر يُشبه موجة من اللحم العفن تتدحرج نحونا — لا بنية هجومية، لا تكتيك، مجرد عدد يتحرك نحو هدف. وهذا وحده كان خطره.
انطلقت سلاسل ميراثيل السوداء. لكنها هذه المرة لم تستهدف فرداً أو اثنين — نشرتها كشبكة فوق الساحة بأكملها، خيوط سوداء تمتد أفقياً وعمودياً فوق الرمال كأنها نسيج من الإرادة المُعلّقة. كل غول يدخل نطاقها يُحسّ وكأن الجاذبية قرّرت أن تضاعف نفسها فوق كاهله تحديداً. اندفاعهم المسعور تحوّل إلى تعثّر جماعي.
وكنتُ أتحرك.
العقل الفعال يُريني الفراغات بين أجسادهم المشوّهة — تلك المسافات الضيقة التي تتشكّل وتختفي في أجزاء من الثانية حيث يمكن لنصل أن يمرّ دون أن يتعثّر بجسد آخر. ضربة تفصل رأساً. طعنة تخترق صدراً. دوران وضربة أخرى. سيفي لم يتوقف عن الحركة وجسدي لم يتوقف عن التموضع.
الدم الرمادي العفن يُغطّي الرمال بطبقة تزداد سماكة.
استمر القتال نصف ساعة من الجهد البدني الخالص — ليس جهد المعركة التكتيكية بل جهد النفس الطويل المقاوم للإرهاق. في النهاية، تكدّست جثث الغيلان حولنا كتلال صغيرة تُطوّق من وقفوا في وسطها.
وقفنا في المركز. نلهث. الدم الرمادي يقطر من ملابسنا كأنها أُغمست في لون كئيب.
أسبوع من الجحيم الهادئ
عُدنا للزنزانة. ولم يمنحنا العجوز راحة. زاد القسوة.
— “الغيلان كانت إحماء لعضلاتكما.” قالها ببرود الذي لا يُقيّمك بل يُقيّم مستوى ما أنجزتَه. “النزال القادم سيتطلب منكما ما هو أبعد من مجرد تحريك الأطراف.”
خلال ذلك الأسبوع واصلنا محاولات التخفيف — أن يُصبح الجسد أخفّ من وزنه لتحقيق سرعة أكبر. لكن في كل مرة نجحنا في الاقتراب من الإحساس الصحيح، فقدنا التوازن وسقطنا كأكياس فُرغ منها ما كان يُبقيها منتصبة.
الفشل كان يُحاصرنا. لكن الذهب يتراكم أيضاً — وهذا الذهب كان يبدو أحياناً ثمناً لأرواح لا لحرية. الفرق بين المعنيين لم يكن واضحاً دائماً في تلك الزنزانة.
النزال الثاني: صخرة الموت
بعد انقضاء الأسبوع، دُفعنا للساحة مجدداً.
الجمهور في المدرجات ساد فيه هدوء من نوع غير معتاد حين دخلنا — ليس الهدوء الفارغ بل هدوء التوقع المشحون. ثم اهتزت الأرض.
هزّة واحدة. ثم ثانية. ثم نمط متكرر كنبضات شيء ثقيل جداً يمشي.
خرج من البوابة العملاقة ذات المصراعين الحديديين كيانٌ يجسّد معنى “الرعب البدني” بأكثر صوره مباشرة. ترول عظيم تجاوز طوله ثلاثة أمتار بما يكفي لجعل أعلى رأسه يبدو بعيداً. جسده عبارة عن كتل عضلات صخرية مرصوصة فوق بعضها بطريقة لا تبدو فيها مساحة للرقة أو المرونة. جلده بلون الرمال القديمة المتصخّرة ويبدو كأنه ليس جلداً بل طبقة من الصخر الرقيق.
في يده هراوة حديدية لم يصنعها حدّاد بل يبدو أنه اقتلعها من مكانها بالقوة — أحد أطرافها لا يزال يحمل شكل الركيزة التي كانت مثبتة فيها.
— “مستوى ثالث. حقيقي.” قلتُ وجفاف حلقي لم يكن من العطش.
نظرتُ إلى ميراثيل. كانت تُقيّم الكيان أمامنا بعيني من يُحلّل مشكلة لا تتاح فيها رفاهية الرفض.
— “سأضع كل قوتي في قيوده.” قالتها بنبرة حازمة تُخفي ما تحتها ولا تُخفيه كاملاً. “لكن احذر — حتى مع قيودي، ما سيتبقى من قوته سيكون أكثر مما ينبغي.”
اندفعت ميراثيل. وانفجرت سلاسلها السوداء.
لم تُطلقها كخيوط منفصلة بل كحزمة واحدة كثيفة التفّت حول أطراف الترول وعنقه في حركة واحدة محكمة. رأيتُه يتيبّس للحظة — كأن شيئاً قرّر أن يتذكر وزنه فجأة. وأصدر زئيراً واحداً هزّ جدران الساحة الحجرية بطريقة جعلت شيئاً يتساقط من فوق المدرجات.
لكن سلاسل ميراثيل لم تُوقفه. أبطأته وقيّدت شيئاً من قوته — لكن “شيئاً من قوته” حين يكون الأصل ما هو عليه لا يزال كثيراً.
رفع هراوته الحديدية وأنزلها على الرمال.
شعرتُ بالموجة الارتدادية في قدميّ قبل أن أرى الحفرة التي خلّفتها. وزن يقارب مئتَي كيلوجرام في حركة واحدة — حتى الاقتراب من مسار هذا الاصطدام كان يعني كسر العظم بالموجة الهوائية.
— “لا تصطدم به!” صرختُ وأنا أنفّذ شقلبة خلفية تحمل قدميّ بعيداً عن الرمال التي تحطمت في المكان الذي كنتُ فيه.
بدأت رقصة الموت.
ليس وصفاً شعرياً — كانت رقصة حقيقية بكل ما تحمله الكلمة من حركة ومكان وتوقيت. الإيقاع: اندفاع نحوه حين تكون يده مشغولة بسحب الهراوة من الأرض. طعنة سريعة في الأماكن التي لا يملك فيها سماكة كافية — خلف الركبة، الخاصرة تحت الضلع الأخير، الإبط حين ترتفع يده. ثم انسحاب سريع قبل أن تصل يده أو الهراوة.
هذه المعادلة تحتاج تكراراً. تراكماً. صبراً.
وجروحي كانت تتراكم هي أيضاً — خدوش عميقة من أظافره حين تأخرتُ في الانسحاب، وكدمات من ضغط الهواء حين مرّت الهراوة قريبة. وكلٌّ منها كان يُضيف ثقلاً إلى ثقل.
ميراثيل كانت تعرق دماً. حرفياً — قطرات دم تخرج مع العرق من جبهتها، وهو ما يحدث حين يُدفع الجهد الذهني لما هو أبعد من حدوده الآمنة. سلاسلها تتوهج باللون الأسود القاتم الكثيف، تُبقي قيودها ثابتة على الكيان الذي يُحاول كل ثانية كسر ذلك القيد.
— “إنه يضعف! استمر يا دارون!” صاحت وصوتها يحمل إرهاقاً لا تستطيع إخفاءه لكن تُبقيه في السيطرة.
مئات الجروح الصغيرة تتراكم. الدماء الغزيرة تُبطّئ الجسم. القوة تتآكل بما لا يُرى دفعة واحدة لكن يُرى في مجموعه.
بعد ساعة من الكرّ والفرّ، بدأ الترول يتعثّر. ضرباته أصبحت تفتقد الدقة التي كانت فيها في البداية — عشوائية، متأخرة، تُخطئ المسار الذي أُريد لها.
— “الآن يا ميراثيل! إنه لكِ!”
رميتُ جسدي نحوه في هجوم لا نية حقيقية فيه — فخّ لعينيه لا لجسده. إيهام بضربة نحو وجهه كافٍ لأن يرفع يده صادّاً ما لا يأتي.
تركَ صدره.
اندفعت ميراثيل. ركّزت ما تبقى من إرادتها في نصلها القصير — ليس التكثيف الكامل الذي نُحاول تعلّمه بل ما استطاعت جمعه في تلك اللحظة. دخل النصل في قلبه بدقة لا تأتي بالحظ بل بالمعرفة.
توقف الزمن ثانية.
ثم سقطت الهراوة الحديدية من يده بدويّ هائل تردّد صداه في المدرجات. وسقط هو خلفها — جثة هامدة حطمت الرمال تحتها وبقيت فيها كأن ثقلها رفض الانفصال عن الأرض.
عُدنا إلى الزنزانة.
ميراثيل كانت تمشي لكن بالطريقة التي تمشي بها حين تُقرّر الإرادة أن تتجاهل ما يقوله الجسد. عيناها تلمعان ببريق لم يكن فيهما قبل ساعة — بريق الشيء المُنجَز الذي لا يسترجع ما دُفع ثمنه لكنه يُسجّل أنه كان يستحق.
حسبتُ.
ستون غولاً من المستوى الأول: ثلاثون لكل منا، وستون نحاسية تعني ست فضيات لكل منا.
الترول العظيم من المستوى الثالث قتلته ميراثيل: خمس فضيات إضافية لها.
رصيدي بعد الإضافة: ثلاث ذهبيات وست نحاسيات.
رصيد ميراثيل بعد الإضافة: ذهبيتان وست فضيات ونحاسيتان.
نظرتُ إلى الأرقام. ثم نظرتُ إلى ميراثيل.
الفجوة بيننا تتقلّص. ببطء، لكنها تتقلّص. وهذا وحده كان يعني شيئاً أكبر من العملات.
استلقينا في صمت. الفهد بدأ عمله الليلي المعتاد. ميراثيل أغمضت عينيها بسرعة من يتعب بعمق. والعجوز في زاويته لا ينام ولا يسهر — يكون ببساطة كما يكون دائماً.
وفي الصمت الذي ملأ الزنزانة، كان هناك شيء لم يكن فيها قبل أسابيع: شيء يُشبه الاتجاه. لا أمل مبالغ فيه ولا يأس يجلس مريحاً في الصدر. مجرد اتجاه. طريق يمشيان فيه حتى لو بطيئاً وحتى لو بدماء.
وهذا في كاريثيون كان ثروة حقيقية.