الفصل 86 - قتال تحت رحمة الحظ و التناغم
لم يكن استيقاظنا في ذلك الصباح نتاج ضوء أو صوت طبيعي. استيقظنا على طنين — ذلك الطنين الغريب الذي يسكن الجسد من الداخل بعد أن يُدفع لما هو أبعد من حدوده ثم يتراجع. صدى محاولات الأمس الفاشلة التي تركت العضلات في حالة من التمرد الهادئ، كأنها تُسجّل احتجاجها دون أن تتوقف.
كان العجوز جالساً في وضعيته المعهودة. يراقبنا بعينين تشبهان زجاجاً قديماً نسي الزمن أن يكسر بريقه. عيون لا تُبدي إعجاباً ولا خيبة أمل — تُسجّل فقط.
— “الجسد لا يكذب.” صوته جاف كنسيج حجري لا تتعلق به المياه. “أنتما تحاولان إجبار الإرادة على سكنى اللحم كما يُجبر السجين على دخول زنزانته. التكثيف ليس قيداً. هو انصهار. وطالما يرفض جسدكما هذا الانصهار، ستظلان أوعية تحمل قوة لا تستطيعان استخدامها.”
بدأ التدريب.
أغمضتُ عيني وفعّلتُ العقل الفعال. رأيتُ إرادتي كما أراها دائماً — أنهار من الضوء الباهت تجري تحت الجلد بانسياب طبيعي معتاد. حاولتُ سحبها، حصرها، جمعها نحو كفي اليمنى كما يجمع المرء ماء من نهر عريض في دلو ضيق.
الحرارة جاءت أولاً. ثم الضغط — ضغط من داخل الجلد لا من خارجه. كأنني أحاول ضغط المحيط في قارورة زجاجية دون أن أوسّع القارورة.
ثم برد جانبي الأيسر.
برود مفاجئ تام كأن الدماء قرّرت أن تتوقف عن زيارة تلك المنطقة. لأنني سحبتُ إرادتي بالكامل من الأطراف الأخرى لتكثيفها في اليمين، فقدتُ ما يُبقي التوازن ممكناً. ساقاي تحوّلتا إلى قشّ في لحظة واحدة وسقطتُ على الأرض بصوت لم يُشفق عليه أحد.
— “تباً.” سعلتُ بمرارة وأنا أُحاول إقناع جسدي بأن الأرض الحجرية الباردة ليست راحةً مستحقة.
دوار يكتسح رأسي مع كل محاولة للنهوض.
كانت ميراثيل تُحاول شيئاً مختلفاً — وأكثر تعقيداً. بدلاً من تكثيف الإرادة في الجسد، كانت تُحاول تكثيفها في العقل مباشرة، لتعزيز قوة سلاسلها السوداء من مصدرها لا من وسيلتها.
المنطق كان سليماً نظرياً. لكن الجسد لا يُدير نقاشات نظرية.
انتفض جسدها فجأة وصدر منها صرخة مكتومة — الصوت الذي يخرج حين يُدفع الألم إلى داخل الحلق ويضطر للخروج بأي طريق متاح. نزف أنفها بغزارة داكنة وسقطت تجثو على ركبتيها، يداها على الأرض.
— “لقد حاولتِ عصر إرادتكِ في مكان لا يتحمله وعيكِ الحالي.” علّق العجوز ببرود من لا يُفاجأ لأنه رأى هذا من قبل أكثر من مرة. “الفشل معلم لا يتقاضى أجره إلا بالدم. وهذا الدم درسه.”
استمر التدريب ساعات طويلة. مئات المحاولات — تشنجات عضلية وفقدان للتوازن وألم ينخر في العظام بطريقة تختلف عن ألم المعارك. ألم من الداخل. ألم الشيء الذي يُقاوم التغيير.
لم نحرز تقدماً يُذكر. لكن جدار التكثيف بات أوضح الملامح في أذهاننا من أي وقت مضى.
فُتح باب الزنزانة. الحارس الضخم بوجهه الذي لا يحمل تعاطفاً:
— “الجمهور يطالب بالدم اليوم. خمسة عشر مقاتلاً من المستوى الأول يقودهم وحش من المستوى الثالث.”
وحش. كلمة يستخدمها الحراس في كاريثيون دون مبالغة.
دخلنا الساحة. الهواء محمّل برائحة الغبار والعرق والأشياء التي لا تُسمَّى. الجمهور يصفق بطريقة تجعلك تتساءل ما الذي يجعل الإنسان يُصفّق لموت محتمل.
أمامنا وقف “القطيع”. خمسة عشر رجلاً مدججين بالرماح الطويلة ذات الأطراف المعقوفة، يقفون في تشكيل نصف دائري يُضيّق تدريجياً. وفي المنتصف، كائن آخر.
بروك.
رجل من المستوى الثالث لا يحتاج إلى وصف طويل — يكفي أنه لم يرتدِ درعاً. لم يكن بحاجة إليها. جلده يبدو كما لو صُبَّ من النحاس القديم الكثيف، اللون الذي يكون فيه المعدن حين عمل طويلاً وصلُب من التجربة لا من المعمل. عيناه كانتا هادئتين بهدوء من لا يرى أمامه خطراً حقيقياً بعد.
— “ميراثيل، الأتباع لكِ.” همستُه وأنا أستل سيفي بيد تُخفي ارتجافاً من تعب التدريب لا من الخوف — أو هكذا أُقنع نفسي.
— “كن حذراً يا دارون. المستوى الثالث لا يرحم ولا يتأخر.”
مدّت يديها وظهرت السلاسل السوداء — تلك الخيوط الكثيفة من الطاقة الداكنة التي تتراقص حول أصابعها كأشباح تنتظر إذن الانطلاق.
انطلق البوق.
انقض الأتباع كموجة واحدة من الحديد والصراخ. لكن سلاسل ميراثيل لم تنتظر الاصطدام — اخترقت الدروع والمسافة لتلتف حول شيء أعمق من الأجساد. رأيتُ المقاتلين يتعثرون في خطواتهم في نفس اللحظة تقريباً، حركاتهم تصبح ثقيلة وبطيئة كمن يمشي في وحل يُمسك الأقدام. قيّدت سرعتهم وقوتهم البدنية في الوقت ذاته — القانون الصارم لسلاسلها استُنفد بالكامل في قرار واحد.
وبدأت ميراثيل حصادها بين من لم يعودوا قادرين على الدفاع بالسرعة اللازمة.
أما أنا، فتوجّهتُ نحو بروك.
فعّلتُ العقل الفعال. الخيوط ارتسمت أمام عيني.
خيوط بروك كانت من نوع لم أُواجهه من قبل — كثيفة وداكنة ومترابطة كجذور شجرة عملاقة ضاربة في أعماق أعمق مما تصل إليها الأعين العادية. لا ثغرات واضحة. لا نقطة ضعف تُعلن نفسها. فقط كثافة تُعلن عن نفسها بصمت.
اندفعتُ نحوه. وفي لحظة اليأس من اختراق جلده بضربة عادية، حاولتُ ما تعلمناه — التكثيف في النصل.
فشلتُ.
بدلاً من تجمّع القوة في النصل، تصلّب معصمي فجأة. ليس تصلّب القبضة الواثقة بل تصلّب شيء يتعارض مع نفسه. ارتطم سيفي بصدر بروك وكأن شخصاً قرّر ضرب جدار حجري بعصا خشبية وتوقّع اختراقه.
لم يرمش بروك. لم يتراجع. لم يُبدِ أي إشارة تُخبر أنه شعر بشيء يستحق الاهتمام.
ردّ بلطمة بظهر يده. حركة عادية. بلطمة كما يُبعد الإنسان ذبابة.
طار جسدي.
ليس “انتُهت المعركة” أو “سقطتُ”. طار حرفياً — المسافة بين الضربة وبين الجدار الحجري لم يكن لجسدي فيها خيار. اصطدمتُ بالحجر بصوت مرعب تردّد في أركان الساحة وفوق المدرجات قبل أن يتردد في صدري.
شعرتُ بشيء ينكسر في صدري — لا شك، لا احتمال. يقين جسدي مباشر. غامت الرؤية وتحوّل العالم إلى ضبابٍ ورديّ مضلّل. سقطتُ على الأرض والدم طعمه في فمي مألوف لكنه اليوم أكثر مما يجب.
إصابة بليغة. الأضلاع وربما الرئة خلفها.
رأت ميراثيل.
لم تحسب. لم تُفكّر في المعادلة التكتيكية. تركت بقية الأتباع الذين لم تنته منهم بعد واندفعت نحو بروك.
— “أيها الوحش! سأقيّد حتى أنفاسك!”
وكان في صوتها شيء لم أسمعه من قبل — ليس غضباً عادياً، بل ذلك الغضب الذي يأتي من مكان يحمي ما يهتم به. شيء أسخن من التكتيك وأعمق من الغريزة.
خرجت سلاسلها السوداء بكثافة مختلفة. لم تكن كما أطلقتها من قبل — هذه المرة كانت سميكة ومتعددة، كأنها استدعت ما لم تستدعِه من قبل. التفّت حول عنق بروك وأطرافه بسرعة تُشبه الإغلاق المحكم. لم تكن قيوداً جسدية تمنع الحركة — كانت تُقيّد وعيه وقدراته مباشرة. وعياه جحظتا لأول مرة منذ بدأت المعركة. عضلاته التي لم تتردد في إرسال جسدي للجدار رفضت الانصياع لأوامره. مطرقته في يده لم تتحرك.
رأيتُ ذلك من على الأرض.
شيء في الألم تحوّل من عائق إلى معلومة. استجمعتُ ما تبقى من وعيي في تلك اللحظة التي يختار فيها الجسد إما أن يتوقف أو أن يُعطي آخر ما عنده.
فعّلتُ العقل الفعال.
خيوط بروك كانت مقيّدة، مُثقَّلة بسلاسل ميراثيل. لكن ليست ميتة. كانت تُقاوم، تتمركز جهة واحدة — أسفل الجمجمة حيث الإرادة تتركز كلها لمقاومة ما يُقيّدها. ثغرة بالمعنى الحرفي — نقطة تجمّع في مكان لا يملك فيها دفاعاً إضافياً.
زحفتُ. يداي على الرمال المبللة بدمي. ثم اندفعتُ.
لم أحاول التكثيف. لا وقت للدرس ولا جسد يتحمل التجريب. وضعتُ كل ثقلي — كل ما تبقى من جسد محطم — خلف ذلك النصل وفي تلك الزاوية الواحدة.
اخترق النصل أسفل الجمجمة.
مرّ عبر النخاع الشوكي بدقة لا أستطيع ادعاء أنها مقصودة بالكامل — كانت الإرادة ونتيجة الخيوط التي رأيتها توجّهاني معاً.
اهتزّ جسد بروك. اهتزازة واحدة عنيفة كجبل يُقرّر أن يتذكر أن الجاذبية تسري عليه أيضاً. ثم انهار.
بموته، فقد الأتباع المتبقون ما كان يُبقيهم منتظمين. تصفّتهم ميراثيل بلمحات سريعة من نصلها والإرهاق مكتوب على كل تفصيل وجهها.
عُدنا.
كنتُ أسعل دماً مع كل خطوة وأعلم ما يعنيه ذلك. وميراثيل كانت شاحبة بدرجة جعلت عروق وجهها زرقاء بارزة — الثمن الذي يدفعه الجسد حين تُستنفد طاقة الروح بهذه الطريقة.
استلقينا على الأرض الحجرية. حسبتُ.
دارون: مقاتل واحد من المستوى الثالث وخمسة من المستوى الأول — ست فضيات.
ميراثيل: عشرة من المستوى الأول — فضيتان.
رصيدي بعد الإضافة: ذهبيتان وفضية واست نحاسيات.
رصيد ميراثيل: ذهبية وفضيتان ونحاسيتان.
— “لقد كان تناغماً جميلاً.” جاء صوت العجوز من الظلام بنبرة تعترف دون أن تُثني. “لكن إصاباتكما تُخبراني أنكما دفعتما ثمناً باهظاً مقابل جهلكما. المستوى الثالث لن يُفتح بمجرد العناد. العناد يحطم — الفهم وحده يفتح.”
ولم يُضف.
شعرتُ بالفهد يبدأ بالتحرك.
ببطء هادئ لا اندفاع فيه. طاقته الدافئة التفّت حول الأضلاع المكسورة أولاً — شعرتُ بها تجد كل كسر وتبدأ فيه. ثم الرئة التي لا تزال تُصدر صوتاً في الشهيق أكثر مما ينبغي.
ثم مدّ خيوطه نحو ميراثيل بحركة باتت معتادة الآن — ذلك الامتداد الذي يعبر الحدود التي كنتُ أظنها نهائية.
أغمضتُ عيني.
وتساءلتُ في ذلك المكان الهادئ الذي يسبق النوم: إلى متى سنظل ننجو بالتناغم والحظ والفهد الذي يُرمّم ما نكسره؟ إلى متى يقف جدار التكثيف بيننا وبين القوة التي نعرف أنها موجودة لكن لا نعرف كيف نُصالحها؟
لم يُجب شيء.
لكن في أعماق لا تعرفها الأسئلة البشرية، شعرتُ بذلك الوميض الهادئ البعيد — سيسيليا، أو ما يُشبهها — يرصد كل ما جرى بصمت لا يُخبر إن كان صبراً أم انتظاراً أم شيئاً ثالثاً لا اسم له بعد.
وانزلقتُ إلى النوم، وأضلاعي تُشفى، وسؤالٌ لم يجد جوابه لا يزال يجلس في صدري بهدوء من يعرف أن وقته آتٍ.