الفصل 87 - العجوز
استيقظتُ والهدوء في الزنزانة أثقل من ضجيج المعارك. هذا النوع من الهدوء الذي لا يُريح بل يُضغط — كأن الصمت نفسه يحمل وزناً فيزيائياً يُوزّعه على من يسكنه.
جراحي كانت قد التأمت. الأضلاع التي انكسرت بالأمس لم تعد تُصدر صوتها المعتاد مع كل شهيق عميق. الفهد أتمّ عمله في الليل كما يُتمّه دائماً — بصمت وبدون أن يطلب شيئاً في المقابل. لكن عقلي كان لا يزال ينزف تساؤلات لا تُسمَع ولا تتوقف.
نظرتُ إلى ميراثيل. كانت جالسة تُحدّق في كفيها كأنها تقرأ فيهما شيئاً لم تنتهِ من فهمه. الكفان اللتان أطلقتا السلاسل السوداء أمس وقيّدت بها وحش المستوى الثالث بطريقة لم تعرفها من قبل — كانت تُحدّق فيهما كأنها تسألهما: “هل فعلتما ما فعلتماه حقاً؟ وكيف؟ وهل تستطيعان فعله مرة أخرى؟”
نهض العجوز.
حركته لم تكن حركة رجل يحمل عمره في مفاصله. كانت انسيابية كجريان الماء في نهر عميق يعرف مجراه منذ قرون — لا تردد فيها ولا جهد ولا اهتمام بما تبدو عليه.
— “اليوم ستتوقفان عن المحاولة.”
قالها بنبرة لا تستأذن في كونها أمراً.
نظرتُ إليه.
— “ستكتفيان بالمراقبة. أحياناً، الرؤية هي أصدق أنواع التدريب وأكثرها ما يبقى.”
قبل أن تُفتح بوابة الخروج، منحنا فرصة أخيرة للمحاولة. الصباح كان لا يزال شاباً في خارج لا نراه.
أمسكتُ سيف التدريب الخشبي. أغمضتُ عيني. وحاولتُ لآخر مرة اليوم ما أخفقنا في إنجازه مئات المرات.
حصر الإرادة. جمعها. تكثيفها في النصل الخشبي — تخيّلت الخيوط الذهبية المنتشرة في جسدي تُسحَب من أطراف الجسم نحو مركز واحد، تتراصّ كما تتراصّ جزيئات الحديد حين يمرّ عليها المغناطيس. تخيّلتُ الخشب يُصبح فولاذاً لأن الإرادة تملأ ما بين ذراته وتُحكم ما بينها.
الفلسفة التي شرحها العجوز واضحة نظرياً: اضغط الإرادة في أصغر مساحة ممكنة لتُنتج ضغطاً لا تصنعه القوة العضلية وحدها.
ثم كان الانفجار العكسي.
تفتّت السيف الخشبي في يدي — ليس كسره كما تنكسر العصا، بل تفتّت كأن كل حبة خشب فيه قرّرت أن تذهب في اتجاه مختلف. وفي الوقت ذاته، اهتزت عظام ذراعي اهتزازاً كاد يخلع الكتف من مكانه. وقفتُ أُمسك معصمي بيدي الأخرى أُحاول تهدئة ذلك الاهتزاز.
وميراثيل حاولت من جهتها تكثيف حواسها لرصد تحركات العجوز — الأعمق من مجرد الرؤية، الرصد الذي يستخدم الإرادة كأداة إدراك لا كأداة قتال.
انتهى بها الأمر بنزيف بسيط من أذنيها. الضغط الروحي الزائد الذي لا يجد مساراً طبيعياً يبحث عن مخرج أي مخرج.
— “النتائج مخيبة.” قال العجوز وهو يتجه نحو الباب الحديدي الذي فُتح لاستقباله. “لكنها متوقعة.”
لم يأخذونا إلى الساحة كمقاتلين اليوم.
أخذونا إلى شرفة حجرية ضيقة تُطل على الرمال من فوق — شرفة المتفرجين، أو الشهود، أو من يُراد لهم أن يروا دون أن يتدخلوا. القضبان أمامنا والساحة تحتنا.
وفيها كان العجوز.
وحيداً. بملابسه الرثة المعتادة التي لا تُعلن شيئاً ولا تحمي شيئاً. جسده الهزيل الذي يبدو كعود يُمكن كسره لمن لا يعرف ما الذي يسكن ذلك العود.
وأمامه ثلاثة.
الأول: ضخم بضخامة تجعل الدرع عليه يبدو كطبقة ثانية من الجلد لا كشيء مُضاف، يحمل فأساً مزدوجة الرأس كان صوت تحريكها في الهواء يصل إلينا من فوق.
الثاني: يتحرك بسرعة جعلت للجسم الواحد ظلالاً متعددة في الهواء — ليست سرعة عادية بل تلك السرعة التي تجعل العين تتساءل كم عدد الأشخاص في الساحة.
الثالث: يلف يديه بجلد وحش بركاني يُرسل إشعاعاً حرارياً يكفي لجعل الهواء حوله يتموج بصريٍّا حتى من المسافة التي نقف فيها.
الثلاثة في ذروة المستوى الثالث. وهذا واضح حتى بدون العقل الفعال.
انطلقوا معاً. ليس تتابعاً بل هجوم واحد بثلاثة أجسام.
ما رأيناه لم يكن قتالاً.
لا أعرف الكلمة الصحيحة له. “فن” يقترب لكن لا يصل. ربما: “جواب”. شيء يُجيب على سؤال لم تُدرك أنك طرحته.
تحرّك العجوز. حركة واحدة — إزاحة كتفه بمقدار أقل مما يُحرّكه المرء حين يتجنب ذبابة. مرّ نصل الشبح بجانبه وقطع الهواء في مساره المحسوب بدقة. لكن الهواء الذي قطعه لم يكن حيث كان العجوز.
ثم وضع إصبعه — إصبعاً واحداً — على نصل الفأس الضخمة الهابطة بزخم كان يكفي لشق صخرة.
فعّلتُ العقل الفعال تلقائياً.
رأيتُ موجة. ليست موجة ضوء ولا موجة صوت — موجة إرادة تنتقل من إصبعه عبر النصل إلى داخل معدن الفأس نفسه. الخيوط التي تتشكل منها الفأس — أعني خيوط إرادة المعدن كما تبدو للعقل الفعال — تفككت. تفككت كأن شيئاً قرّر أن المعدن لا يحتاج إلى التماسك بعد الآن.
تحوّلت الفأس إلى غبار.
الرجل الضخم نظر إلى يده. يمسك مقبضاً بلا نصل. لم يكن هناك وقت لأكثر من تلك النظرة الواحدة.
توجّه العجوز نحو الثالث — قبضة الجحيم، ذلك الرجل الذي يلف يديه بالجلد البركاني.
لم يدفعه. لم يضربه. وضع يده على صدره بلمسة أكثر هدوءاً من مصافحة.
وبالعقل الفعال رأيتُ شيئاً لا أملك له وصفاً دقيقاً: كأن إرادة العجوز دخلت إلى جسد الرجل لا كعدو يُهاجم بل كشيء ثقيل يجد مكاناً لم تكن هناك مساحة فيه من قبل. ضغط من الداخل. وعي الرجل — خيوط إرادته التي كنتُ أراها ثقيلة وكثيفة وحارة — بدأت تتراجع إلى الداخل كأنها تُسحَب من مكانها. ثم توقفت.
سقط الرجل. جثة هامدة على الرمال بلا خدش واحد على جسده. فقط لأن الإرادة التي كانت تُشغّله لم تعد هناك.
أقل من دقيقة. ثلاثة من ذروة المستوى الثالث. ولا قطرة عرق واحدة على جبهة العجوز. ولا تغيير في إيقاع أنفاسه.
عُدنا إلى الزنزانة في صمت مطبق يختلف عن صمت الإرهاق. هذا كان صمت المذهول. صمت من رأى شيئاً لا تعرف خلاياه بعد كيف تُصنّفه.
جلس العجوز في ركنه. ونظر إلينا. وعلى وجهه — للمرة الأولى منذ أن عرفتُه — ابتسامة خفيفة. ليست دافئة تماماً ولا باردة تماماً. شيء بينهما.
— “دارون. ميراثيل.” قالها بهدوء يُشبه صوت الريح في ممر ضيق. “هل أصابكما الذهول؟”
— “سيدي..” صوتي خرج متهدجاً بطريقة لم أُرد لها ذلك. “لقد قتلتَ ثلاثة من ذروة المستوى الثالث وكأنهم..”
توقفتُ. لم أجد الكلمة المناسبة. “أطفال” لا تكفي. “حشرات” تبدو بذيئة. لا كلمة تصف الفجوة بين المواجهة والنتيجة.
ضحك العجوز. ضحكة خافتة وقصيرة لا تُشبه الضحك الذي يُعرَف، أشبه بصوت حجر يُلقى في بئر عميقة.
— “المستوى الثالث؟”
ثم نظر إلينا بعيون تحمل شيئاً لم يكن فيهما من قبل في حضوري — نظرة تُشارك بدلاً من أن تُراقب فقط:
— “لا تسيئا الفهم. ما أظهرتُه اليوم ليس مستواي الحقيقي.”
الصمت الذي تلا هذه الجملة كان له وزن مختلف.
— “لقد كبحتُ نفسي إلى أقصى حد. حصرتُ طاقتي حصراً مقصوداً وعملتُ بمعايير تُحاكي المستوى الثالث فحسب — لكي تريا بأعينكما مثالاً حياً، لا مجرد وصف يُقال بالكلام. لو قاتلتُ بمستواي الحقيقي..” توقف. ثم: “لتمزقت هذه الساحة بمن فيها بمجرد إطلاق إرادتي دون قيد.”
اتسعت عينا ميراثيل بطريقة لا تُسيطر عليها.
— “تقصد أنك كنت تمثّل؟ كل هذا كان تمثيلاً؟”
أومأ برأسه. إيماءة واحدة هادئة تحمل ما يحمله الإقرار البسيط بحقيقة ضخمة.
— “نعم. لقد استعملتُ تقنيات التكثيف والتخفيف بمقاييس المستوى الثالث لأُريكما بأعينكما أن العائق ليس في جسدكما.” توقف وتركها تستقر. ثم: “العائق في فهمكما لكيفية انسياب الإرادة. أنتما ترياها كشيء تحملانه وتُحرّكانه. لكنها ليست حملاً. هي أنتما. المستوى الثالث هو حين يُدرك الإنسان أن جسده ليس وعاءً تُصَبّ فيه الإرادة — بل الجسد نفسه هو الإرادة متجسّدة. والفرق بين الرؤيتين هو الفرق بين من يُمسك النهر بيده ومن يعرف أنه هو النهر.”
استلقيتُ تلك الليلة على الأرض الحجرية. جراحي التأمت. جسدي مرتاح. لكن عقلي كان يُعيد ترتيب كل شيء.
“لو قاتلتُ بمستواي الحقيقي لتمزقت الساحة.”
وهذا المستوى الحقيقي يقف إلى جانبنا في هذه الزنزانة كل يوم. يُعطينا التدريب، ويتدخل حين تقترب عضلاتنا من الانهيار، ويُمسح فأسه الصغيرة بطرف ثوبه بعد كل نزال.
وحين حاولتُ تتبّع الفكرة إلى نهايتها — يوليوس ونول، تلك المواجهة التي شهدتُها وكادت تجعل الهواء نفسه يتحطم حول أطرافها — أدركتُ أن ما رأيته هناك وما رأيته اليوم من العجوز المكبوح كانا يُشيران إلى نفس الشيء من زاويتين مختلفتين.
هناك مستويات لا يصفها الترقيم العددي.
هناك قوة يُكبحها أصحابها إشفاقاً على ما حولهم.
وأنا لا أزال عند جدار التكثيف، أتعلم كيف أرى جسدي لا كوعاء بل كإرادة متجسدة.
طريق طويل. لكنه لأول مرة يبدو كطريق حقيقي لا كجدار.