الفصل 85 - التدريب الجحيمي
استيقظتُ وصوت السلاسل في الممرات يتردد كأنه نعي مؤجل لم يجد بعد صاحبه. لم تكن الشمس قد أشرقت — لكن في كاريثيون، الزمن لا يُقاس بالضوء ولا بالظلام بل بمقدار الألم الذي تستطيع عضلاتك تحمله قبل أن تُعلن عصيانها.
نظرتُ إلى ميراثيل. كانت جالسة بالفعل وظهرها إلى الجدار، تربط ضمادة قماشية حول معصمها المتورم بحركات دقيقة تُخبر عن اعتياد على تضميد الجروح وحيدة. نظراتنا التقت لثانية واحدة — كافية لتذكير كلينا باعترافات الليلة الماضية، بكل ما قيل وكل ما بقي غير مقول. ثم شِحنا بوجوهنا في نفس الوقت تقريباً.
هنا، المشاعر ترف قد يقتلك. والتركيز هو العملة الوحيدة التي تشتري بها يوماً آخر.
نهض العجوز من زاويته المظلمة. بدا كما يبدو دائماً — كأنه جزء من الحائط الحجري الرطب، لا تؤثر فيه الرطوبة ولا البرد ولا الليالي الطويلة. كيان يوجد دون أن يشكو من الوجود. أشار إلينا بيده الخشنة التي تحمل ندوب عقود لا تُحصى، إشارة بسيطة تعني ما تعنيه كل يوم:
ابدأ.
— “الإرادة ليست سيفاً تحمله خارجك.” صوته في الصمت الصباحي كان جافاً كشجرة عتيقة تتشقق قشرتها. “بل هي الدماء التي تجري في عروقك. المستوى الثاني علّمكما كيف ترون العالم من خلال الإرادة — كيف تُقرؤون خيوطها في الآخرين. لكن المستوى الثالث يتطلب منكما شيئاً أعمق: إعادة صياغة أنفسكما من الداخل. ركّزا. اسحبا كل ذرة وعي من أطرافكما واحصراها في قبضة اليد.”
أغمضتُ عيني.
فعّلتُ العقل الفعال. رأيتُ خيوط إرادتي كما أراها دائماً — خيوط ذهبية رقيقة تنتشر من مركزي نحو الأطراف، تُغلّف الجسد بالكامل كغلالة متوهجة. طبيعية. منتظمة. موزّعة.
وبدأتُ أشدّها.
حاولتُ سحب تلك الخيوط المنتشرة — جذبها من الأطراف كما يُجمع الماء من مستنقع نحو بئر. أحسستُ بحرارة مفاجئة تسري في ساعدي ثم في معصمي، عروقي بدأت تبرز تحت الجلد كأفاعٍ صغيرة تحاول الظهور. كثافة غريبة وجديدة تملأ يدي اليمنى التي تقبض على سيف التدريب الخشبي.
ثم جاء الثمن.
بمجرد أن تكثّفت الإرادة في اليد، شعرتُ بالأرض تُسحَب من تحت ساقيّ — لا، ليس الأرض. ساقاي هما من سُحِبتا من تحتي. انهار توازني كبناء فُقدت دعامته الأساسية، وسقطتُ على ركبتيّ بصوت ارتطام تردد في الزنزانة.
— “خطأ.” صوت العجوز لم يرتفع ولم ينخفض. “لقد فرّغتَ قاعدتك تماماً. الإرادة الكاملة في اليد والصفر في الساقين يعني مقاتلاً بلا جذور — قوي الضربة ميت الوقفة.” توقف لحظة ثم: “التكثيف لا يعني الانتحار في بقية الجسد. يعني التضحية بالهوامش من أجل المركز. الفرق بين الانتحار والتضحية هو بقاء ما يكفي.”
إلى جانبي، كانت ميراثيل تعاني من نوع آخر من الفشل.
اختارت أن تُركّز إرادتها في قدميها — تجربة منطقية لمن أساسها القتالي هو السرعة الانفجارية والحركة المتواصلة. انطلقت في الجزء الأول كالبرق فعلاً، نصف متر بسرعة مذهلة لم أرها منها من قبل. ثم تشنجت عضلة ساقها اليسرى بقوة تجعل العضلة تصرخ حتى يسمعها من حوله، وسقطت تتلوى على الأرض الحجرية.
جسدها لم يتحمل تلك الكثافة المفاجئة. كان الأمر كمحاولة ضخ شلال عبر قشة — ليست مسألة قوة بل مسألة قدرة القناة على الاحتمال.
استمر العذاب ساعات.
سقطتُ وتعثرتُ مئات المرات لا أبالغ في العدد. في كل محاولة كنتُ أقترب قليلاً من المفهوم ثم يخونني الجسد فيه. ألم عضلات صدري بدأ بعد الساعة الأولى. نبضات قلبي باتت غير منتظمة تماماً في منتصف الجلسة. والألم لم يكن خارجياً يأتي من ضربة أو اصطدام — كان من داخل الجسد ذاته، من مكان قريب من نخاع العظام حيث لا يصل تعب المعارك العادية.
كل مرة كنتُ أقترب فيها من الانهيار الحقيقي، كانت يد العجوز الخشنة تُلمس كتفي أو ذراعي أو تُدفعني بخفة — كافية لتشتيت ذلك التركيز القاتل قبل أن يتجاوز ما يستطيع الجسد إعادته منه.
لم يقل شيئاً في أي من تلك المرات. لكن التدخّل كان كافياً.
إلى الساحة: اختبار الحديد
لم نكد نلتقط أنفاسنا حين فُتح الباب الحديدي.
الحارس الضخم وجهه الذي لا تعبير فيه:
— “النزال الرابع لثنائي الموت. الجمهور ينتظر.”
سار العجوز خلفنا في صمته المعتاد. والزمردية انتظرتنا عند مدخل الساحة بابتسامة تُقدّر ما تراه قبل أن يبدأ.
— “اليوم خصومكم مختلفون.” لم تُخفِ ذلك الوميض الطامع في عينيها الخضراوين. “خمسة من المحترفين: ثلاثة من المستوى الثاني وزوجان من المستوى الأول للتمويه. الجمهور يُراهن عليكما بأرقام جيدة — لا تخيبوا هذه الأرقام.”
دخلنا الساحة.
الرمال الذهبية التي لم تجف من الأيام السابقة. الهتافات تصمّ الآذان بطريقة تتعارض مع ما يجري في هذا المكان. وأمامنا وقف الخمسة:
ثلاثة سيافين من المستوى الثاني يرتدون دروعاً نصفية من الفولاذ المُسمَّر، تُغطي الصدر والكتفين وتترك الأذرع للحركة. وجوههم خلف خوذات جزئية تُخفي العيون لكن تترك الأفواه. في أوضاعهم القتالية شيء يُخبر عن تدريب مشترك طويل — الطريقة التي يُبقون بها المسافات الثلاث بينهم، لا بالقياس بل بالحدس.
واثنان في الخلف بأقواس قصيرة مزدوجة الانحناء — سلاح الرمي في المسافات القريبة المغلقة، أكثر دقة من القوس الطويل في مساحة الساحة المحدودة. من المستوى الأول لكنهم التمويه الأخطر — التمويه الذي يُبقيك منشغلاً بالأمام بينما يأتيك الموت من مكان لا تنظر إليه.
— “ميراثيل، الأقواس أولاً.” همستُه قبل أن يُطلَق البوق وصوتي مضبوط رغم الدم الذي كان لا يزال يُشعل آخر ما بقي من التدريب الصباحي في عضلاتي.
— “علم.” أجابت وأسمع في نبرتها ما يُشبه الاستعداد الصادق.
انطلق السيافون الثلاثة.
لم يندفعوا معاً في خط واحد — تلك مبتذلة وهم يعرفون ذلك. تحركوا في قوس يتمدد من اليمين إلى اليسار، الأوسط ثابت نسبياً والجانبيان يتحركان لتضييق الزاوية عليّ. هدفهم واضح للعقل الفعال: سرقة خيار التراجع أولاً، ثم ملئي بالمعادلات الإجبارية.
فعّلتُ العقل الفعال. الخيوط ارتسمت. قوية ومتشابكة بذكاء — خيط الأوسط يُغذّي خيطَي الجانبيَّيْن ويتلقى منهما في الوقت ذاته، كشبكة لا نقطة محورية واحدة فيها بل ثلاث تتبادل الأدوار.
حاول الأول طعني بطعنة رأسية تتجه للكتف الأيسر. تفاديتُها بانحراف نصف خطوة للجانب.
لكن الثاني كان ينتظر ذلك الانحراف تحديداً. جسدي خرج من الطعنة الأولى ليجد نفسه في مسار الثانية.
في لحظة من تلك اللحظات التي يُقرّر فيها الجسد بدلاً من العقل، حاولتُ ما علّمنا إياه العجوز — أن أُركّز إرادتي في نصل سيفي لكسر دفاع الأول بضربة واحدة محسومة.
شعرتُ بالقوة تبدأ بالتدفق. الحرارة المعهودة في الساعد.
ثم تعثّر عقلي.
ليس الجسد هذه المرة — العقل. الجزء الذي يُنسّق بين نية التكثيف وبين الإبقاء على بقية الوظائف فقد خيطه للحظة واحدة. وتلك اللحظة كانت كافية. الضربة خرجت ضعيفة ومكشوفة، تحمل نصف القوة المعتادة وربع القوة المنشودة.
استغل السياف الثالث الثغرة التي أعلنتها تلك الضربة المكشوفة. خدش كتفي الأيمن بعمق — الخدش الذي ليس قاتلاً لكن يُذكّرك بكل ضربة بعده بوجوده.
تراجعتُ أُعيد الحسابات والدم يصبغ قميصي.
بينما كنتُ أُعيد ترتيب نفسي، كانت ميراثيل قد وصلت إلى الأقواس.
استخدمت السلاسل السوداء على الرماة بتركيز لم أرَ فيه ترددا — قيّدت حواسهم. أصيبا بعمى مؤقت وارتباك في التوجه كأن البوصلة الداخلية لكل منهما قرّرت التوقف فجأة. في تلك الثواني العمياء، أنهتهما بحركتين دقيقتين.
ثم التفتت لتُساعدني.
لكن التدريب الصباحي تركت أثره. محاولاتها المتكررة لتكثيف الإرادة — كل تلك السقطات والتشنجات والكدمات الجديدة — كانت قد أنهكت مرونة جسدها بطريقة لا تُرى في الوجه. اندفعت نحو أحد السيافين، وحاولت تكثيف إرادتها في نصلها لإنهائه بضربة واحدة محسومة.
خانها جسدها مرة أخرى. اختلّ توازنها في منتصف الاندفاع — ذلك الاختلال الطفيف الذي يرصده المحترف فوراً. وقبل أن تُعدّل، جاءته ركلة قوية في بطنها أرجعتها أمتاراً للخلف.
— “ميراثيل!” صرختُ.
رأيتُها تُكافح للنهوض والألم مرسوم في كل تفصيل وجهها. واستجمعتُ ما تبقى.
تجاهلتُ محاولة التكثيف. تجاهلتُ درس اليوم وكل طموحات المستوى الثالث. عدتُ إلى ما أعرفه — العقل الفعال في صورته المعتادة، بلا تجارب وبلا طموح. ما أعرف.
قرأتُ الخيوط. الثلاثة يعتمدون على الأوسط كقلب للتنسيق — ليس هجوماً بل توزيعاً للمعلومات. حين يتحرك الأوسط يتحرك الآخران بناءً على ما يُخبرهما به جسده لا بالكلام.
اندفعتُ نحوه كمن لا خطة لديه سوى الاندفاع. رفع سيفه للصدّ — الحركة الطبيعية المتوقعة أمام هجوم مباشر.
انحنيتُ تحت نصله.
وبحركة دائرية قطعتُ أوتار قدمه.
لم يصرخ فوراً — الجسم يتأخر أحياناً قبل أن يُسجّل. لكن حين سقط لم يعد قادراً على الإمساك بما سقط. تشتّت الجانبيان لثانية واحدة — فقط ثانية. لكنها كانت كافية.
— “السلاسل!” صرختُ وأنا أنقض على الأيمن.
فعلت ميراثيل ما تبقى من قدرتها. السلاسل السوداء قيّدت سرعة الاثنين المتبقيين بما أتاح للحظة أن تتمدد قليلاً.
سيفي اخترق قلب الأيمن.
ونصل ميراثيل فصل الأيسر في حركة واحدة محكمة.
السياف الجريح على الأرض — طعنة واحدة في الرقبة أنهت ما بدأ.
عُدنا إلى الزنزانة نجرّ خلفنا أذيال التعب والإخفاق في الوقت ذاته.
الجروح تؤلم. لكن فشل تطبيق درس العجوز كان يؤلم بطريقة مختلفة — الطريقة التي يؤلم بها الشيء الذي أنت قادر عليه نظرياً لكن جسدك لا يزال يُكذّب ذلك.
جلستُ وحسبتُ.
دارون: قائدان من المستوى الثاني — فضيتان.
ميراثيل: قائد واحد من المستوى الثاني واثنان من المستوى الأول — فضية وأربع نحاسيات.
رصيدي بعد الإضافة: ذهبية واحدة وخمس فضيات وست نحاسيات.
رصيد ميراثيل: ذهبية واحدة فضيتان نحاسيتان.
نظرتُ إلى رقم ميراثيل مرة أخرى. الذهبية الأولى. وصلت إليها أخيراً.
لم أُعلّق. لكن شيئاً يُشبه الارتياح الحقيقي تحرّك في صدري.
استلقينا على الأرض الحجرية الباردة. يدي اليمنى لا تزال ترتجف رعشة خفيفة من أثر محاولة التكثيف الفاشلة — ذلك النوع من الارتجاف الذي لا يراه أحد إلا من يبحث عنه.
— “لقد فشلنا مرة أخرى.” همست ميراثيل وهي تمسح ما تبقى من دم على خدها.
جاء صوت العجوز من الزاوية هادئاً كمن يُقرّر حقيقة لا يراها المُخطئ فيها:
— “الجسد يتمرد على الإرادة لأنه يخاف من قوتها. ليس لأنه ضعيف — بل لأنه يعرف ما تعنيه تلك القوة حين تُطلَق بالكامل. عليكما كسر هذا الخوف أولاً. وكسر الخوف لا يُعلَّم بالكلام.”
ولم يُضف.
قبل أن يُسلّمني النوم تماماً، شعرتُ بالفهد يتحرك. لا يندفع ولا يزأر — يتحرك بطريقة تُشبه من يتفقّد بيته بعد غياب. طاقته الدافئة انتشرت في العضلات المُنهكة كشيء يُعرف كيف يجد ما يحتاج إلى شفاء.
ثم — في أعماق لا يصلها الوعي الكامل — شعرتُ بشيء آخر.
شيء أهدأ من الفهد وأبعد. وميض أكثر منه صوت. كأن كياناً يُراقب من مكان داخل الداخل ويرى ما يُحاوله هذا الإنسان البشري ببطء وإصرار وكثير من الكدمات.
لم أُدرك إن كان ذلك الوميض سخرية أم شيء آخر لا أملك له اسماً بعد.
نمتُ قبل أن أجد الجواب.
وفي الصباح القادم، ستكون الزنزانة هناك. والعجوز في زاويته. والساحة خلف الباب الحديدي. والمستوى الثالث لا يزال يقف أمامنا كجبل لا يأبه بمن يُحاول تسلّقه ولا بعدد مرات سقوطه.
لكننا لا نحترق. نتحوّل. والفرق بين الاثنين — كما قال يوم ما رجل بلا اسم يحمل فأساً صغيرة — هو الفرق بين الرماد والألماس.