الفصل 84 - كفاح العبدين
جلسنا جنباً إلى جنب في تلك الزنزانة التي باتت تعرفنا أكثر مما نعرفها. الهواء ساكن بذلك السكون الذي لا يشبه الراحة — سكون الأماكن التي شهدت الكثير وتحتفظ بكل شيء في جدرانها الرطبة. صوت تنفسنا كان الإيقاع الوحيد، ذلك الإيقاع المزدوج الهادئ الذي يُخبرك أن شخصاً آخر موجود وأن وجوده يُغيّر شيئاً.
كسرتُ الصمت. ليس لأنني أريد الكلام في العادة، بل لأن ما يجلس في الصدر وصل إلى الحجم الذي لا يستطيع الصمت احتواءه بعد الآن.
— “ميراثيل.” بدأتُ بصوت هادئ وعيناي مصوّبتان نحو الأرضية الترابية التي حفظت آثار أقدامنا من جلسات التدريب. “ما رأيكِ بأن أتولى أنا إصابة الخصوم وتعطيلهم عن القتال، وتتولّين أنتِ إنهاءهم؟”
التفتت إليّ. رأيتُ في عينيها تحت ضوء القنديل الخافت ذلك المزيج بين المفاجأة والشيء الذي يبحث عن خدعة لأن الكرم الحقيقي يبدو مشبوهاً لمن عاش ما عاشته.
— “لماذا تعرض هذا يا دارون؟ هل هناك سبب خلف هذا الكرم؟”
تنهّدتُ. شعرتُ بثقل الكلمات قبل أن أقولها.
— “أنتِ تعرفين وتيرة جمع العملات التي نحن عليها. سأنهي المئة ذهبية قبلكِ بكثير — أنا أمتلك الآن ما يقترب من ضعف كميتكِ. إذا جمعتُ الثمن أولاً وغادرتُ، ستبقين هنا وحدك تواجهين هذا الجحيم بلا سند. ولا أعتقد أنني سأستطيع العيش بعد ذلك بصدر مرتاح.”
خيّم الحزن على ملامحها. ليس الحزن السريع الذي يمرّ، بل الحزن الذي يسكن في زاوية خلف العيون ويبقى. هزّت رأسها ببطء كأنها ترفض شيئاً يخدش كبرياء طالما صانته.
— “لا تفعل هذا يا دارون. هذه حريتك. لا تقاسم حريتك مع شخص بالكاد تعرفه. كل عملة هي قطرة دم بذلتها بجسدك وعقلك، فلا تهدرها من أجل أحد.”
عبستُ قليلاً. الكلمات كانت تخرج بمشقة لكنها كانت صادقة:
— “قد لا أعرف ماضيكِ ولا كل ما تحملينه. لكننا تبادلنا الثقة في ساحة لا تسمح بتبادل الثقة مع من لا يستحقها. قاتلنا تحت سقف واحد وفي تراب واحد. بالنسبة لي، أنتِ جديرة بأن أدعوكِ رفيقة سلاح. وقد لا يكون لديّ تعريف طويل للكلمة، لكن تعريفها القصير واضح: الرفاق لا يتركون بعضهم خلف الأسوار.”
نظرت إليّ نظرة فيها شيء يُشبه الكسر — ذلك الكسر الذي يحدث حين يُصادف القلب طيبة لم يكن يتوقعها ولم يكن يعدّ لها. وحين تكلّمت، كانت نبرتها تحمل ثقلاً أكبر مما أراده الكلام:
— “أرجوك يا دارون. لا تفعل هذا. أنا لا أستحق كرمك.”
الجملة الأخيرة علقت في الهواء بعدها طويلاً.
“لا أستحق.”
ليست تواضعاً. كان فيها شيء آخر — شيء يُخبر أن صاحبته تُصدّق ما تقوله، أن هناك سبباً يجعلها تُصدّق ذلك. لكنني لم أسأل. ليس لأنني لا أريد أن أعرف، بل لأن بعض الأشياء لها وقتها الخاص لا وقتنا نحن.
حلّ الليل ببطء كما يحلّ دائماً على الأماكن التي ليس فيها نوافذ — لا تغيّر في الضوء بل توقف مفاجئ لآخر ما تبقى منه. مددنا أجسادنا المتعبة على الأرض الحجرية الباردة. وبينما كنتُ أُحاول الغرق في نوم يأبى المجيء، أتى صوتها.
همسة. رقيقة ومرتعشة كخيط ينطق في ريح.
— “دارون.. أتعلم؟ قبل أن يصبح جري كعبدة، كنتُ من عائلة مرموقة وغنية.”
استدرتُ ببطء لأنظر إليها. لكنها شاحت بوجهها بعيداً، وعيناها تُراقبان الجدار المقابل كأنه أقل إيلاماً من الإفصاح الذي قرّرت الإقدام عليه.
— “امتلكتُ كل ما أردتُه. طعام من أرقى المطابخ، ثياب من أجود الأقمشة، مدرّب خاص منذ أن كانت يدي لا تُمسك السيف بعد. لم أعرف للجوع طعماً ولا للحاجة وجهاً.” صمتت. ثم تابعت بنبرة فيها اشمئزاز من الذات، ذلك الاشمئزاز الصادق الذي يأتي من النظر إلى الماضي بعيون الحاضر: “لكنني كنتُ جشعة. كنتُ قذرة بطريقة لا علاقة لها بالأوساخ. أردتُ دائماً المزيد. استغللتُ جمالي وذكائي لأخدع نبيلاً قوياً، لأجعله يُحقق رغباتي التافهة التي لم تكن تافهة في عيني آنذاك.” توقفت مرة أخرى. ثم: “أليس هذا مضحكاً؟ أردتُ استغلاله فاستغلني هو. لم أكن بالنسبة له سوى عشيقة يمكن استبدالها في أي لحظة بأخرى أصغر أو أجمل أو أكثر امتثالاً.”
التفتت إليّ أخيراً. عيناها في الظلام الخافت تحملان ما تحمله العيون حين يُقرّر صاحبها أن يُتيح لها أن تُرى حقاً.
— “حين تركني، لم أبكِ. اشتعل في صدري شيء أقبح من الحزن — الحقد. فضحتُ أسراره وأفعاله أمام من يجب أن يعلموا.” نفَسها ارتجف قليلاً. “لكن ماذا حصلتُ في المقابل؟ لم أكن أعرف كم وصلت رجله إلى أعماق بعيدة. دمّر عائلتي بالكامل. أبي. أمي. إخوتي. قتلهم بلا رحمة ودون أن يرمش له جفن. وأنا..” وقفت الكلمات للحظة. “كنتُ خائفة. كنتُ جبانة. هربتُ وحدي نحو الحدود، نحو منطقة الحرب، ظناً مني أن الفوضى ستحميني من رجل له عيون في كل مكان. ولم تحمني. أُمسِك بي هناك وجُرِّدتُ من كل شيء كنتُ أعتقد أنه أنا.”
الصمت الذي تلا لم يكن صمت الإحراج ولا صمت عدم المعرفة بما يُقال. كان صمت من يُعطي ما سمعه الوقت الذي يستحقه قبل أن يُردّ عليه.
نظرتُ إلى السقف الحجري. ثم بدأتُ أتكلم — لا لأن الكلام كان سهلاً بل لأن ما فعلته هي كان يستدعي المثل:
— “ميراثيل.. استيقظتُ ذات مرة بلا أي شيء فعلياً. لا ذكريات. لا هوية. لا ماضٍ يربطني بنسيج العالم. فقط اسم — لا أعرف حتى إن كان اسمي الحقيقي أم مجرد كلمة سمعتُها وتمسّكتُ بها كما يتمسك الغريق بأي شيء يطفو. لكنه كان دليلي الوحيد نحو فكرة أنني شخص وليس مجرد جسد يتحرك.”
تنهّدتُ. صور المعارك تعود بطريقتها المعتادة — ليست ذكريات سعيدة تُستدعى بل مشاهد تُفرض نفسها.
— “أول شيء عرفتُه بعد الاستيقاظ كان الحرب. عشتُ جحيماً كاد يأكلني ثم عدتُ حياً لأواجه موجة وحوش كادت تُنهي ما نجا. وحين ظننتُ أنني الأكثر حظاً بين من نجوا، أُقحمتُ في حرب أخرى كانت أشدّها قسوة.” توقفتُ. ثم واصلتُ: “قاتلتُ بكل ما أملك لأنني وللمرة الأولى في وجودي الذي أتذكره، وجدتُ رفاقاً ومنزلاً ومكاناً أدعوه وطناً. كنتُ جزءاً من شيء أكبر مني. ثم انتهى بي الأمر أسقط في النهر العظيم لأُجرَّ إلى هنا كعبد بلا تاريخ ولا ذاكرة ولا من يعرف أين ذهبتُ.”
نظرتُ إليها مباشرة:
— “لكنني أرفض الاستسلام. ليس لأن لديّ خطة محكمة أو قوة كافية. بل لأن الاستسلام يعني أن أُقرّ بأن كل ذلك لم يكن يستحق. وأنا غير مستعد لهذا الإقرار.”
نظرنا إلى بعضنا في الصمت الذي أعقب الكلام. ذلك الصمت الذي لا يكون فراغاً بل يكون امتلاءً من نوع خاص.
في تلك اللحظة، لم نكن دارون وميراثيل العبدَيْن اللذَيْن يتبادلان معلومات استراتيجية في زنزانة. كنا روحين عرفت كل منهما نوعاً مختلفاً من الضياع — ضياع الهوية وضياع الكرامة — ووجدت في الأخرى مرآة لا تُزيّن ما ترى بل تعكسه كما هو.
والمرايا الصادقة نادرة في أماكن مثل كاريثيون.
عاد كلٌّ منا إلى ركنه. الأرض الحجرية الباردة تحت الجسد كما في كل ليلة. القنديل الخافت يرسل آخر ضوئه ثم يستسلم. وفي الزاوية المظلمة، كان صوت تنفس العجوز المنتظم يُذكّر بأن ثمة وجوداً ثالثاً يسمع ولا يتكلم.
في قلبي كان ثقل. ثقل حقيقي لا يُحسّ به إلا من اختار أن يحمل ما كان في وسعه أن يتجنبه.
لكن هذا الثقل كان مختلفاً عن ثقل الأيام السابقة. أثقل. وأخف في الوقت ذاته. أثقل لأنه كان ثقل معرفة حقيقية بمن يقف إلى جانبي. وأخف لأن ما كان كلٌّ منا يحمله وحده صار الآن يُقسَم دون أن يُطلَب ودون أن يُعلَن.
وهذا — في أماكن تُصمَّم لتجعل الإنسان يحمل كل شيء وحده — كان أشبه ما يكون بالنعمة.