الفصل 83 - الوحدة القاتلة
استمر التدريب في تلك الزنزانة الضيقة التي تحوّلت بمرور الأيام إلى ما هو أكثر من زنزانة — إلى مصهر حقيقي لأجساد تُريد أن تصبح شيئاً مختلفاً عمّا كانت عليه حين دخلت.
كان الرجل العجوز يقف قبالتنا ببرود لا يُشبه برود المدرّبين ولا برود المتفرجين. كان يقف كما تقف الجبال — ليس لأنها تريد الوقوف، بل لأن الوقوف هو طبيعتها ولا تحتاج إلى قرار لتستمر فيه. لم يكن يهاجم، والسبب كان أوضح من أن يُشرَح: لستُ بحاجة إلى العقل الفعال لأدرك أن هجمة واحدة جادة منه ستحوّل هذا التدريب إلى وداع سريع. كان يكتفي بصدّ ضرباتنا بحركات مختصرة إلى حدّ الإهانة، مراقباً محاولاتنا اليائسة لفهم لغة “التكثيف” بتعبير لا يُفصح عن رأي ولا يُبدي تشجيعاً.
حاولتُ في البداية تركيز كامل إرادتي في يدي اليمنى أثناء تسديد الطعنة.
المنطق كان واضحاً في ذهني — إذا جمعتَ ما تملكه في نقطة واحدة، فإن تلك النقطة ستحمل ما كان موزعاً على كل الجسد. الضوء الموزّع لا يُحرق. الضوء المُركَّز يخترق.
لكن التطبيق كان كارثة.
الضربة الأولى انتهت بي على الأرض — لأن سحب الإرادة من بقية جسدي لتركيزها في اليد جعل التوازن يختلّ كما تختلّ ميزان ذهبت إحدى كفّتيه. الثانية والثالثة والعاشرة انتهت بنفس النتيجة أو بتنويعات منها. كنتُ أسقط وأتعثر كمن لم يحمل سيفاً في حياته، وكنتُ أنهض وأُحاول من جديد بأسنان مضغوطة وعناد لا يعرف متى يستسلم.
بعد السبعين محاولة فقدتُ العدّ. جسدي بات يتعلم وينسى ويتعلم من جديد في دوامة لا نهاية لها.
ميراثيل لم تكن أوفر حظاً — بل كانت حالتها في بعض الجلسات أشد قسوة.
هي تعتمد في جوهر قتالها على التدفق. ذلك الانسياب الذي تُحرّك به جسدها كأنه سائل يجد مجراه بين الأشياء الصلبة. سرعة ودقة وحركة متواصلة لا تتوقف عند نقطة. فحين تحاول “تجميد” إرادتها في موقع واحد — حين تُطلب منها أن تتوقف عن التدفق وأن تضغط بدلاً من أن تنساب — فإن جسدها يُعبّر عن رفضه بالطريقة الأكثر صدقاً: التشنج.
تشنج مفاجئ يُرسلها نحو الجدار. أو نحو الأرض. أو نحو كليهما بترتيب غير متوقع.
تركت الجدران الحجرية علاماتها على جسدها الرقيق — كدمات أرجوانية على الكتف الأيسر، وكدمة أخرى تحت الضلع الأيمن بدت أكثر إيلاماً مما يُظهره وجهها. لم تشكُ. هذا ما يُصعّب المشاهدة.
بعد محاولات لا تُحصى، استسلمت ميراثيل لليل.
ليس لأن إرادتها ضعيفة — وهذا ما أردتُ قوله لها لكنني لم أقله لأن قولَه كان سيبدو كعزاء والوضع لا يحتاج عزاءً. جسدها نال ما يكفيه من الكدمات والآلام لهذا اليوم، وللإنسان حدود لا يجوز تجاوزها إلا بالضرورة القصوى.
أما أنا، فقد استمررتُ.
غلّف الظلامُ كل شيء وواصلتُ. التعب كان يمزّقني بطريقة مختلفة عن تعب المعارك — تعب المعارك يأتي من الخارج، من الضربات والحركة والمسافة. هذا التعب كان يأتي من الداخل، من تلك المحاولة المتكررة لإعادة تشكيل شيء في عقب الجسد لم يكن على هذا الشكل من قبل.
تركيز الإرادة في نقطة واحدة كان يمنحني قوة لحظية مذهلة — قوة تفوق بمراحل ما اعتدتُه. لكن الثمن كان أن عضلاتي تكاد تنفجر من الداخل، تتمدد لما هو أبعد من حدودها الطبيعية.
وكان العجوز يراقب.
وفي كل مرة تقترب فيها ألياف عضلاتي من نقطة الانهيار الحقيقي — تلك النقطة التي تُصبح بعدها الأضرار دائمة لا مؤقتة — كان يتدخل. دفعة خفيفة بإصبعه على كتفي، أو لمسة على ذراعي، كافية لتشتيت ذلك التركيز القاتل وإعادته إلى ما يستطيع الجسد تحمّله.
لم يقل شيئاً في أي من تلك المرات. لكن تدخّله كان يقول ما يكفي.
رغم أن الانهيار الكامل لم يحدث، فإن الألم الناتج عن التمدد والانقباض المفرط كان هائلاً. كان ثاني أسوأ ألم عشتُه — المرتبة الأولى بقيت لانهيار العقل الفعال حين يُدفع لما بعد حدوده، وهذا الألم كان يذكّرني بذلك.
استلقيتُ في تلك الليلة على الأرضية الحجرية الباردة. لم أبحث عن الفراش، لم أُقرّر بوعي — جسدي انهار إلى حيث كان وفعل ذلك برضا تام.
البرودة اخترقت العظام ببطء ممتع ومسكّن في الوقت ذاته.
وانزلقتُ.
في غياهب اللاوعي حيث لا حدود واضحة بين النوم والوعي الهادئ، شعرتُ به.
الفهد.
لم يكن في ذلك المكان الداخلي بالطريقة التي يأتي بها عادةً — كدخان يتجمع، كقرار يتشكّل. كان موجوداً بالفعل، كأنه لم يذهب أصلاً. وطاقته الدافئة الأرجوانية الخافتة كانت تلتفّ حول عضلاتي كضمادة حيّة، تمسح الأذى بطريقة لا يعرفها النوم وحده ولا الراحة وحدها.
شفاء. شفاء حقيقي يحدث في الليل.
لكن الأغرب — والشيء الذي لاحظتُه من تلك الحافة الغريبة بين النوم واليقظة — أن تلك الطاقة امتدّت. لم تبقَ في حدودي. امتدّت نحو الجهة التي تنام فيها ميراثيل، ببطء مقصود أو غير مقصود، وغلّفت جسدها أيضاً بخيط رفيع من تلك الدفء الشافي.
“هل يستطيع تعزيز شخصين في وقت واحد؟” تساءلتُ في مكان ما يسبق الكلام المُفكَّر. ثم غرقتُ تماماً قبل أن أجد جواباً.
في الصباح التالي، فتحتُ عيني على جسد لا يُذكّرني بشيء مما فعله أمس.
خفيف. نشيط. كأن الليل لم يكن ليلاً بل أسبوعاً من الراحة المُكثّفة.
نظرتُ إلى يديّ. لا آثار للتمدد المفرط. لا صلابة في الأصابع. قبضتُ بهما مرة ثم مرتين وابتسمتُ لما وجدتُ.
ثم نظرتُ إلى ميراثيل.
كانت تفحص ذراعها بنظرة تُعبّر عن شيء بين الذهول والتساؤل. تقلّب الكتف الأيسر. تضغط بأصابعها على الموضع الذي كانت فيه الكدمة الأرجوانية الكبيرة بالأمس. ثم رفعت عينيها إليّ.
— “اختفت.” قالت بصوت يحمل استفهاماً لا يُصيغ نفسه في جملة.
— “الفهد.” أجبتُ. “يبدو أن قدرته تطوّرت.”
نظرت إليّ لحظة. ثم نظرت إلى الزاوية حيث كان العجوز يشاهدنا بتعبير لا يُعلن إعجاباً ولا مفاجأة. ثم عادت إليّ.
لم تقل شيئاً آخر. لكن شيئاً في طريقة نظرتها تغيّر قليلاً — كأن حاجزاً رفيعاً كان موجوداً بيننا وجد أنه لم يعد ضرورياً.
مرّ اليوم الثاني كالأول في جوهره — تدريب شاق، محاولات فاشلة، ألم يُعلّم ببطء ما لا تستطيع الكلمات تعليمه. لكن في نهايته، وبينما كنتُ أجلس وأسمح لنفسي بدقيقة من عدم المحاولة، شرد ذهني.
إيمي.
الاسم جاء دون استدعاء. تساءلتُ كيف حالها. هل تقاتل؟ هل تضحك بتلك الطريقة التي تُغيّر جوّ الغرفة كلها؟ هل تبحث عنّي أم استسلمت لحقيقة أنني اختفيتُ في الفوضى التي اتسمت بها تلك الأيام؟
وستارك ومحمد والبقية — الغابة والأسوار والحصار الذي بدأناه معاً. إلى أين ذهبت تلك الحرب؟
وسيد الرماد. ذلك الرجل بعيون الفراغ وابتسامة لا تتغير. أين اختفى؟ ماذا يُخطّط في الظلام الذي يبدو أنه يُلائمه أكثر من الضوء؟
نفضتُ هذه الأفكار. الأولوية الآن — الوحيدة التي يجوز لي التفكير فيها — هي الخروج من هذا الجحيم. بأيّ ثمن. وأيّ طريق.
جاء يوم القتال الثالث.
هذه المرة لم يكن الخصوم أفراداً تُحسَب بالأصابع. كانوا جيشاً مصغّراً: خمسون مقاتلاً من المستوى الأول يصطفون في تشكيل منظم تحت إشراف قائدَيْن من المستوى الثاني يقفان في المؤخرة كمحرّكَيْ دمى. كانت الساحة تبدو حين وقفنا في مدخلها كرقعة شطرنج مُشبَعة بالأجساد.
لو كانوا من المستوى الأول فقط لكان الأمر صعباً ومرهقاً لكن قابلاً للحسم. الخمسون من المستوى الأول حين يتصرفون كأفراد يكونون مجموع خمسين خطر منفصل، وهذا يُحسَب. لكن القائدَيْن كانا يُحوّلانهم إلى شيء آخر — آلة قتل واحدة برأسين وخمسين ذراعاً. الصفوف تتحرك بأوامر خفية، الثغرات تُملأ تلقائياً، والضغط لا يتوقف من أي اتجاه.
كانت المعركة فوضوية وشديدة وطويلة. العرق والدم والرمال تختلط على الجسد حتى تصبح طبقة واحدة لا تُميّز مما هو منك ومما هو من عدوك. تمكنّا من قتل أكثر من نصف العدد بجهد جهيد مُضنٍ — أنا أعمل على الجانب الأيمن وميراثيل على الأيسر، تتقاطع حركاتنا حين تقتضي الضرورة دون أن نحتاج كلاماً.
ثم قرّر القائدان التدخل.
رأيتُهما يتحركان نحو الأمام — حركة القائد حين يقرر الحسم بنفسه. وكان واضحاً أن ما تبقى من الاتباع سيُوجَّه نحونا في الوقت ذاته لتشتيت الانتباه.
— “ميراثيل، السلاسل!” صرختُ وصوتي يخترق صليل السيوف المتشابكة.
فعلت الأمر فوراً. السلاسل السوداء التي لا تُرى إلا في عالم الإرادة شبكت القائدَيْن في قيد واحد يُثقّل سرعتهما — السرعة التي هي أول ما يُميّز المستوى الثاني عن الأول.
استغللتُ تلك اللحظة التي أصبحا فيها يتحركان بحجم آخر.
فعّلتُ العقل الفعال. الخيوط ارتسمت. أقصر مسار نحو الأول كان عبر الثغرة التي خلقها تباطؤه بين ذراعه اليمنى والصدر. انقضضتُ وأنهيتُه.
استدرتُ على الفور نحو الاتباع المتبقين الذين فقدوا لحظة تركيزهم حين سقط قائدهم — تلك اللحظة القصيرة التي تحدث في الجيوش الصغيرة حين يسقط من يتبعونه، حين تسأل الأجساد بشكل تلقائي: “ماذا الآن؟” وفي تلك الثانية من السؤال تسكن الثغرة الأوسع.
حصدتُ ما تبقى بينما أنهت ميراثيل القائد الثاني بطريقتها الخاصة — تلك الطعنة المباشرة التي تجد دائماً ما كانت تبحث عنه.
حين هدأ الغبار وصمت الصليل ولم يتبق واقف سوى اثنين، وقفنا نلهث وسط الحصيلة.
دارون: واحد وثلاثون مقاتلاً من المستوى الأول، وقائد واحد من المستوى الثاني.
ميراثيل: تسعة عشر مقاتلاً من المستوى الأول، وقائد واحد من المستوى الثاني.
الأرقام في ذهني تتشكّل تلقائياً حين أحاول أن أُقدّر ما كسبناه:
واحد وثلاثون من المستوى الأول: اثنتان وستون نحاسية، تعادل ستّ فضيات ونحاسيتين.
قائد واحد من المستوى الثاني: فضية كاملة.
مجموع القتال: سبع فضيات ونحاسيتان.
مضافاً إلى رصيدي السابق من ستّ فضيات وأربع نحاسيات — أصبح عندي ثلاث عشرة فضية وستّ نحاسيات. وحيث إن عشر فضيات تُساوي ذهبية واحدة، صار رصيدي ذهبية واحدة وثلاث فضيات وستّ نحاسيات.
ثم حسبتُ لميراثيل.
تسعة عشر من المستوى الأول: ثمان وثلاثون نحاسية، تعادل ثلاث فضيات وثماني نحاسيات.
قائد واحد من المستوى الثاني: فضية واحدة.
مجموع القتال: أربع فضيات وثماني نحاسيات.
مضافاً إلى رصيدها السابق من أربع فضيات — أصبح عندها ثماني فضيات وثماني نحاسيات.
نظرتُ إلى القطع في كيسي الجلدي الصغير. ثم نظرتُ إلى ميراثيل.
الهوّة بيننا كانت أوضح من أي وقت مضى. أنا عند الذهبية الأولى. وهي لا تزال بعيدة عن الذهب الأول بمسافة تُقلق.
وأنا أحتاج مئة ذهبية للحرية. مئة.
ذلك يعني — إذا استمرّ هذا الإيقاع — أنني سأجمع ما يكفي وأخرج من هذا المكان قبلها بوقت طويل. قبلها بكثير.
وهي ستبقى.
الفكرة لم تأتِ بهدوء. جاءت كشيء يُدفَع بالقوة في الصدر. شددتُ على أسناني بقوة حتى شعرتُ بطعم مألوف في فمي — طعم الحقيقة التي لا تُريد أن تُقبَل.
ميراثيل ستبقى في كاريثيون وحيدة. بلا العقل الفعال. بلا الفهد. بلا شريك يُصرخ “السلاسل” في اللحظة الصحيحة.
ستواجه هؤلاء الوحوش بما تملك فقط.
وما تملك كان كثيراً، لكن ما لا تملك كان كذلك.
غادرتُ الساحة في صمت خانق، خطواتي تحمل ثقلاً لم يضعه القتال بل وضعه ذلك الحساب البارد الذي أجريتُه وهو يُخبرني بشيء لا أريد سماعه:
الحرية لا تعني شيئاً إذا كانت تعني تركها وراءك في جحيم لا تستحقه.