الفصل 82 - التكثيف و التخفيف
في اليوم التالي، جاء الصمت مختلفاً.
ليس ذلك الصمت الثقيل الذي يسبق المعارك، ولا الصمت المنهك الذي يتبعها. كان صمت الأسئلة التي تجلس في الصدر وترفض المغادرة. أمضيتُ الليل كله أُراقب سقف الزنزانة الحجري الرطب وأنا أُعيد مشهد الفأس والرأسين المتساقطين بطريقة لا تتوقف عند نهاية طبيعية بل تعود من البداية مرة أخرى.
رجل ينام في زاويتنا. يأكل الخبز الجاف نفسه الذي نأكله. يصمت حين نتكلم وينام حين ننام. ثم ينزل إلى الساحة ويقتل من المستوى الثالث كما يقتل المرء وقته في ليلة طويلة.
وعاد ومسح فأسه ونام.
استيقظتُ قبل ميراثيل. قبل الحارس الذي يجلب الطعام. قبل الضوء الذي يتسرب من الشق الضيق في أعلى الجدار. وحين فتحتُ عيني، كان العجوز مستيقظاً بالفعل.
كان يجلس في زاويته المعتادة. لكنه لم يكن يُغمض عينيه هذه المرة. كان ينظر إليّ.
لم أتصنع النوم. لا فائدة من ذلك أمام رجل يقرأ الأشياء قبل أن تحدث.
جلستُ ببطء وأسندتُ ظهري إلى الجدار البارد، ونظرتُ إليه مباشرة. المسافة بيننا لم تكن كبيرة — زنزانة لا تتسع لأكثر من أربعة خطوات في أي اتجاه — لكنها كانت تبدو مشحونة بشيء لا يُسمَّى.
— “سيسيليا.” قلتُ الاسم بصوت منخفض لا يُوقظ ميراثيل.
لم يتفاجأ. لم أتوقع منه أن يتفاجأ.
— “نعم.” أجاب بنفس النبرة المنخفضة والمستوية. صوت رجل لا يُغيّر نبرته أمام أي شيء.
— “من هي؟”
نظر إليّ لحظة. ثم نظر نحو الجدار المقابل كأنه يُقرّر شيئاً.
— “سؤال خاطئ.” قالها ببطء. “السؤال الصحيح ليس من هي. السؤال الصحيح هو: لماذا اختارتك.”
أحسستُ بشيء يتحرك في عمق صدري عند هذه الكلمات — تحرك غريب كخفقة جناح داخل قفص. الفهد الأسود. لكنه لم يكن هو. أو لم يكن هو وحده.
— “ألا تعرف الإجابة؟” سألتُه.
ابتسم. تلك الابتسامة الباردة التي لا تُضيء وجهه بل تُضيف إليه طبقة أخرى من الغموض.
— “أعرف جزءاً منها. الجزء الذي يمكن رؤيته من الخارج.” توقف. “الجزء الآخر لا يعرفه إلا من بداخله.”
استيقظت ميراثيل على صوت وصول الطعام. الحارس الغليظ ألقى الأطباق من وراء الباب بأسلوبه المعتاد الذي يُعلن بوضوح أنه لا يرى فينا أكثر مما يرى في البهائم.
جلسنا نأكل ثلاثتنا في صمت للوهلة الأولى. ثم لاحظت ميراثيل ذلك الشيء الغير مرئي الذي يملأ الهواء بين العجوز وبيني.
— “ماذا فاتني؟” سألت بنبرة من تعلّمت أن الصمت هنا نادراً ما يكون عشوائياً.
نظرتُ إلى العجوز. أومأ برأسه بحركة لا تعني الإذن ولا الرفض. تعني — قرار. خذه أنت.
— “كان يُخبرني عن سيسيليا.” قلتُ.
رفعت حاجبيها. ثم:
— “الجنية التي ذكرها الليلة قبل الماضية؟”
— “نعم.”
صمتت لحظة، ثم التفتت نحو العجوز بشيء في عينيها يُشبه الجرأة المدروسة:
— “وهل ستُخبرنا بأكثر؟ أم أن الأسرار جزء من نوم نومك أيضاً؟”
نظر إليها العجوز. نظرة أطول مما توقعتُ. ثم، وللمرة الأولى منذ أن عرفتُه، وضع طبقه جانباً بحركة تُوحي بأنه قرّر أن يتكلم بالفعل.
— “سأقول ما يجب قوله. لا أكثر.”
جلس بشكل أكثر انتصاباً. شيء طفيف تغيّر في طريقة إمساكه لنفسه — كأن الرجل الذي يُخفي ما يعرفه سمح لبعض ذلك المعروف بالخروج من حدوده.
— “الجنيات ليسوا مخلوقات الأساطير التي تُروى في الحانات.” بدأ بصوت منخفض ثابت. “هم كيانات من طبيعة الإرادة الخالصة. لا جسد يُحدّهم. لا زمن يُقيّدهم بالطريقة التي يُقيّدنا. يختارون أحياناً — نادراً جداً — أن يُقيموا في إنسان. يسكنونه لا ليسرقوا إرادته بل ليُقيموا علاقة من نوع آخر. علاقة لا يملك البشر كلمة دقيقة لها.”
توقف. ثم:
— “سيسيليا من أقدمهم. ومن أكثرهم.. انتقائية. رفضت طوال قرون عروضاً من فرسان المستوى الرابع ومن وصل أعلى. لم تجد ما تبحث عنه فيهم.”
نظر إليّ بعيون تحمل شيئاً يُشبه — لأول مرة — اهتماماً حقيقياً.
— “ثم اختارتك أنت. فتىً في المستوى الثاني لم يُكمل بعد ما بدأه. وهذا وحده يكفي لأن يجعل أي من يعرفها يتوقف.”
صمت الثلاثة. الصمت الذي يتبع الكلام الذي يُغيّر شيئاً.
ثم سألتُ بصوت أحاولتُ تثبيته:
— “لماذا لا تُخبرني بنفسها؟ لماذا تبقى صامتة؟”
أجاب العجوز دون تردد:
— “لأنها تنتظر. الجنيات لا تتكلم قبل أن يكون المستمع جاهزاً للسماع. وليس الجاهز من يريد الاستماع — الجاهز من يستطيع تحمّل ما سيسمعه.”
في تلك الليلة، جلستُ في الزاوية الأكثر هدوءاً من الزنزانة. ميراثيل تنام. والعجوز في زاويته بعيون مغمضة لا أعرف إن كان نائماً حقاً أم لا.
أغمضتُ عيني.
لم أستدعِ الفهد الأسود. لم أُفعّل العقل الفعال. لم أُحاول الوصول إلى أي شيء.
فقط جلستُ. وأنصتُّ للداخل.
للوهلة الأولى، لم يكن هناك شيء سوى الصمت المعتاد الذي يسكن الجسد حين يتوقف عن الحركة. ثم — وبخفوت أقل من همسة، بصوت يُشبه صوت ورقة تتحرك في الهواء الساكن دون سبب — شعرتُ بشيء.
ليس كلاماً. ليس صوتاً. ليس حتى فكرة كاملة. كان كلمسة — كلمسة من داخل الداخل، من مكان يسبق الكلام بمراحل. كأن شيئاً يعيش في أعماق لم أصلها من قبل قرّر، لثانية واحدة فقط، أن يُعلن أنه موجود.
ثم اختفى.
وبقيتُ أنا في الظلام، عيناي مغمضتان، قلبي يدق بإيقاع لم يكن هذا الإيقاع قبل هذه الثانية.
سيسيليا.
لم أنطق الاسم. لكنه كان في الهواء كأنني نطقتُه.
في الصباح التالي، حين جاء الطعام وفتحتُ عيني على الضوء الشحيح المتسرب من الشق الضيق، وجدتُ العجوز ينظر إليّ بالطريقة التي ينظر بها من يعرف أن شيئاً تغيّر دون أن يسأل عن التفاصيل.
أومأتُ له بحركة بطيئة. لم يُجب. لكن شيئاً في انحناءة رأسه الطفيفة كان يقول ما كافياً.
وميراثيل، حين رأتني بتلك العيون التي لم أستطع إخفاء ما فيها، لم تسأل أيضاً. مدّت يدها وأمسكت طبق الطعام وقدّمته لي بصمت.
وكان في ذلك الصمت شيء أثقل من كل كلام.