الفصل 81 - العجوز..ليس بشريا حتما
يوماً بعد يوم، بدأت جدران الزنزانة تفقد برودتها المعتادة التي اعتدتُ عليها حين وصلتُ إلى هذا المكان. أو ربما لم تفقدها حقاً، وربما كانت ميراثيل هي من أضفت الدفء عليها — دفء لا يُقاس بدرجة الحرارة بل بذلك الشيء الغريب الذي يحدث حين يُقرّر إنسان أن يُوجد بالقرب منك بصدق لا بمجاملة.
تلك الفتاة التي دخلت حياتي بوجه جليدي يخلو من المشاعر كما يخلو الحجر من الدفء، أصبحت الآن تستقبلني كل صباح بابتسامة أكثر إشراقاً من الصباح الذي سبقه. لم أكن أتخيل يوماً أن وجهاً صُقِل وسط غبار المعارك ونعومة الرماد ورطوبة الزنازين يمكن أن يحمل ابتسامة كهذه — ابتسامة تجعلك تنسى للحظة القصيرة والثمينة أنك تقبع في قعر كاريثيون وأن الباب خلفك مغلق بقفل لا تملك مفتاحه.
لكننا لم نُضع وقتنا في التأمل والتمني. استغللنا كل ساعة، كل فترة الصمت بين وجبتين، كل ليل طويل لا نستطيع فيه النوم — استغللناها للتدريب كثنائي. أردنا أن نسبر ما بيننا من قدرات، أن نعرف كيف تتشابك وكيف تتكامل وأين تتعارض.
فاقترحتُ عليها شيئاً لم يُقترح على مقاتلَي تدريب عاديَيْن: أن تستخدم سلاسلها السوداء عليّ.
في الاختبار الأول، قيّدت ميراثيل “سرعتي وقوتي” معاً.
شعرتُ بالتحول في اللحظة التي شبكت فيها أصابعها تلك الحركة الخفية التي تسبق تفعيل القدرة — كأن الهواء من حولي قرّر أن يتكاثف ويتحول إلى رصاص منظور لا يُرى. سيفي الخفيف الذي اعتدتُ تحريكه بمعصمي وحده صار يتطلب كتفي كاملاً وثقل جسدي. عضلاتي كانت تنقبض وتنبسط لكن بمقاومة كأنها تعمل ضد جاذبية مضاعفة، كأنها تحاول تحريك أوزان الجبال بنفس الأمر الذي كانت تُحرّك به الريشة.
الإحساس بالعجز المطبق كان يُريد أن يتحول إلى ذعر. لكن ذعر المقاتل يبدأ من اللحظة التي يقرر فيها الاستسلام لما فُرض عليه.
قررتُ عدم الاستسلام.
وتدريجياً، في تلك الساعة الطويلة المؤلمة، اكتشفتُ شيئاً: حين تُسلَب القوة، تبرز المهارة التي كانت مختبئة خلفها طوال الوقت. اضطررتُ إلى الاعتماد على الزوايا الميتة — تلك المسارات التي لا يُغطّيها الدفاع لأنه لا يتوقعها — والنصل يتحرك بالدقة لا بالزخم، بالتوقيت لا بالقوة. كل ضربة أصبحت سؤالاً لا تأكيداً: أين الثغرة؟ وليس: كم أملك من قوة أصبّها؟
في الاختبار الثاني، غيّرت ميراثيل الهدف. “المرونة والسرعة” هذه المرة.
كان العذاب مختلفاً في طبيعته. التصلّب الذي أصاب عضلاتي لم يكن كالثقل — كان كالخشب الجاف الذي يكسر بدلاً من أن ينحني. جسدي يرفض الانسياب، يرفض الالتفاف حول الهجمات، يرفض تلك الحركة اللولبية التي تُحوّل قوة الخصم ضده. الهجمات البسيطة التي كان جسدي يتجنبها بسهولة أصبحت تتطلب قراراً واعياً.
لكن السلاسل لا تستطيع تقييد أكثر من شيئين — وهذا كان المفتاح. القوة بقيت معي كاملة. فتعلّمتُ شيئاً جديداً: أن القوة الغاشمة المُوجَّهة بشكل صحيح يمكنها أن تعوض غياب المرونة. بدلاً من الالتفاف حول الضربة، التقيتُ بها. بدلاً من السير حول الجدار، اخترقتُه. ضربات مباشرة لا تعترف بالالتفاف ولا تحتاج إليه.
أما الاختبار الثالث — وهو الأصعب بلا منافسة — فكان حين طلبتُ منها أن تُقيّد “قدرتي وأفكاري”.
لم أُدرك ما معنى ذلك حقاً حتى بدأ.
رأسي بدأ يغلي من الداخل. ضغط هائل خلف جبهتي كأن عقلي يُعصَر داخل قالب حديدي لا يتسع له. لم تكن القدرة تافهة كما رأيتُ في مواجهات أخرى حين تُنفى الإمكانات تماماً وتُمحى. كانت تقييداً من نوع آخر — تضييقاً لحدود الإمكان، كمن يُصغّر نافذة واسعة إلى فتحة ضيقة دون أن يُغلقها كلياً.
كنتُ لا أزال قادراً على تفعيل “العقل الفعال”. لكن خيوط الإرادة التي كنتُ أراها بوضوح كاملٍ في الأوقات العادية — تلك الخيوط الذهبية الممتدة الواضحة المسار — أصبحت فجأة نسيجاً منهاراً متشابكاً يتطلب جهداً مضاعفاً لقراءته. كأن اللغة التي كنتُ أقرأ بها تحوّلت إلى لغة أخرى لها نفس الحروف لكن قواعداً مختلفة.
كان مؤلماً. وكان مفيداً بنفس المقدار.
لأن من لا يعرف كيف يعمل في ظروف قدرته المُقيَّدة لن يعرف قيمة قدرته حين تكون كاملة.
قطع تدريبنا صوت حارس غليظ الصوت يُعلن من وراء الباب الحديدي بنبرة من لا يُفسح له مجال للسؤال: وقت نزال الرجل العجوز قد حان.
سُمح لنا هذه المرة بالمشاهدة. ممر جانبي ضيق يطلّ على الساحة من فوق، بجدار من القضبان الحديدية المتباعدة بما يكفي للنظر دون أن يكفي لأكثر من ذلك.
وقفتُ إلى جانب ميراثيل خلف القضبان. كنتُ في غاية الفضول بطريقة لا أُحسن إخفاءها — من هو هذا الرجل الذي ينام في زاويتنا كل ليلة، ويقتل من المستوى الثالث بحركة لا تُستهلك فيها أكثر من دقيقة، ولم يظهر على جسده يوماً أثر لما فعل؟
نزل إلى الساحة بخطواته المعتادة. الخطوات التي لا تُعلن ولا تستعرض.
وخصماه هذه المرة كانا التوأم.
بمجرد أن وطئت أقدامهما الرمال ونظرتُ إليهما بعين “العقل الفعال”، أصابتني قشعريرة بدأت من مؤخرة رقبتي ونزلت إلى العمود الفقري. خيوط إرادتهما لم تكن متداخلة كما يكون تداخل إرادتَيْ مقاتلَيْن يتعاونان. كانت منصهرة. كأن ما أمامي ليس اثنين بل كياناً واحداً يسكن جسدين — وعي مشترك يتدفق في قناتين. هذا المستوى من التناغم لم أرَه ولم أسمع عنه. جعلهما أخطر من أي مقاتل مستوى ثالث واجهتُه حتى الآن بمفرده، لأن مفردَيْن منصهرَيْن يُشكّلان شيئاً أكبر من مجموعهما الحسابي.
بدأ النزال.
ظهرت قدرتهما بصورة جليّة في الثواني الأولى. اخترتُ تسميتهما حسب ما أراه — “الدفع” و”الجذب”.
الأول كان يُركّز الهواء أمامه في نقطة واحدة ثم يُطلقه دفعة واحدة — انفجار غير مرئي يُطيح بكل ما أمامه كأن جداراً من الهواء قرّر أن يتحرك. الثاني كان عكسه التام — قوة جذب مغناطيسية لا تُرى لكن تُحسّ، تجذب نحوه كل ما تطاله، الأسلحة، الأجساد، حتى الرمال تتحرك نحوه حين يُفعّل قدرته بكاملها.
وكانا يعملان بتناوب محسوب بدقة كأن ساعة واحدة تضرب دقاتهما معاً.
الدفع يُبعد العجوز. والجذب يسحبه في اللحظة التي يحاول فيها استعادة توازنه، مُوجِّهاً إياه ليتلقى طعنة الرمح التي يكون الأول قد هيّأ لها المسافة المثالية. ثم دفع مرة أخرى. وجذب مرة أخرى. كمطرقة وسندان لا يتوقفان.
شعرتُ بالرعب من مجرد تخيّل مواجهتهما. كيف تُقاتل عدواً يُحدّد موقع جسدك في الفضاء بدلاً منك؟ كيف تُخطّط لهجمة وأنت لا تعرف إن كنتَ ستكون في مكانك حين تُنفّذها؟
ثم توقف رعبي.
لأن العجوز لم يتأثر.
كان يمشي وسط عاصفة الجذب والدفع المتناوبة كأنه يتنزه في حديقة خريفية يعرفها منذ طفولته. لم يُظهر اهتماماً، لم يُعدّل وضعية جسده، لم يُكيّف خطواته. قوة الدفع التي رأيتُها تقتلع كتلة رمل صلبة من مكانها كأنها ورقة — تلاشت عند ملامسة ثيابه الرثة كأنها اصطدمت بجبل ظنّته فراغاً. وقوة الجذب التي كانت تُحرّك الأسلحة من أيدي من يُمسكها — فشلت في تحريك قدمه ملمتراً واحداً واحداً.
خيوط إرادته، حين نظرتُ إليها بالعقل الفعال، كانت ذهبية. هذا ليس وصفاً — كانت ذهبية فعلاً، بلون لم أرَه في خيوط أحد آخر من قبل. ومستقرّة بثبات يُشبه استقرار الجبال لا استقرار الأشياء الثابتة بالقوة. كأن ما يحيط به لا يؤثر فيه لأنه هو من يُحدّد ما يؤثر وما لا يؤثر.
كأن المحيط كله يستأذنه قبل أن يُحرّكه.
ثم تحرّك.
لم يكن تحرّكاً سريعاً بالمعنى الذي نفهمه — السرعة التي تجعل العيون تفقد تتبّع الجسد. كان شيئاً آخر. كان “مطلقاً”. كأن قرار الحركة وتنفيذ الحركة ووصول الحركة إلى غايتها حدثت في شيء أضيق من لحظة، في جزء من لحظة لا اسم له في اللغة.
فأسه الصغيرة. تلك الأداة التي تبدو في يده عادية كما يبدو المشرط عادياً في يد الجرّاح — حتى يبدأ الجرّاح عمله.
بضربة واحدة انسيابية واحدة — لا بضربتين متتاليتين بل بحركة واحدة كأن اليد تعرف مسار كلا الرأسين في آنٍ واحد — قطع كلا رأسَيْ التوأم.
سقط الرأسان على الرمال بفارق زمني لا يُذكر.
والجسدان بقيا واقفَيْن لبضع ثوانٍ — واقفَيْن في وضعية الهجوم، الذراعان والرمحان في حركتهما الأخيرة التي لن تكتمل — قبل أن يُقرّرا السقوط.
قتلهما. وكأنهما حشرتان تعترضان طريقه لا بغضب ولا بجهد ولا باهتمام. دون أن يرمش له جفن، دون أن يتسارع نَفَسه، دون أن يتغير شيء في تعبير وجهه الذي لم يكن له تعبير يُذكر أصلاً.
نظرتُ إلى ميراثيل.
في عينيها ذلك الذهول الذي يأتي حين يرى العقل شيئاً ويرفض في الوقت ذاته تصديقه. ذهول لا تُحلّه الكلمات بل تتركه يجلس.
ثم نظرتُ إليه من جديد. رجل يمسح فأسه بطرف ثوبه الرثّ ببطء مقصود، ببرود أبعد ما يكون عن العرض أو الاستعراض. لم يكن يمسح أداة قتال. كان يمسح شيئاً أزعجته قليلاً ويُعيد أمور المكان إلى طبيعتها.
تساءلتُ في صمتي — وليس في صمتي وحده بل في الصمت المشترك الذي يجمعني وميراثيل خلف تلك القضبان — أيّ نوع من “الأماكن للموت” يبحث عنه وحش من هذا القبيل؟ ما الذي يجعله يختار هذا المكان، هذه الزنزانة، هذه الساحة، بجوار مقاتلَيْن لا يزالان يتعلّمان كيف يبقيان حيّيَيْن؟
وهل نحن حقاً في أمان بجواره؟
أم أن “الأمان” هو مجرد خيار يتخذه هو ويستطيع التراجع عنه متى شاء دون أن نملك في ذلك كلمة واحدة؟
الفأس لمعت في ضوء الساحة وهو يُعيدها إلى مكانها المعتاد. وبقيتُ أنا أُحدّق فيه حتى بعد أن أدار ظهره وبدأ يسير نحو الممر المعاكس. محاولاً أن أجد في تلك الخطوات الهادئة جواباً لسؤال لم أجرؤ بعد على نطقه بصوت عالٍ.