الفصل 80 - العجوز المخيف
عُدنا إلى الزنزانة يلفّنا صمت من نوع لم نعرفه من قبل في تلك الجدران الرطبة. ليس صمت الخوف الذي يُضيّق الصدر ويجعل كل صوت خارجي يبدو تهديداً — ذلك الصمت عرفناه جيداً وتعلّمنا التعايش معه. هذا كان صمتاً مختلفاً: صمت أولئك الذين أدركوا أن نجاتهم لم تكن مجرد حظ جيد توزّع بعدالة في اللحظة الصحيحة. كان صمت المعرفة الثقيلة.
جلسنا كلٌّ في مكانه المعتاد. الجدار البارد على ظهري كان يُعيد بعض الوضوح لجسد لا يزال يُحصي ما دفعه. جبهتي كانت تنبض بإيقاع منتظم يُذكّرني بالرمح كلما تنفستُ بعمق.
لم يمرّ وقت طويل حتى ظهرت إيلارا.
جاءت كما تأتي دائماً — بخطوات لا تُعلن وبيدين تعرفان ما تفعلانه دون أن تستأذنا أحداً. اقتربت مني بذلك البرود المهني الذي لا يعني اللامبالاة بل يعني الكفاءة. أمسكت بقطعة قماش مبللة بمحلول مطهّر حاد الرائحة وبدأت تمسح الدم الجاف عن جبهتي بحركات دقيقة لا تؤلم أكثر مما يجب.
— “جرح بسيط.” قالتها بنبرة الطبيب الذي يُعطيك الحقيقة دون مقدمات. “النصل بالكاد خدش العظم، لكنه كان قريباً من عينك بمسافة أقل مما ينبغي.” وضعت الضمادة بضغطة دقيقة محكمة. “اعتبر نفسك محظوظاً يا دارون.”
لم أُجب. المحظوظ لا يجلس مع دمٍ جافٍّ تحت شعره يُحسّ بوزنه حين يُحرّك رأسه.
غادرت إيلارا وتركت خلفها طبقَي الطعام على الأرض. انقضضنا عليهما بجوع صامت — ذلك الجوع الذي يأتي بعد معركة، حين يُقرّر الجسد فجأة أنه بقي وأن عليه الآن أن يأكل. صوت الملاعق الخشبية على الأطباق كان الصوت الوحيد لفترة طويلة.
حين انتهينا، ساد هدوء ثقيل. ثم كسرته ميراثيل.
— “لقد تأذيتَ بسببي.”
قالتها وعيناها على الضمادة البيضاء المربوطة على جبهتي، في نبرة لا تطلب ردّاً بل تُسجّل واقعاً أتعبها.
هززتُ رأسي ببطء وأسندتُ ظهري إلى الجدار:
— “هذا أمر طبيعي يا ميراثيل. الإصابة في القتال ليست خطأ أحد. هي ضريبة تدفعها لأنك موجود في المكان الخطأ في الزمن الصحيح، أو في الزمن الخطأ في المكان الصحيح. المهم أننا وقفنا معاً في النهاية، ووقوفنا معاً في النهاية هو كل شيء.”
أومأت، لكن عيناها لم تُغادرا الضمادة مباشرة. ثم رفعتهما نحوي، وفيهما فضول لم يعد بإمكانه الانتظار:
— “تلك القدرة التي تملكها.” توقفت لحظة كأنها تختار الكلمات. “رأيتُ كيف تغيّرتَ فجأة حين قيّدتُ حركتهما. من قبل ذلك كنتَ تدافع وتتراجع، ثم فجأة تحرّكتَ كأنك تقرأ ما لم يُكتَب بعد. كيف عرفتَ أين ستكون الضربة القادمة؟”
تنهّدتُ. ليس تنهيدة المُحجِم بل تنهيدة من يُقرّر أن الشفافية أقل تكلفةً من الغموض حين يُشاركك شخص ما جدراناً وقتالاً وغنائم من الدم.
— “أسميها ‘العقل الفعال’.” قلتُ بصوت هادئ لا يُريد أن يصل إلى الزاوية المظلمة في آخر الزنزانة. “تتيح لي رؤية إرادة الخصوم على شكل خيوط ممتدة في الهواء قبل أن يُحرّكوا أي شيء. أرى المسار الذي سيتخذه النصل قبل أن ترتفع اليد التي تُمسكه.”
صمتّ قليلاً. ثم أضفتُ بمرارة لم أتكلّفها:
— “لكن لها ثمناً لا يُساوَم عليه. دقيقتان — ستون ثانية مضاعفة — هي كل ما يمنحني إياه هذا الجسد قبل أن ينهار الضغط الداخلي وأصبح أعمى تماماً. أعمى بمعنى حرفي لا مجازي.”
أومأت ميراثيل برأسها ببطء، كأن هذا يُكمل شيئاً كانت تبني فهمه. ثم فتحت فمها:
— “سلاسلي السوداء تعمل على مبدأ التقييد. يمكنها أن تُقيّد أي شيء من المقاتل — السرعة، القوة، حتى الحواس والأفكار في الحالات الأعمق. لكن حدودها صارمة ولا تتفاوض.” توقفت، وعيناها تُحدّقان في نقطة ما أمامها كأنها ترى الحدود تلك. “لا يمكنني تقييد سوى شيئين لشخص واحد، أو شيء واحد لشخصين في وقت واحد. وكل استخدام يستنزف طاقة روحية لا تُعاد ببساطة.”
جلسنا في الصمت الذي تتركه المعرفة الجديدة حين تستقر. معرفة يعرفها كلٌّ منا عن الآخر الآن، وتلك المعرفة تُغيّر شيئاً في طبيعة المسافة بين الناس.
ثم انفتح الباب.
دخل الرجل العجوز.
كعادته في كل مرة — لا أثر للقتال على جسده. لا نَفَس متسارع، لا احمرار في الوجه، لا خدش واحد على الجلد المتجعّد. كأنه لم يقتل مقاتلَي المستوى الثالث قبل ساعات وحسب، بل كأنه جاء من نومة هنيئة. جلس في زاويته المظلمة بحركة واحدة هادئة، وامتلكها بصمت مخيف.
وخلفه دلفت “راعيتنا”.
ذات العيون الزمردية التي تُحصي الأرقام خلف أي مشهد تراه. كانت ملامحها تشع بشيء يُشبه الفخر لكنه ليس الفخر الدافئ — الفخر البارد لمن يرى استثماره يُعطي عائداً أفضل مما حسب.
— “أداء جبار!” صاحت وهي تصفق بكفّيها صفقة واحدة حادة. “العمل الجماعي الذي أظهرتماه اليوم رفع قيمة المراهنات على اسمَيكما إلى الضعف. أرقام جميلة.” ابتسمت بطريقة تجعل الابتسامة تبدو كحسابات تجارية مجسّدة. “من الآن فصاعداً، جدولكما سيصبح أكثر ازدحاماً. ثلاث قتالات في الأسبوع. آمالي فيكما كبيرة — فلا تُخذلاني.”
غادرت وهي ترسم في ذهنها أحلاماً من الذهب تقوم على أساس جثثنا المحتملة. الباب أُغلق خلفها بصوت نهائي.
حلّ الليل على الزنزانة ببطء، كما يحلّ على الأماكن التي لا نوافذ فيها — لا تغيّر تدريجياً في الضوء بل توقف الشعلة الأخيرة ثم سواد. غطّت ميراثيل في نوم عميق يستحقه جسد أعطى ما لديه اليوم. صدرها يرتفع وينخفض بانتظام كميزان يجد توازنه.
بقيتُ أنا صاحياً.
الأفكار تتناوب — حسابات الغد، وصورة الرمح حين مرّ قريباً من عيني، وصوت السلاسل السوداء التي لم تُصدر صوتاً حقيقياً لكنني أحسستُ بأثرها في تلك اللحظة التي تغيّر فيها الخصمان دون تفسير. كنتُ أُقنع نفسي بأن النوم سيأتي. ثم شقّ صوت أجش الظلامَ كحجر يُلقى في بئر هادئة.
— “إلى متى تنوي إخفاء تلك الجنية؟”
قفزتُ من مكاني. قلبي وجد ضربة إضافية لم يطلبها. نظرتُ نحو الزاوية المظلمة.
كان العجوز جالساً كما هو تماماً. لم يتحرك، لم يفتح عينيه تماماً حتى. لكن شيئاً في ملامحه القاتمة اختلف عن صمته المعتاد — كان مستيقظاً بطريقة تختلف عن الاستيقاظ البيولوجي. عيناه تلمعان ببريق غريب تحت الظلال، بريق لا يأتي من انعكاس الضوء.
— “جنية؟” قلتُ بنبرة حاولتُ تثبيتها. “عن ماذا تتحدث أيها العجوز؟”
ابتسم. تلك الابتسامة التي لا توحي بالدفء ولا بالسخرية بل بشيء ثالث لا اسم مناسب له:
— “لا يمكنك إخفاء الأمر عني.” صوته كان منخفضاً ومستوياً كما يكون صوت من لا يحتاج إلى رفع نبرته ليُؤخَذ بجدية. “يمكنني استشعار طاقتها داخل جسدك. وهي ليست قوة قتالية عادية تجمعها السنوات والتدريب. إنها شيء من طبيعة أخرى.”
تجهّمتُ. شعرتُ بشيء يسري في العروق ليس مناسباً لوصفه بالبرد وليس مناسباً لوصفه بالحرارة.
— “وماذا بعد؟ ماذا تريد مني؟”
أجاب دون أن يُزيح نظرته:
— “لا شيء.” قالها بهدوء مريب فعلاً. “أنا فقط منبهر. منبهر أن تلك الجنية — الأكثر غطرسةً بين بني جنسها، التي رفضت أن تتخذ وعاءً من المستوى الثالث أو ما فوقه — اختارت فتىً لا يتجاوز المستوى الثاني ليكون الوعاء الذي تسكنه.”
تدحرجت الكلمات في رأسي دون أن تجد شيئاً تستقر عليه.
— “جنية متغطرسة؟” قلتُ وقد بدأ الارتباك الحقيقي يتشكّل. “أنا لا أعلم حقاً عمّ تتكلم. لا أعرف عن أي جنية تتحدث.”
نظر إليّ العجوز نظرة طويلة. لم تكن نظرة تقييم جسدي أو قدرة قتالية. كانت أعمق من ذلك — نظرة من يحاول أن يقرأ ما وراء ما يُقال، أن يتحقق من شيء داخلي لا يظهر على السطح. ثم تنهّد. تنهيدة عميقة أطلقتها سنوات لا لحظة واحدة.
— “حسناً.” قالها بلهجة من وصل إلى نتيجة لم تُسعده. “يبدو أن ‘سيسيليا’ لم تخبرك بشيء بعد. تُفضّل البقاء في الظل. هذا مألوف منها.”
هزّ رأسه بلامبالاة مُحيّرة لرجل أطلق للتو اسماً لم أسمعه من قبل.
— “لا يهم الآن.” أغمض عينيه ببطء كأنه يُقفل باباً. “عُد لنومك يا فتى. لديك يوم طويل غداً، والأسرار التي تسكنك ستكشف عن أنيابها في الوقت الذي تراه مناسباً هي، لا الوقت الذي تراه أنت.”
بقيتُ صاحياً.
الزنزانة حولي كانت على حالها — الجدران الرطبة، والشعلة المنطفئة، وصوت تنفّس ميراثيل المنتظم، وصوت تنفّس العجوز المنتظم بطريقة مختلفة، كأن اثنين من البحار الهادئة تنامان في نفس الغرفة وبينهما جبل.
لكن في ذهني لم يكن هناك هدوء.
“سيسيليا.”
الاسم يتردد كأنه وجد تجويفاً في مكان ما داخل رأسي ويملؤه بصدى لا يهدأ. لم أسمعه من قبل. أو هكذا كنتُ أظن. لكن هناك شيء في طريقة ترددّه — ليس كاسم غريب بل كاسم يُشبه أنك سمعته في حلم ونسيتَ الحلم وبقي الاسم مدفوناً في مكان لم تُسمح له العودة منه.
راقبتُ صدر العجوز يعلو وينخفض في ظلام الزاوية بانتظام لا يُشبه انتظام من نام لتوّه.
وراح الاسم يدور ويدور ويدور، كصدى في غابة لا نهاية لها، بعيد ومألوف في الوقت ذاته، كشيء تعرفه ونسيت متى عرفته.