الفصل 79 - التناغم الثنائي
جاء اليوم الموعود بلا مقدمات ولا رحمة.
شمس كاريثيون لم تكن من النوع الذي يمنح العزاء — كانت تُرسل أشعتها الحارقة بإصرار ميكانيكي بارد على رمال الساحة التي لم تجفّ تماماً من دماء المعركة السابقة. تلك الدماء التي كانت قبل أيام جزءاً من أناس لهم أسماء وربما عائلات، باتت الآن مجرد طبقة داكنة تحت القدمين تجعل الرمال أثقل وأكثر التصاقاً بالنعال. رائحتها في الهواء الساخن كانت تُخبر الأنف بما تأبى العقول تصديقه.
وقفتُ خلف البوابة الحديدية الضخمة ذات القضبان السميكة التي يبلغ قطر كل واحد منها عرض كفّي المطبوقتين. الهواء خلفها كان ثقيلاً بطريقة لا يُفسّرها الحر وحده — ثقل ما قبل المواجهة، ما يسكن بين ضلوع كل مقاتل في تلك اللحظة الأخيرة التي يكون فيها لا يزال سيلتقط نفَسه التالي بيقين.
مواجهة أربعة من المستوى الثاني لم تكن تُصنَّف تحت خانة “المغامرة المقبولة”. كانت تُصنَّف تحت خانة أخرى لم أُرد تسميتها بصوت عالٍ. والورقة الرابحة التي اعتدتُ الاحتفاظ بها في أسوأ اللحظات — الفهد — كانت لا تزال نائمةً في أعماقي كجمر تحت الرماد. هذا القرار لم يكن عشوائياً. كان اختباراً لما أملكه بمعزل عن كل ما أستعيره. شفرتي وعقلي وما تركته المعارك السابقة في العظام والذاكرة.
نظرتُ إلى ميراثيل.
كانت ترتدي درعها الجلدي الخفيف المعهود — صفائح من الجلد المُعالَج المُدعَّم بحلقات معدنية على الكتفين والصدر، مصنوع لمن يُقدّم الحركة على الحماية ويعرف لماذا. شعرها الداكن مضفور إلى الخلف بعقدة واحدة بسيطة لا تُضيف جمالاً بقدر ما تُزيل عائقاً. وقبضتها على مقبض سيفها — تلك القبضة التي لا تشدّ أكثر مما يلزم ولا تُرخي بما يُقلق — كانت ثابتة كما تثبت الجذور تحت الأرض حتى حين تتمايل الشجرة.
كنتُ أُحاول أن أُعطيها شيئاً يُشبه الطمأنينة بمجرد وجودي إلى جانبها. وكنتُ في الوقت ذاته أستمد منها القوة التي أدّعي امتلاكها. هذا ما أصبحنا عليه — لم نعد رفيقين في زنزانة تجمعهما القيود المشتركة. أصبحنا كياناً واحداً اختار ألا ينكسر وإن كُسرت منه أشياء.
انفتح الباب بصرير معدني مألوف تعرّفه الأذنان من سماعه مرات.
خطونا نحو الساحة.
الجمهور كان مختلفاً هذه المرة. أقل عدداً، لكن مختلف النوعية — لا الغوغاء الذين يأتون لصرخات الدم في القتال المفتوح. هؤلاء جاؤوا بالتهدئة والتمعّن، المراهنون الذين يقرأون الأجساد قبل النزال ويضعون حساباتهم، والمحترفون الذين يأتون لمشاهدة “السلع الجديدة” وهي تُختبر بما يكشف الطبيعة الحقيقية لا ما يعرف أصحابها تقديمه.
أمامنا، وقف الأربعة.
لم يكونوا يصرخون ولا يستعرضون. ينضحون بالخبرة بطريقة لا تحتاج إلى إعلان — طريقة الوقوف، وزاوية مسك السلاح، والطريقة التي تتحرك بها العيون. سيافان يمسكان بسيوف عريضة ذات شفرات مزدوجة الحدّ، النوع الذي يقطع في الاتجاهين بنفس الفعالية. ومستعملا رمح: رجل ضخم بنيّ اللون بكتفين واسعتين تجعلانه يبدو كجدار يمشي، يُمسك رمحاً طويلاً ذا رأس مثلّث الشكل. وامرأة نحيلة بعيون تتحرك بسرعة لا تُريد أن تُلاحَظ، تُمسك رمحاً أقصر وأخفّ، جسدها المنحني قليلاً يوحي بأن الهجوم لديها يبدأ بالتمدد لا بالخطوة.
— “سأهتم بالمرأة.” همست ميراثيل بصوت لا يتجاوز المسافة بيننا، وعيناها لا تنفصلان عن صاحبة الرمح. “عليك بالثلاثة الآخرين. ولا تمت قبل أن أعود إليك.”
أومأتُ بصمت. الجملة الأخيرة لم تكن تهكماً. كانت طلباً حقيقياً.
الخطة كانت واضحة في ذهني حتى قبل أن أصلها لصوت. لستُ هنا لأُبيد الثلاثة وحدي في هجمة واحدة. مهمتي أن أكون الطُعم المتحرك — أجذب انتباههم وأشغل تفكيرهم وأرقص بين نصالهم طويلاً كافياً حتى تُنهي ميراثيل خصمتها وتأتي من زاوية لا يتوقعها أحد منهم. خطة يُسميها من لا يفهم التكتيك انتحاراً، ويسمّيها من يفهمه توزيعاً صحيحاً للأدوار.
انطلق البوق. وانفجر الجحيم.
سحبتُ الرجال الثلاثة نحو الجانب الأيمن بحركة مقصودة — خطوة للخلف وخطوتان للجانب، نوع الحركة التي تُغري العدو بالمتابعة لأنها تبدو كتراجع. ابتلعوا الطعم كما أردتُه، وتبعوني بعيداً عن ميراثيل. تشكّلوا في نصف دائرة حول يمين الساحة: السيافان في الخط الأول، ومستعمل الرمح الضخم خلفهما يُبقي رمحه في وضعية الاستعداد التي تجعله سلاحاً لا للهجوم المباشر بل لاختراق الفجوات التي يخلقها المقدّمان.
— “تفعيل. العقل الفعال.”
بدأت الخيوط تتشكل. ذهبية باهتة تمتد من صدور الثلاثة نحو نقاط في الفضاء أمامهم — خيوط النية قبل أن تتحول إلى حركة.
اندفع السياف الأول بضربة عمودية قوية — النوع الذي يُفرّغ فيه المقاتل ثقله من الكتف لا من المعصم وحده، ثقيل ومُحكَم. قرأتُ خيطه قبل أن تنطلق ذراعه. انزلقتُ للجانب الأيمن بنصف خطوة، وأحسستُ بالهواء الذي حركه النصل يمرّ قريباً من أذني اليسرى.
لكن مستعمل الرمح كان قد قرأ حركة جسدي.
طعنة الرمح جاءت نحو نقطة ارتكاز قدمي اليمنى — لا نحو جسدي بل نحو الأرض التي أقف عليها. ذكاء ميداني حقيقي. الأرض اهتزت تحت القدم في اللحظة الخطأ، وفقدتُ توازني قبل أن يأمر عقلي بذلك.
سقطتُ على الرمال.
في تلك الجزء من الثانية بين السقوط والاستقرار، كان السياف الثاني قد حسب المسافة. جاء بهجمة أفقية واسعة على ارتفاع الخصر — الضربة التي تُنهي من يكون على الأرض ولا يتحرك. دحرجتُ جسدي للجانب بكل ما تبقى من بديهة، والرمال طارت في وجهي وعلقت في عيني وفمي وجعلت العالم رملياً للحظات.
الضغط كان يتجاوز ما خططتُ له. ثلاثة محترفين في وقت واحد لا يعطون لنقطة ضعفك وقتاً للتعافي من نقطة الضعف التي سبقتها. كل ثانية كانت تشعرني كالوقوف على حافة مقصلة تتحرك.
نهضتُ. جسدي يعرف كيف يفعل ذلك حتى حين لا يُريد.
اندفع السيافان معاً. لم يكن هجوماً مزدوجاً بسيطاً — كان جملة قتالية متّفقاً على نهايتها. رأيتُ خيطيهما يتقاطعان في نقطة واحدة: جسدي. الأول يستهدف الكتف الأيسر، والثاني يستهدف الخصر من الجانب نفسه. إذا تفاديتُ أحدهما بالانحراف نحو الآخر — وهو ما يُوحي به الجسد تلقائياً — كنتُ أسقط في الضربة الثانية.
بجهد تعلّمه الجسد قبل أن يُفهمه العقل، تفاديتُ الأول بالانحناء الكامل وليس بالانحراف، وصددتُ الثاني بنصل سيفي في حركة أحمرت لها عضلات الساعد.
في تلك اللحظة، انسلّ الرمح.
لم أستطع تفاديه بالكامل. لم يكن في إمكاني ذلك بعد كل ما سبق. طرف الرمح خطّ خطاً عميقاً على جبهتي بزاوية لم تُغرز بل مرّت. لكن جبهة الرأس تنزف بسخاء لا يتناسب مع حجم الجرح — هذا ما تفعله شرايين الوجه.
اندفع الدم وغطى عيني اليسرى بغطاء أحمر لا يُميَّز من ورائه شيء. أصبحتُ شبه أعمى في منتصف المعركة مع ثلاثة لم ينتهوا بعد.
تراجعتُ. أسرع مما ينبغي، أبطأ مما أريد. كانت أضعف لحظاتي.
في الجهة الأخرى من الساحة، كانت ميراثيل تُمثّل نوعاً مختلفاً من الفهم.
تعمّدت فتح ثغرة في دفاعها — لا ثغرة الإرهاق ولا ثغرة الخطأ، بل ثغرة الدعوة. فتحة في جهة الجانب الأيمن بدت كنتيجة لحركة دفاعية مُفرطة. المرأة النحيلة صاحبة الرمح رأتها وقرأتها كما تُريد لها ميراثيل أن تُقرأ. اندفعت بكل ثقلها في الطعنة — تلك اللحظة التي يُعطي فيها المقاتل كل ما عنده لضربة يظن أنها نهائية.
انحرفت ميراثيل. حركة لا تُعلّم بالكلام بل بالتكرار والفشل المتراكم. استخدمت زخم هجوم خصمتها ذاته لتُكمّل الدائرة، وفي منتصف تلك الحركة الدائرية سدّدت نصلها — لا طعنة قوية بل طعنة دقيقة في منتصف الرقبة بالزاوية الصحيحة بالعمق الصحيح. الجراح يعرف أين يضع المشرط؛ ميراثيل كانت تعرف أين تضع النصل.
سقطت صاحبة الرمح.
لم تحتفل ميراثيل ثانية. التفتت نحوي — ورأتني.
الدم الذي يغطي نصف وجهي كان مرئياً من المسافة بين طرفي الساحة. رأت ما رأت، وشيء تحوّل في عيني ميراثيل في تلك اللحظة.
صرخت في داخلها. وفعلت ما لا تُظهره.
السلاسل السوداء.
لم يرها أحد في المدرجات. لم تكن مرئية في عالم الضوء والمادة. لكن في ذلك العالم الآخر — عالم الإرادة حيث تسبح الخيوط وتتشابك — انبثقت من روحها بنبضة واحدة قاسية وصلت إلى السيافين اللذين يُحيطان بي.
قانون قدرتها كان صارماً محدود الهامش: لا يمكنها تقييد إلا شيئين لشخص واحد، أو شيء واحد لشخصين في الوقت ذاته. لم تُفكّر طويلاً. اختارت السرعة — لكليهما معاً.
تغيّر كل شيء.
من خلف الستارة الحمراء التي كانت عيني اليسرى، ومن خلف الرؤية المحدودة للعين اليمنى التي لا تزال تعمل، رأيتُ خيوط إرادة السيافين تتباطأ. ليس التباطؤ الذي يأتي من الإرهاق أو الشك — بل التباطؤ الغريب، المرتبك، كأن شيئاً يُمسك بحركتهما من الداخل. كانت أجسادهما تُصدر ما يريدانه، لكنه يصل بتأخير صغير يُحوّل كل حركة من حركة محترف إلى حركة متعلم.
ثغرات. في كل مكان.
فهمتُ.
لم أتردد. لم أسأل. لم أُفكّر فيما يعني ذلك.
كسيف مُطلَق من وتر، انطلقتُ.
الأول: طعنة في الرقبة من الجانب الأيمن في تلك الثانية التي كانت فيها يده تُحاول استعادة سرعتها ولم تنجح. سقط وفي عينيه سؤال لم يجد جواباً.
في الارتداد ذاته، لم أتوقف ولم أُعد توازن الجسد. الارتداد نفسه أصبح الخطوة الأولى نحو الثاني. غرزتُ سيفي في صدره بزاوية تجنّبت الضلع الثالث حيث يُغلق الدرع جيداً وتجد الفجوة قبله.
سقطا معاً. في تزامن كأنهما قرّرا الرحيل في وقت واحد.
لم أتوقف لألتقط أنفاسي.
مستعمل الرمح الأخير كان قد استدار — سمع السقوط وقرأ ما يعنيه، وكان يُعدّ لمواجهة ميراثيل التي كانت تندفع نحوه من الزاوية المقابلة. ظهره لم يكن لي تماماً، لكنه لم يكن مواجهاً لي.
وصلتُ إليه قبل أن تصله.
نصل سيفي دخل من خلف الرقبة بزاوية يعرف الجسد معناها قبل أن يعرفه العقل.
ساد الصمت.
ثم انفجرت المدرجات.
وقفنا وسط الأربعة، أنا وميراثيل. نلهث. الدم لا يزال يسيل من جبهتي ويرسم خطاً على خدّي ويقطر من ذقني. ومن نصل سيفها بقايا ما دفعته الساحة اليوم.
مسحتُ الدم عن عيني اليسرى ببطء. العالم عاد للوضوح بتدرج — أولاً الأشكال، ثم المسافات، ثم الوجه المقابل لي.
كانت ميراثيل تنظر إليّ بتلك النظرة التي لا تُسمى بسهولة. ثم ابتسمت. ابتسامة شاحبة خفيفة كأنها لم تكن متأكدة إن كانت تُريد إطلاقها أم تحتفظ بها.
أدركتُ حينها ما ربحناه.
لم تكن عملات الفضة التي ستُعدّ في نهاية اليوم. ولم يكن الاعتراف من المراهنين الذين يُعيدون حساباتهم الآن.
كنا قد ربحنا شيئاً لا يُشترى ولا يُمنَح — ربحنا حقنا في أن يُقال عنا شيء لم يكن يُقال من قبل. في كاريثيون، حيث تُولَد الأسماء من الدماء والرمال، كنا قد بدأنا للتوّ في تهجئة اسمينا.