الفصل 78 - ميراثيل
كانت الساعات الأولى التي تلت مغادرة الزمردية لزنزانتنا هي الأكثر ثقلاً.
الجدران الحجرية الرطبة بدت وكأنها تضيق علينا ببطء مقصود، كما يضيق الشيء الذي يعرف أنك لا تستطيع الفرار منه فلا يستعجل. ورائحة الموت التي جلبناها معنا من الساحة لا تزال عالقة في ثيابنا وجلودنا، تلك الرائحة المركبة من الدم والرمال والعرق التي لا يُزيلها ماء الاغتسال لأنها تسكن في أعمق من الجلد.
لم يكن أمامنا سوى خيارين: إما أن نستسلم لليأس من ضخامة الثمن المطلوب لحريتنا، مئة عملة ذهبية ترتفع فوق أفقنا كجبل ليس له قمة مرئية. أو أن نُحوّل هذا اليأس إلى وقود يُشعل ما تبقى منا.
الخيار الأول لم يكن خياراً حقاً. كان استسلاماً. وأنا لم أكن قد تعلمتُ كيف أستسلم بعد.
بدأ اليوم الأول بوعي غريب بجسدي.
بفضل الفهد الذي كان يزمجر بهدوء في عروقي طوال الليل كنهر تحت الجليد لا يتوقف بل يُعمّق مساره، استيقظتُ لأجد أن الألم النابض في ذراعي اليسرى وفخذي الأيمن قد تراجع إلى وخز محتمل. الضمادات التي وضعتها إيلارا كانت جافة. وحين حاولتُ تحريك أصابع يدي اليسرى ببطء، لم أشعر بذلك التمزق الحاد الذي روّعني بالأمس، تلك الإحساس الذي يُخبرك أن الجسد يرفض ما طُلب منه.
كانت ميراثيل جالسة في الزاوية المقابلة.
شعرها الأسود الطويل منسدل أمام كتفيها غير مربوط هذه المرة، يُخفف من حدة مظهرها الذي كان في الساحة لا رحمة فيه. كانت تُنظف سيفها الخفيف بقطعة قماش مهترئة بحركات بطيئة متأنية، وعيناها السوداوان مثبتتان على النصل بتركيز يكاد يثقب المعدن نفسه.
“كيف حال جرحك؟”
سألتُها لكسر حاجز الصمت الذي بدأ يتحول من راحة إلى عبء.
رفعت رأسها ببطء. ونظرت إليّ بتلك العيون التي تحملان عمقاً لم أنتبه إليه من قبل، كمن يقيّم قبل أن يُجيب.
“الترياق مفعوله سحري، لكن الحركة لا تزال مؤلمة.”
توقفت. ثم أضافت بنبرة لا تُسرف في القلق لكنها تحمله:
“وأنت؟ رأيتُ ذراعك بالأمس. ظننتُ أنها ضاعت للأبد.”
“أنا سريع التعافي.”
أجبتُها باقتضاب مُفضّلاً عدم الخوض في تفاصيل الفهد وما يفعله بجسدي حين يعمل. ثم أضفتُ دون توقف طويل:
“أمامنا يومان فقط. أربعة مقاتلين من المستوى الثاني ليسوا خصوماً سهلين، خاصة إذا كانوا يعملون كفريق منسق.”
نهضتُ ببطء. أصابع قدميّ تلمس البلاط البارد الصلب. بدأتُ بأداء تمارين إطالة خفيفة، أستشعر نقاط الضعف في عضلاتي وأُحدد حدود ما يستطيعه جسدي اليوم بصدق لا تجميل.
في زاوية الزنزانة، كان الرجل العجوز يراقبنا بعين واحدة مفتوحة، عينه الأخرى شبه مُغلقة كمن يستريح وينتبه في آنٍ واحد. كان يراقبنا بالطريقة التي يراقب بها الرجل الذي رأى كل شيء رجالاً يُحاولون فهم شيء يُدركه هو بالكامل. لم يتدخل، ولم ينطق بكلمة. لكن هيبته كانت تجعل التكاسل يبدو شيئاً أقرب إلى العار.
قضيتُ النصف الأول من اليوم في مراقبة ميراثيل.
ليس بالطريقة التي يُراقب بها أحد امرأة جميلة في مكان ضيق. بل بالطريقة التي يُراقب بها المحارب الذي يُريد أن يفهم من سيقاتل بجانبه. فعّلتُ العقل الفعال على مستوى منخفض وبدأتُ أُحلل نمط حركتها وهي تتدرب وحدها في المساحة الضيقة.
ميراثيل تعتمد على التدفق. لا تضرب بقوة غاشمة، بل تستخدم زخم خصمها ضده، تُحوّل قوته إلى مساره الخطأ. هذا أسلوب ذكي وأنيق وفعّال مع من لا يتوقعه. لكن مشكلتها تكمن في الدفاع. إنها تراهن بكل شيء على مراوغة واحدة ناجحة، وإذا فشلت تلك المراوغة تنكشف تماماً دون خط دفاع ثانٍ.
“ميراثيل، اقتربي.”
قلتُها بلهجة لم تخلُ من تلك السلطة التي يفرضها الوضع لا الشخص.
“إذا أردنا النجاة من المستوى الثاني، علينا أن نتحرك كجسد واحد. سيفي الطويل سيشكل درعكِ في اللحظات التي ينكشف فيها دفاعك، وخنجرك سيكون اللدغة التي تُنهي ما أبدأه.”
نظرت إليّ لثانية بعيون تُقيّم لا تعترض. ثم وقفت أمامي.
بدأنا التدريب في المساحة الضيقة للزنزانة.
كان الأمر أشبه برقصة متعثرة في البداية، اثنان يحاولان إيجاد إيقاع مشترك دون أن يُحدث أي منهما الأذى للآخر في مساحة لا تتسع لأكثر من ثلاث خطوات في أي اتجاه. كنتُ أُوجّهها، أُخبرها متى تنحني ومتى تتقدم ومتى تتراجع، كنتُ أقرأ خيوط إرادتها وأُترجمها لها بكلمات.
ومع مرور الساعات بدأ التناغم يظهر.
رأيتُ خيوط إرادتها تتشكل قبل حركاتها بوضوح يزداد تدريجياً. خيط يمتد من كتفها الأيسر يعني أنها ستطعن لليمين، فأتحرك أنا لليسار لأُغطي ظهرها. خيط يتجمع حول معصمها يعني أنها ستُبدّل من السيف للخنجر، فأتراجع خطوة لأُفسح لها المجال وأحمي الجانب المكشوف في آنٍ واحد.
كانت تتعلم أيضاً. كانت تلاحظ أنني دائماً أتحرك قبل أن تُقرر هي، وبدلاً من الارتباك بدأت تثق بذلك وتُبني عليه.
في المساء، جلسنا نقتسم رغيف خبز يابس تكسّر من صلابته.
التعب كان بادياً علينا، لكنه تعب من نوع مختلف. ليس التعب الفارغ الذي يتركك فارغاً، بل ذلك التعب الذي يترك شيئاً جديداً في مكان ما كان خالياً.
“لماذا تقاتل يا دارون؟”
سألتها فجأة، وهي تُحدّق في شعلة قنديل يتيم في الممر خارج القضبان، شعلة صغيرة تتمايل بالهواء النادر في هذا الممر وترفض الانطفاء.
“أعينان تحلمان بشيء أبعد من أسوار كاريثيون.”
صمتُّ قليلاً.
صور فيرون وسبارك ومعارك لا تنتهي مرّت كومضات سريعة لا تستأذن. أوجه رفاق لم أعرف إن كنتُ سأراهم مجدداً. دم نزفتُه لأسباب كانت واضحة حين نزفتُه.
“أقاتل لأنني لا أُجيد شيئاً آخر. ولأن هناك رواية لم تنتهِ بعد، رواية أكتبها بدمي.”
توقفتُ. ثم أضفتُ:
“وأنتِ؟”
ابتسمت ابتسامة مريرة تحمل تاريخاً كاملاً في طيّها.
“كنتُ أظن أن الجمال هو قوتي الوحيدة. حتى جردوني من كل شيء ورموني هنا. اكتشفتُ أن النصل في يدي أصدق من كل الكلمات التي قيلت لي في القصور.”
نظرت إليّ مباشرة.
“أنا أُقاتل لأُثبت لنفسي أنني لستُ مجرد سلعة تُباع وتُشترى لشهوات الرجال.”
في تلك اللحظة، بينما الشعلة الصغيرة تُلوّن وجهيهما بضوء متذبذب، شعرتُ بشيء يشبه خيطاً يمتد بيننا. ليس خيط قتال تقرأه البصيرة. خيط مصير مشترك لا يرسمه أحد بل يتشكل وحده حين يُوضع شخصان في نفس الجحيم ويجدان في ذلك الجحيم سبباً يستحق النضال من أجله.
لم نعد مجرد غريبين جمعتهما الأقدار في زنزانة. كنا شيئاً آخر الآن. أكثر من حلفاء. رفاق سلاح.
استيقظتُ في اليوم الثاني وشعرتُ بأنني في قمة ما يستطيعه جسدي في هذه الظروف.
جروحي التأمت بشكل شبه كامل. ذراعي اليسرى استعادت نسبة كبيرة من قوتها. والفهد في داخلي كان هادئاً بالطريقة التي تكون فيها الأشياء القوية هادئة حين تجمع نفسها.
“هاجميني بكل ما لديكِ. دون شفقة ودون تردد.”
قلتُها لميراثيل بعد أن اصطففنا في وسط الزنزانة.
“تخيلي أنني أحد الخصوم الأربعة من المستوى الثاني. إذا لم تجرحيني الآن فسيقتلوننا غداً.”
نظرت إليّ بعيون تُقيّم التعليمات لحظة. ثم اندفعت.
كانت سريعة. أسرع مما توقعتُ حتى بعد يوم من المراقبة. سيفها الخفيف يتحرك بخفة حقيقية لا تزيين فيها، يستهدف الفجوات لا القوة المواجهة. فعّلتُ العقل الفعال بالكامل. شبكة خيوط إرادتها تغلف المكان الضيق، خيوط ذات لون رمادي-أزرق تتوتر قبل كل حركة.
بدأتُ أصد ضرباتها بسيفي حين كانت تستهدف نقاطاً أستطيع الدفاع عنها، وبجسدي حين كانت تستهدف زوايا تتطلب تحركاً كاملاً. كنتُ أُوجّهها نحو الزوايا الميتة التي تصنعها وضعية الخصم المغلقة.
“هنا! تحت الإبط!”
صرختُ بها وهي تُحاول الالتفاف حولي من اليمين.
غيّرت مسار نصلها في جزء من الثانية بسرعة مذهلة كادت تُفاجئني. لمست جلدي بنصل السيف ببرود غريب، وقفت بأقل من سنتيمتر.
“جيد جداً.”
قلتُها بصدق لا مجاملة.
“تذكري. المستوى الثاني يمتلكون تقنيات مُتقنة لكنهم يفتقرون للذكاء العاطفي في القتال. سيعتمدون على قوتهم وعلى غرور ما تعلموه. وعلينا استغلال كلاهما.”
وضعنا خطة الكماشة بعد ساعات من التجربة والتعديل. أنا سأجذب انتباه ثلاثة منهم، أُبقيهم مشغولين ومُركّزين عليّ، وهي ستتكفل بالرابع المُنفصل ثم تتدخل لإنهاء الباقين حين تنكشف ظهورهم. وصل التناغم بيننا لمرحلة نادرة، حيث يكفي نظرة واحدة لتقول ما تُقوله جملة كاملة في التدريب.
فجأة، رفع العجوز رأسه ونظر إلينا.
لم يُعلن نفسه، لم يتحرك. فقط تلك النظرة الثقيلة التي تزن ما لا تعرف أنك تحمله. وفتح فمه بصوت أجش يبدو وكأنه لم يُستخدم بما يكفي لسنوات:
“التناغم جيد.”
توقفنا كلانا.
“لكن تذكرا. في الساحة، الخطط هي أول ما يحترق. لا تثقا بالخطة. ثقا بالنصل الذي في أيديكما وبالغريزة التي في قلوبكما.”
ثم عاد لصمته كأنه لم ينطق.
بقيتُ واقفاً لثانية أُفكر. هو قتل ثلاثة من المستوى الثالث وخمسة عشر من المستوى الثاني في المعركة الأولى دون أن يُخدش، بينما نحن نحتفل بتناغم بنيناه في يومين. الهوة بيننا وبينه كانت شاسعة كالمسافة بين الأرض والنجوم، وكلماته القليلة هذه كانت أكثر تعليماً من ساعات.
قضينا بقية المساء في شحذ الأسلحة. ميراثيل على الحجر المصقول، أصابعها تُمرر على النصل بحركة تكررها منذ ساعة دون أن تتوقف. أنا أُحكم ربطة مقبض سيفي بقطعة جلد نظيفة وجدتُها في الزاوية.
لم نتحدث كثيراً. كل ما كان ينبغي قوله قد قيل.
حين حل الليل وامتدّ الظلام ليملأ كل تفصيلة في الزنزانة، تمددنا على الأرض الحجرية الباردة. هذه المرة لم يكن ظهري لظهرها بالجفاء المُتعمد. كنا قريبين بما يكفي لنسمع تنفس الآخر.
“دارون.”
همستُها بصوت غارق في النعاس الذي يأتي بعد إرهاق حقيقي.
“هل تعتقد أننا سنجمع العملات المئة يوماً ما؟”
نظرتُ إلى سقف الزنزانة المظلم. السقف الحجري الذي لا يُخبر بشيء.
“لا أعرف يا ميراثيل.”
قلتُها بصدق لا طمأنينة كاذبة.
“لكنني أعرف شيئاً واحداً. غداً، الأربعة من المستوى الثاني سيدفعون ثمن حريتنا قطرة قطرة.”
سكتُّ قليلاً. ثم:
“نامي الآن. غداً سنحتاج لكل ذرة قوة.”
أغمضتُ عيني.
وفي أعماقي زمجر الفهد زمجرة خفيفة هادئة، ليست زمجرة غضب. زمجرة كيان يعرف ما الغد وينتظره بيقين لا قلق فيه.
لم يكن الأمل في هذه الزنزانة شيئاً خفيفاً ورديّ اللون كما يُصوّره من لم يجربوا ما نُجرّبه. كان شيئاً ثقيلاً صلباً حاداً. أقرب إلى حد السيف منه إلى دفء النار.
لكنه كان حقيقياً.
وفي كاريثيون، الحقيقي كافٍ.