الفصل 77 - جحيم الساحة
عدنا إلى الزنزانة.
للمفارقة، كانت الملاذ الوحيد في هذا الجحيم الصاخب.
لم نعد برؤوس مرفوعة كما خرجنا. جُررنا جرًا عبر الممر الضيق. أجسادنا مكسوة بطبقات من الرمل المجبول بالدماء، وصوت أنفاسنا يتردد في الجدران الضيقة كأنه حشرجة شيء يحاول الإبقاء على نفسه. كانت الزنزانة باردة، جدرانها تنضح برطوبة مالحة ورائحة حديد قديم لم يُفتح منذ زمن. لكنها في تلك اللحظة بدت لي أكثر أمانًا من أي قصر.
جلست في الركن الأقرب. جسدي يُرتّب أوجاعه بطريقته الخاصة.
كانت إصاباتي شديدة بما يكفي لأعدّها بهدوء.
فخذي الأيمن كان يُرسل إشارات ألم متقطعة مع كل حركة، إشارات لا تسأل عن إذن وتأتي بقوة تعطل التفكير للحظة. وذراعي اليسرى تتدلى بجانبي كغصن مكسور يرفض الانفصال.
لكن العقل الفعال، حتى في هذه الحالة، لا يتوقف عن التحليل.
العظام لم تتحطم بالكامل. تمزقات عضلية بليغة وضرر في الأنسجة. يومان. ثلاثة على الأكثر. وسأكون قادرًا على القتال مجددًا إذا لم يقرر القدر إرسالي إلى المقصلة قبل ذلك.
قلتها في رأسي ببرود مصنوع. لكن ذلك البرود كان يغطي شيئًا أكثر سخونة في الداخل.
صوت وقع أقدام منظمة من الممر.
انفتح الباب الحديدي بصرير حاد. ودخلت امرأة ترتدي ثيابًا بيضاء نظيفة بشكل لافت للنظر وسط كل هذا القذر. نظافتها وحدها كانت تعليقًا على المكان.
“أنا إيلارا. الطبيبة المسؤولة عن قطاع العبيد في هذا الجناح.”
قالتها بنبرة جافة خالية من أي عاطفة. نبرة من يتعامل مع قطع غيار مكسورة لا مع بشر. ذلك النوع من البرود المهني الذي يكون أحيانًا أشد إيلامًا من العداء الصريح.
اتجهت أولًا نحو ميراثيل. فحصت الجرح العميق في فخذها بعين خبيرة تعرف ما تنظر إليه. ثم استخرجت زجاجة صغيرة تحتوي على سائل أخضر داكن.
“لقد كانت تلك العاهرة تستخدم سمًا بطيئًا من نوع غبار الأفعى. لو تأخرتِ ساعة أخرى لتجمدت الدماء في عروقك.”
أجبرت ميراثيل على شرب الترياق بحركة لا تقبل الجدل. رأيت جسد ميراثيل ينتفض قليلًا، كأن نارًا كانت تشتعل في عروقها خمدت أخيرًا دفعة واحدة.
ثم استدارت نحوي.
لم تتحدث. بدأت. تنظيف الجراح بمحلول حارق جعلني أشد على أسناني بقوة لم أكن أعرف أنها لديّ. لفّ الضمادات بقسوة كافية لوقف النزيف لكنها لم تكن تهتم بوقف الألم الذي يأتي مع اللف.
ثم نظرت في عيني. ببرود طبي تام.
“إياك أن تستخدم هذه الأطراف لمدة يوم كامل. دع الضمادات تقوم بعملها، وإلا ستموت بنزيف داخلي قبل أن تطأ قدمك الساحة مجددًا.”
وغادرت.
تاركةً وجبتين من الطعام. خبز خشن. قليل من اللحم المطبوخ. وماء عذب.
لم نكن بحاجة إلى دعوة. الجوع الذي كان ينهشنا منذ القتال كان أشد قسوة من الجراح نفسها. انقضضنا على الطعام بطريقة تتخلى فيها عن كل اعتبار للمظهر. صوت المضغ كان الصوت الوحيد الذي يكسر صمت الزنزانة للدقائق التالية.
حين انتهينا، مسحت فمي بيدي السليمة وجلست في الزاوية.
وشغّلت العقل الفعال.
المحاسبة.
سبعة عشر محاربًا من المستوى الأول. أي أربع وثلاثون عملة نحاسية. ثلاثة من المستوى الثاني. أي ثلاث عملات فضية. وبما أن كل عشر عملات نحاسية تساوي فضية واحدة، يصبح المجموع ستّ عملات فضية وأربع نحاسيات.
ستّ فضيات.
وللحرية أحتاج مئة عملة ذهبية. والذهبية تساوي عشر فضيات. أي ألف عملة فضية.
نظرت إلى جراحي.
غصة في الحلق.
إذا كان هذا ثمن ست فضيات، فكم من الدماء عليّ أن أسفك، وكم من العذاب عليّ أن أحتمل، قبل أن يصبح ذلك الرقم الخرافي ممكنًا؟
انفتح الباب مجددًا.
دخل الرجل العجوز.
لكنه لم يكن يبدو كعبد أو سجين. كان يمشي بخطوات واثقة كأنه يملك المكان ومن فيه. نظر إلينا بصمت، ثم ارتسمت على وجهه ابتسامة هادئة غامضة كأنها تعرف شيئًا لا نعرفه. وجلس في الزاوية المقابلة، مغلقًا عينيه بطريقة جلسة تأمل ملكية لا جلسة سجين.
لم ينطق.
لكن وجوده كان يملأ الغرفة بهيبة خانقة لا تُفسَّر بالحجم ولا بالسن.
شعرت بالتعب يسري في جسدي كسم مخدر.
تمددت على الأرض الباردة. وسمعت ميراثيل تتمدد بجانبي. قابلتها بظهري، محاولًا الحفاظ على ما تبقى من خصوصية في مكان لا يتسع لها.
“ليلة سعيدة… دارون.”
صوتها الخافت من خلفي. فيه تعب لا يُوصف. لكنه كان حيًا. وفي ذلك المكان، أن تكون حيًا كان كافيًا.
“وأنتِ.”
لم أضف أكثر.
أغمضت عيني.
وقبل أن يأخذني النوم بالكامل، شعرت بشيء.
الفهد.
لم يخرج. لم يظهر. بل انساب في عروقي كشرارات ذهبية دافئة. طاقته تتوجه مباشرة نحو أنسجة الذراع والفخذ. كأن الروح القتالية فيه تعرف ما يحتاجه الجسد وتبدأ به دون انتظار أمر.
يُخيط الجراح من الداخل ببطء. بسرعة تفوق ما تصنعه الطبيعة وحدها.
غرقت في نوم عميق.
والنوم في هذا المكان كان الشيء الوحيد الذي لا يُشترى بالدم.
في اليوم التالي، استيقظت على صوت الباب الحديدي يُفتح بقوة ارتج لها المكان.
راعيتنا.
الفتاة ذات العيون الخضراء الزمردية. ملابسها الفاخرة كانت في هذا المكان إهانة بصرية. كانت تبتسم ابتسامة عريضة. ابتسامة تاجر وجد كنزًا في كومة قمامة.
“أحسنتم بالبقاء أحياء.”
قالتها بنبرة تفيض بالرضا من يملك أشياء أدت ما طُلب منها.
“لقد قدمتم أداءً جبارًا حقًا، وجعلتم اسمي يتردد في أروقة المراهنات منذ الصباح.”
تقدمت خطوتين. في يدها لفافة جلدية.
“دارون. بلغتَ ست عملات فضية من قتال واحد. هذا معدل ممتاز للمبتدئين. أما أنتِ يا ميراثيل، فقد بلغتِ ثلاث فضيات. مبهر حقًا. لقد أثبتم أنكم استثمار ناجح.”
ثم توقفت.
تغيرت تعابير وجهها من الرضا إلى شيء مختلف. ذهول ممزوج بحذر. استدارت ببطء نحو الرجل العجوز الذي كان لا يزال في ركنه. جالسًا. هادئًا. مغلق العينين.
“لكن الأكثر إبهارًا… والذي جعل المدينة بأكملها تتحدث عنه…”
بلعت ريقها.
“هناك من وصل إلى ثلاث عملات ذهبية في يوم واحد. قتل ثلاثة خصوم من المستوى الثالث، وخمسة عشر من المستوى الثاني. والأغرب من ذلك كله… أنه لم يُصب بخدش واحد.”
ثلاث ذهبيات.
في يوم واحد.
نظرت إلى العجوز بذهول حقيقي.
ثلاث ذهبيات تعني ثلاثمئة فضية. أي ما يقارب ثلاثين بالمئة من ثمن الحرية في قتال واحد. من أجل ست فضيات دفعت ما دفعت من دماء وعذاب. وهو حقق ذلك بلا خدشة واحدة.
من هو هذا الرجل؟
استجمعت الفتاة نفسها. اقتربت من العجوز بخطوة حذرة، كمن يقترب من نار يحترم حرارتها.
“من أنت حقًا؟ من أنت أيها العجوز الهرم؟ لا يمكن لمحارب عادي أن يمتلك هذه القوة، ولا يمكن لصياد عبيد أن يمسك بك إلا إذا أردت ذلك.”
حبست أنفاسي.
العجوز فتح عينيه.
ببطء. بطريقة من يفتحهما لأنه قرر، لا لأن صوتًا أيقظه.
نظر إليها.
وفي تلك النظرة شيء. شيء ينتمي لعمر مختلف. لتجارب لا تُحكى بسهولة.
“أنا مجرد عجوز يبحث عن مكان للموت بسلام.”
قالها.
ببطء.
ونبرة صوته كانت هادئة كالموت الذي ذكره.
تراجعت الفتاة.
كأنها أدركت أن الوصول إلى ما خلف قناع هذا الرجل مستحيل. ومن يعرف متى تكون المستحيلات.
استدارت للمغادرة.
ثم توقفت عند العتبة.
“تذكرت. معركتكم القادمة بعد يومين.”
قالتها بطريقة من يُلقي خبرًا عاديًا.
“دارون وميراثيل ستواجهان معًا أربعة مقاتلين من المستوى الثاني. قتال ثنائي مشترك لاختبار تناغمكما.”
ثم التفتت للعجوز بلهجة مختلفة. أقل ثقة وأكثر حذرًا.
“أما أنت… فستواجه خصمًا واحدًا من المستوى الثالث. استعدوا جيدًا، فالرهانات عليكم أصبحت ضخمة.”
وأغلقت الباب.
أربعة من المستوى الثاني.
نظرت إلى يدي التي بدأت تستعيد حركتها بشكل ملحوظ أكثر مما توقعت. الفهد يعمل من الداخل. ببطء. لكنه يعمل.
أربعة محاربين من المستوى الثاني في نفس الوقت. هذا ليس قتالًا. هذا اختبار بقاء.
نظرت إلى ميراثيل.
كانت تنظر إلي.
في عينيها سؤال لم تطرحه بعد. لكنه موجود.
“يومان.”
قلت.
“لدينا يومان. هذا يكفي.”
لم أكن متأكدًا تمامًا من ذلك. لكن الشك في هذه الأماكن رفاهية لا يمكن تحمّلها.
ثم نظرت إلى الزاوية حيث يجلس العجوز.
كان قد أغمض عينيه مجددًا.
ثلاث عملات ذهبية. بلا خدشة.
من أنت أيها الرجل؟
وماذا تريد من هذا المكان؟
لأن شخصًا في مستواه لا يكون في هذا المكان إلا لسبب.
والسبب… كان مثيرًا للاهتمام.