الفصل 74 - عبد القتال
خلف جدران القصر المذهب، كان العالم يبدو منتظماً بشكل مريب.
لكن بمجرد أن سُحبنا نحو الساحة الأبدية، أدركتُ أن كل ما عشناه سابقاً كان مجرد مقدمة باهتة للجحيم الحقيقي. كانت الساحة شاسعة لدرجة تُثير الدوار حين ترى حجمها لأول مرة، كأنها لم تُبنَ لاستيعاب مقاتلين بل لابتلاعهم. أرضها مغطاة برمال حمراء داكنة ليست صبغة طبيعية أفرزتها الأرض، بل هي نتيجة دماء آلاف المقاتلين جفت وتراكمت طبقة فوق طبقة عبر العصور حتى أصبحت لون الرمال نفسه، ذكرى جماعية لكل من مات هنا ولم يُحفر له قبر.
للحلبة أربع بوابات رئيسية ضخمة تبدو كأفواه وحوش حجرية مفتوحة لا لاستقبالك بل لابتلاعك، واثنا عشر بوابة أصغر تتوزع بانتظام حول المحيط الدائري كأسنان فك ثانٍ. المدرجات كانت تعج بآلاف المتفرجين الذين لم يأتوا لمشاهدة رياضة. جاؤوا ليشهدوا انكسار الأرواح. يمكنك رؤية ذلك في طريقة جلوسهم وفي صخبهم المسبق، ذلك الحماس الذي لا يُشبه حماس الرياضة بل يُشبه العطش.
“استعدوا! المعركة الأولى هي قتال مفتوح!”
صرخها الحارس وهو يدفعنا نحو الممر المظلم المؤدي للبوابة بخشونة لا تُضيف كلمات.
“مائتا مقاتل. البقاء للأقوى أو للأكثر حظاً. هذا العرض لا يحدث إلا مرة كل ثلاثة أشهر، فاستمتعوا بموتكم!”
‘يبدو أننا وصلنا في الوقت المناسب. أو في الأسوأ على الإطلاق.’
نظّمتُ أفكاري وأنا أسير في الممر المظلم. الهواء هنا كان باطن الرئة لا بشرتها، رائحة عفن قديم وحديد وشيء آخر لا اسم له إلا في أماكن كهذه. حاولتُ تهدئة دقات قلبي بتنفس مقصود. تفقّدتُ قبضتي على السيف الطويل، وزنه في يدي مألوف كما اخترته بالأمس، لكن الجو المشحون برائحة الموت كان يُغيّر الأشياء المألوفة.
اتخذتُ قراراً حاسماً في تلك اللحظة وأنا لا أزال في الظل.
لن أستخدم الفهد. تلك القوة التي تسكن أعماقي يجب أن تبقى طي الكتمان. ورقتي الرابحة التي لن أكشفها إلا حين يصبح الموت قاب قوسين أو أدنى. في هذه الحلبة، أن يعرف العدو ما تملكه يعني أن يكون جاهزاً له. وأنا لا أريد أن يكون أحد جاهزاً لما أملكه.
عليّ أن أعتمد على مهارتي الخالصة وعلى ذكائي القتالي. على ما تعلمتُه من محمد وعلى ما بناه جسدي بالنزيف والتكرار.
سُمع صوت صرير السلاسل الضخمة وهي تُسحب. ارتفعت البوابة الحديدية ببطء أمامنا، وبدأ الضوء يدخل من الفجوة المتوسعة كنور غير مرحّب به.
لم نستعجل الخطى. خرجنا بهدوء، كتفاً بكتف.
وحين وقفتُ تحت الشمس الحارقة ورمال الساحة الحمراء الداكنة تحت قدميّ للمرة الأولى، شعرتُ بشيء لا يُشبه الخوف ولا يُشبه الثقة. كان شيئاً بينهما، ذلك الوعي الحاد بكل تفصيلة حولك الذي يأتي حين يعرف الجسد أن الهامش قد ضاق.
بجانبي، كان العجوز يدمدم بصوت خفيف. لحناً قديماً غير مفهوم الكلمات، يُغنّيه بنبرة رجل يتمشى في نزهة ريفية لا في مذبحة وشيكة. كانت الفجوة بين حالته وحال المكان من حوله فجوة لا يملك أي منطق عادي ردماً لها.
‘هل هو الغرور؟ لا. في كاريثيون الغرور يقتلك في ثوانٍ. هذه الثقة المطلقة التي لا تحتاج إلى إعلان نفسها.’
حتى أنا بكل ما أوتيتُ من حذر كنتُ عاجزاً عن تخيل شخص في هذه الساحة قادر على الإطاحة بهذا الوحش الهرم.
أما ميراثيل فقد كانت ملامحها لوحة من الجليد الصامد. لا تعابير، لا حركة زائدة، شعرها الأسود مربوط خلف رأسها بحزام جلدي ضيق، يدها على قبضة سيفها الخفيف بلمسة عارفة. لكنني بفضل حسي المرهف الذي تعلّمتُ فيه قراءة الإرادة لا الوجوه، استطعتُ ملاحظة الاضطراب الطفيف في خيوط إرادتها. اهتزاز لا يراه سوى من عرف طعم الخوف الحقيقي ويعرف كيف يُشبّه.
كانت خائفة. وهذا طبيعي.
لن أنكر خوفي أنا أيضاً. الرجل الذي لا يخاف في ساحة يملؤها مائتا قاتل هو رجل ميت بالفعل، فقط لم يُعلَن عن موته بعد.
بمجرد أن وطأت أقدامنا الرمال الحمراء بدأ المشهد يكتمل حولنا من كل اتجاه.
كان هناك أكثر من مائتي مقاتل. أغلبهم رجال تتفجر العضلات من أجسادهم، تلك الأجساد التي بنتها سنوات من القتال لا من التدريب، بينهم نساء لم يقللن شراسة عن الذئاب في أيٍّ من المعارك التي رأيتُها. لاحظتُ أنه لا توجد امرأة هنا بأقل من المستوى الثاني. من يقررن دخول هذه المذبحة الضخمة هن الأكثر ثقة والأكثر قوة، أعينهن كالشفرات.
بدأتُ بمسح الساحة بعين فاحصة، والعقل الفعال يعمل بهدوء مُحكم في خلفية وعيي لا في مقدمته، يُصنّف ويُحلل دون أن أطلب.
سرعان ما برزت النخبة من بين الزحام كصخور من بين رمال.
أحد عشر مقاتلاً من المستوى الثالث يوزعون هيبتهم على المكان كأنهم ملوك الحلبة وبقيتها مجرد حاشية.
من جهة الرجال السبعة:
الأول رجل عار الصدر، جلده أسمر داكن مُخطط بندوب تقاطعت حتى أصبحت خريطة حروب. يحمل رمحاً برأس منقسم إلى قسمين، وتحركه بخفة تناقض حجمه توحي بدقة قاتلة تعرف كيف تصل إلى ما لا تراه أسلحة أخرى.
الثاني رجل قصير القامة بشكل ملفت يكاد يبدو خاطئاً في مكانه. لكن خناجره الطويلة الست المعلقة على حزامه تُصحح هذا الانطباع بسرعة. صُنعت لتمزيق الأوتار بلمحة بصر، وفي طريقة وقوفه ميل طفيف للأمام يقول إنه يبدأ الحركة قبل أن تبدأ المعركة.
الثالث رجل اختار الجلوس في ركنه بهدوء مصطنع أو حقيقي لا أستطيع التمييز بعد. يرتدي مخالب حديدية في أصابعه العشرة تلمع تحت الشمس بنوايا دموية واضحة كالنص المكتوب.
الرابع والخامس هما التوأمان. مقاتلان متطابقان في كل تفصيلة، نفس الطول ونفس البنية ونفس طريقة الوقوف بجانب بعضهما. يحملان سيوفاً متوسطة الطول وعيناهما تتحركان بنفس الإيقاع كأنهما يتقاسمان نظاماً عصبياً واحداً. تناغمهما القتالي كان مرعباً من بعيد فكيف به من قريب.
السادس رجل ضخم بجسد شاهق، أطول من أي شخص في الساحة بفارق لا يُخطئه العين. يحمل مطرقة عملاقة من حديد داكن جعلتني أتساءل كيف لبشري أن يرفع هذا الثقل ناهيك عن القتال به. لكن عضلات ساعديه أجابت على السؤال قبل أن أُكمله.
السابع رجل بشعر طويل مربوط للخلف بعصابة جلدية، عيناه ضيقتان كأنه يرى ما لا يراه الآخرون أو يُقرر أنه لا يريد رؤية ما يراه الآخرون. يمسك سيفه ببرود مخيف لا غضب فيه ولا حماس، فقط وظيفة.
من جهة النساء الأربع:
الأولى امرأة ببشرة بنية داكنة وشعر أشقر ذهبي يبدو كتناقض متعمد. تحمل فأساً عظيمة ذات رأسين تشع منها هالة القوة الغاشمة البربرية، وعيونها لا تتوقف عن قراءة المكان.
الثانية امرأة جميلة ببشرة بيضاء كالثلج وعيون زرقاء سماوية تُفاجئك بما خلفها. سلاحها سوط حديدي طويل ملفوف حول ساعدها بإحكام ينبئ بقسوة لا حدود لها. الجمال والقسوة في وجه واحد، ذلك النوع الذي يُربك حساباتك.
الثالثة امرأة بشعر بني قصير تمسك برمح فضي مصقول براعة تعكسها في طريقة ثبوت يديها عليه، ثبوت من اعتاد الرمح امتداداً لا أداة.
الأخيرة امرأة بشعر أحمر يتوهج كالنار تحت ضوء الشمس، تحمل سيفاً عادياً لا يُمّيز صاحبه، لكن وقفتها كانت تعكس خبرة قتالية صنعتها السنوات لا التدريب، ذلك النوع الذي لا يُشتبه به حتى يكون متأخراً.
وقفتُ هناك وسط هذا الزحام من النصال والأحقاد والأرواح التي جاءت من كل مكان لتُقرر هنا.
‘في هذا النوع من القتال المفتوح، المواجهة المباشرة مع هؤلاء الأحد عشر هي انتحار. عليّ أن أتحرك في الهوامش، أقتنص الضعفاء، وأبقي عيني دائماً على هذه النخبة لأعرف أين هم وأين لا ينبغي لي أن أكون.’
نظرتُ إلى ميراثيل بطرف عيني. هي تعرف ذلك أيضاً، أراه في طريقة تحركها المحسوبة وفي عيونها التي لا تستقر على أحد بل تمسح الكل.
نظرتُ إلى العجوز.
كان لا يزال يدمدم لحنه الهادئ.
‘أتمنى ألا يتقاطع طريقي مع أيٍّ من هؤلاء الأحد عشر الآن. لستُ جاهزاً لذلك. ليس اليوم.’
همستُها لنفسي وأنا أُعدّل من وقفتي، أنزل ثقلي قليلاً على ركبتيّ المثنيتين خفيفاً، سيفي على طول ذراعي الأيمن لا في موضع الهجوم بل في موضع الاستعداد.
ثم ساد الصمت فجأة.
ليس ذلك الصمت التدريجي الذي ينحسر فيه الضجيج ببطء. بل صمت مفاجئ كأن شخصاً واحداً ضغط على شيء ما فتوقف العالم عن الصوت في لحظة واحدة. انحبست الأنفاس. حتى الريح الخفيفة التي كانت تُحرك الرمال توقفت أو بدت وكأنها توقفت.
في كاريثيون الصمت لا يعني السلام.
يعني أن ملك الموت رفع منجله.
ويقف في انتظار الإشارة.
وأنا أقف بينهما، بين اللحظة وما بعدها، بسيف في يدي وإرادة في صدري وفهد نائم في أعماقي ينتظر وقته.
الرمال الحمراء تحت قدميّ كانت تحمل تاريخ كل من وقف هنا قبلي.
وستحمل قريباً قصة أخرى.