الفصل 75 - المعركة الأولى
ما إن دوّت طبول بداية القتال حتى اهتزت أركان الساحة الأبدية بزئير بشري مرعب.
لم تكن مجرد صرخة قتالية تُطلقها الحناجر في لحظة الاندفاع. كانت عويل مائتي روح تدرك في أعماقها أن نصفها على الأقل سيوارى هذه الرمال الحمراء قبل غروب الشمس، وأن هذا العويل ربما كان آخر ما تُصدره بعض تلك الحناجر. كان مزيجاً من الغضب والخوف واليأس والعزم، تلك المزيج الذي لا يتشكل إلا حين تختصر اللحظة كل شيء في خيار واحد بسيط: اقتل أو مُت.
اندفع الجميع نحو المركز كالسيل العارم لا يسأل عما يُغرق.
تتقاطع النصال وتتطاير الشرارات وترتفع الأصوات فوق بعضها في طبقات لا تُميّز فيها صرخة ألم من صرخة هجوم. المدرجات فوقنا تزيد من ضجيجها كلما سقط أحد، كأن الموت هنا وسيلة ترفيه لا نهاية لحياة.
في تلك اللحظة، انفصلتُ عن ضجيج العالم الخارجي بقرار داخلي واضح.
‘تفعيل. العقل الفعال.’
لم يخذلني عقلي.
تحوّل المشهد أمام عيني في أجزاء من الثانية. لم أعد أرى أجساداً تتحرك وأسلحة تلمع فحسب. بدأتُ أرى نسيجاً معقداً من الخيوط. خيوط الإرادة تنبثق من صدور المقاتلين ورؤوسهم قبل أن تتحرك أطرافهم بكسر من الثانية. تأتي الإرادة أولاً، ثم يتبعها الجسد كدمية مطيعة. كانت الخيوط ترسم مسارات السيوف قبل انطلاقها والفرص الضائعة قبل إهدارها، خارطة قتال كاملة لا يراها إلا من يعرف كيف يُنصت بالبصيرة لا بالعين.
ولم يمضِ وقت طويل حتى وجدتُ نفسي محاطاً.
خمسة محاربين يُضيّقون الحلقة من كل جانب. كانوا من المستوى الأول، أجسادهم مُعتادة على الحرمان أكثر من التدريب، ملابسهم رثة يُكذّبها الحزم في أعينهم. كانت عيونهم تفيض بوحشية يائسة، تلك الوحشية التي تصنعها الحاجة لا القوة، ويعتقد من يحملها أن الكثرة تغلب المهارة.
اندفعوا نحوي في آنٍ واحد.
لم أتحرك بإرادة واعية تُفكّر وتختار. تركتُ جسدي للغريزة التي صُقلت في حروب فيرون وفي كل تدريب نزفتُ فيه مع محمد على ذلك المنحدر الصخري. حين يعتاد المحارب على الموت يتحول القتال إلى ذاكرة عضلية، الجسد يعرف ما يفعل قبل أن يُسأل.
تقدم الأول بطعنة طائشة من يده اليمنى، سيفه الرخيص مرفوع فوق الكتف. رأيتُ خيط إرادته ينبع من صدره ويندفع نحو منطقة تحت قفصي الصدري قبل أن يرفع ذراعه بلحظة. قابلتُ مسار الخيط بضربة من سيفي بنفس الشدة والقوة والاتجاه بالضبط. صدمة المعدن بالمعدن جعلت يده ترتد بعنف، زخمه الذي جمعه ضده الآن. صددتُ بالهجوم. وفي اللحظة التي انكسر فيها نسيج إرادته وتكشّفت نقطة الضعف خلف رقبته كثغرة في درع، انسللتُ كظل عابر وسددتُ ضربة نظيفة وقاتلة في الجانب.
لم أنتظر سقوطه.
تحركتُ بحركة لولبية، سيفي يرسم قوساً من الفضة وسط الغبار الذي بدأ يرتفع من الرمال الحمراء. المحاربون الأربعة الآخرون بدوا لي وكأنهم يتحركون في عرض بطيء، خيوط إرادتهم تتشابك وتتصادم بعضها ببعض من فوضى الهجوم الجماعي غير المنسق، مما يكشف عن ثغرات قاتلة يتركونها دون أن يدركوا.
طعنة في القلب لمن يأتي من اليسار، يده الممتدة كشفت جنبه تماماً. ضربة خاطفة قطعت أوتار الركبة لمن يأتي من الخلف الأيمن قبل أن يُكمل خطوته. نصل اخترق الحنجرة ببرود تام للثالث الذي حاول القبض بدلاً من الضرب. وللأخيرين انتهت المعركة قبل أن يُدركا أنها بدأت بطريقة مختلفة عما توقعاه.
رقصة موت حقيقية. ضربة واحدة لكل شخص كانت أكثر من كافية.
‘هل كان محاربو المستوى الأول بهذه الضعف دائماً؟ أم أنني أنا من أصبحتُ شيئاً آخر دون أن أُلاحظ بالضبط متى؟’
بمجرد أن سقطت الأجساد الخمسة حولي كأكياس خاوية على الرمال، استرقتُ النظر نحو رفاقي.
كانت ميراثيل تبعد عني ببضعة أمتار، وشعرها الأسود المربوط خلف رأسها لا يزال محكماً رغم ما حولها. كانت قد أنهت لتوها خصمها الثاني بطعنة دقيقة في العين وصلت الدماغ مباشرة دون مرور بأي مرحلة وسيطة. كانت تتحرك كجراحة بارعة وسط مسلخ بشري، عيناها السوداوان لا تعكسان رحمة ولا قسوة، فقط تركيزاً مطلقاً على البقاء. أسلوبها الرشيق بالسيف الخفيف والخنجر القصير كان يمنحها سرعة تعوض ما قد ينقصها في القوة الخام.
ثم بحثتُ عن العجوز.
للحظة خيّل لي أنه اختفى وسط الغبار المتصاعد. ثم لمحته أخيراً في الجهة المقابلة، واقفاً أمام رجل ضخم من المستوى الثاني يرتدي درعاً جلدياً سميكاً مقوى بحلقات حديدية، أطول من العجوز بكثير وأوسع منه بمراحل، يحمل سيفاً كبيراً كأنه يريد إعلان تفوقه قبل أن يبدأ.
رأيتُ العجوز يُرجح فأسه الصغيرة التي لا تتعدى حجم الكف، تلك الحركة البسيطة الخالية من أي استعراض.
طرااااخ.
بصوت يشبه تحطم صخرة لا قطع لحم، انقسم الرجل من المستوى الثاني إلى نصفين طوليين متساويين تقريباً. لم يقطع الفأس اللحم فحسب. حطم الدرع الجلدي المقوى والعظام وكل ما بينهما كأنه يقطع ورقة رقيقة في جو بارد. الدرع الذي كان يُفخر صاحبه بسماكته لم يُقدّم ولم يُأخر.
تجمّدتُ لثانية كاملة.
‘كيف يمكن لفأس بهذا الحجم الصغير أن تولد هذه القوة التدميرية؟ ما رأيته الآن يؤكد ما شعرتُ به حين حاولتُ قراءته بالعقل الفعال في العربة وارتددتُ منه. هذا العجوز ليس مستوى رابعاً. إنه شيء يتجاوز كل المقاييس التي عرفتها وكل المراجع التي قستُ بها.’
لم يطل ذهولي.
صوت احتكاك المعدن على الرمل من خلفي أعادني بحدة. استدرتُ لأجد رجلاً بلحية مبعثرة وعينين تلمعان بخبرة قتالية واضحة لمن يعرف كيف يقرأها، وجسد نحيل مخادع لا يُحكم الحكم على قوته من مظهره.
كان يحمل رمحاً غريباً لم أرَ مثله من قبل. رأسه مزود بخطافات جانبية معقوفة مصممة بعناية لنزع الأسلحة من الأيدي أو لعرقلة الأقدام في لحظة الاندفاع، رمح لا يكتفي بالطعن بل يُحاول أن يسلبك ما تحمله.
كان الخصم من المستوى الثاني.
تجهّمتُ وأعدتُ وضعيتي. الرمل تحت قدميّ رطب قليلاً بما سبقه.
اندفع نحوي بهجمة مباشرة، الرمح يخترق الهواء نحو منطقة كتفي الأيسر. رأيتُ الخيط قبل الحركة، ملتُ جانباً بمقدار ما يكفي فقط. مرّ الرمح بجانب خاصرتي بمسافة ضيقة. تحرك فوراً بدوران جانبي، الخطاف الجانبي يُحاول القبض على نصل سيفي. سحبتُ سيفي للخلف بسرعة قبل أن يُدرك الخطاف ما أراد.
كانت هجماته سريعة كالأفعى ومرنة كالأفعى. كل حركة تُخفي فخاً خلفها، كل طعنة هي مجرد مقدمة لشيء آخر. أسلوب مُصمم لإرباك من لا يرى إلا ما يحدث لا ما سيحدث.
لكنني كنتُ أرى ما سيحدث.
خيوط إرادته كانت تتلوى أمامي بوضوح مُرهِق لصاحبها. قبل كل طعنة كان الخيط يُشير إلى الهدف قبل أن تتحرك يده، وأنا كنتُ أُعدّل جسدي بمليمترات قليلة مُحسوبة لتمر الطعنة حيث لا أكون. صددتُ هجماته جميعاً دون استثناء، سيفي يصطدم برمحه بقرع رتيب مُحبط يُشعل التوتر على وجهه بشكل متصاعد.
بدأ الإحباط يُغير حساباته.
حاول هجمة جانبية قوية يبذل فيها زخم جسده كاملاً، يُريد منها كسر توازني وإجباري على التراجع خطوة تُفتح معها ثغرة. هذه المرة لم أقابله بهجمة عكسية بنفس القوة كما فعلتُ مع محاربي المستوى الأول. غيّرتُ زاوية سيفي في اللحظة الأخيرة ودفعتُ نصله بقوة أكبر قليلاً من قوته واستخدمتُ زخم حركته ضده لا ضدي.
انحرف رمحه نحو الأعلى بعنف، ذراعه تتبعه في حركة لم يخطط لها وتنكشف منطقة إبطه تماماً. لم يكن في تلك المنطقة أي خيط من خيوط إرادته، وضعية الانكشاف التام التي لا تدوم إلا نصف ثانية.
كانت تكفي.
اخترقتُ جانبه بطعنة مثالية وصلت قلبه مباشرة.
سقط بصمت مؤثر، وعيناه لا تزالان تحملان تعجب من يُحاول استيعاب كيف تُوقِّعَت كل حركاته في أجزاء من الثانية قبل أن يُقررها.
نظرتُ حولي.
الساحة أصبحت بركة من الدماء والرمال المختلطة. المعارك تشتد في كل زاوية بإيقاع فوضوي لا يُقدر أحد على قيادته كله. والجبابرة الأحد عشر الذين رصدتُهم في البداية بدأوا يحصدون الأرواح كالمناجل في حقل قمح جاف.
رأيتُ العملاق ذا المطرقة الضخمة يسحق ثلاثة رؤوس بضربة واحدة تُهشّم ما تُصيب وما يجاور ما تُصيب. والبوابات الضيقة في الجدران كانت كافية لتشهد ما لا يُشاهَد في الميادين المفتوحة. سيدة السوط الحديدي تمزق الأجساد من بعيد ببرود مرعب كأنها تعمل في مهنة لا تستدعي مشاعر.
صررتُ على أسناني وأعدتُ قبضتي على مقبض سيفي الملطخ بما جمعه من قبلي.
‘خمسة من المستوى الأول وواحد من المستوى الثاني. عملة فضية وعشر عملات نحاسية. مئة عملة ذهبية تبقى هدفاً بعيداً.’
همستُ لنفسي والغبار يُحاول الدخول إلى رئتيّ:
‘مئة عملة ذهبية. الطريق لا يزال طويلاً جداً، وهذا الجحيم لن ينتهي عما قريب.’
اندفعتُ نحو الخصم التالي.
الفهد لا يزال نائماً في أعماقي، ينتظر لحظته بصبر الكائنات التي تعرف أنها ستأتي. وحتى تلك اللحظة، سأبقى خياط الخيوط، أقرأ الإرادات وأجد فيها الثغرات وأحصد الأرواح واحدة واحدة.
حتى يشرق فجر الحرية.
أو حتى يبتلعني الرمل.
وفي هذا المكان، لا يمكنك معرفة أيهما سيأتي أولاً.