الفصل 73 - الساحة الأبدية
لم يكن الطريق إلى كاريثيون مجرد رحلة في مقطورة عبيد.
كان ترويضاً قسرياً للروح تحت وطأة السلاسل، تلك التجربة التي تأخذ منك شيئاً لا اسم له بدقة، شيء بين الكرامة والثقة وذلك الشعور بأنك تملك وجودك. قضيتُ يوماً كاملاً في تلك العربة أُصارع دوار الرأس وآلام الجروح التي ترفض الالتئام. الصمت كان ثقيلاً لدرجة أنه كاد يكسر العظام قبل أن تفعل القيود ذلك.
ميراثيل كانت تُحدّق في الفراغ بعينين كالجمر الخامد، تلك العينان السوداوان اللتان تحملان بريقاً لا ينكسر حتى حين تكون كل بقية الوجه هادئة. والرجلان الآخران غارقان في رعب بدائي جعل أجسادهما تضمر كأنهما يحاولان أن يكونا أصغر مما هما. أما العجوز فكان جبلاً من السكون، لا تهزه عثرات الطريق الصخري ولا سياط الحراس ولا ثقل الهواء، جالس في زاويته كأنه اختار هذا المكان بمحض إرادته.
ثم توقفت العربة.
لم يكن التوقف هادئاً. تبعه صوت تروس معدنية ضخمة تُفتح بثقل لا يُخفي حجمه، وضجيج بشري هائل يختلط بقرع طبول وصليل سيوف بعيد، كأن المدينة كانت تنبض بإيقاع خاص بها لا يشبه أي إيقاع آخر.
“انزلوا أيها الحثالة! لقد وصلتم إلى عاصمة الفناء!”
زأرها أحد الحراس وهو يفتح الباب الخشبي بعنف مقصود، ليدخل ضوء الشمس الحارق ويضرب أعيننا التي اعتادت العتمة الطويلة. غمّضتُ عيني للحظة وفتحتهما ببطء.
عندما وطأت قدماي الأرض الصلبة خارج العربة، لفحت وجهي رائحة كاريثيون قبل أن تفعل عيناي شيئاً.
مزيج من الحديد الصدئ والعرق المالح والرماد المحترق، رائحة لا تُشبه أي مدينة مررتُ بها من قبل. رائحة مكان اعتاد على استقبال الناس لا على إعادتهم.
ثم رفعتُ رأسي ورأيتُ كاريثيون.
كانت تبدو وكأنها بُنيت من حجر بركاني أسود صُقل بدموع المهزومين، كل حجر في جدرانها يحمل لوناً لا تُنتجه إلا الحرارة الشديدة أو اليأس الشديد. الأسوار شاهقة لدرجة أنها تحجب الأفق بالكامل، تجعلك تنسى أن هناك عالماً خلفها. والرايات التي ترفرف فوقها لا تحمل شعارات قبائل أو ممالك أو أسماء أبطال. بل رموز أسلحة محطمة وجماجم بلا أسماء. علامات تُخبرك بما هذا المكان قبل أن تدخله وبعد أن تدخله وفي كل لحظة بينهما.
جرّونا نحن الخمسة بخشونة لا تُسرف في القسوة لأنها لا تهتم أصلاً. السلاسل تصطدم ببعضها مع كل خطوة، تُعلن عن وصول بضاعة جديدة لمن لا يرانا بعيون من يرى بشراً.
تم ترتيبنا فوق خشبة عالية في وسط ساحة مكتظة بالحضور.
وقفنا بجانب بعضنا البعض، كل منا يُحاول في سره أن يجمع ما تبقى من شيء يُشبه الكرامة، تحت أنظار مئات العيون التي كانت تتفحصنا بتلك الطريقة التي يُفحص بها الجسد لا الإنسان. عيون تقيس العضلات والندوب والطول والبنية، كأنها تقرأ كتاباً ليس فيه حرف واحد يُعنى بما يحمله صاحب الجسد في روحه.
بدأ المزاد بصوت البائع الأجش الذي يلوح بسوطه فوق رؤوسنا ويُعدد ميزاتنا الجسدية بنبرة خالية من أي صدى إنساني. كان الحضور خليطاً يجسّد وجه المدينة في أبشع ما فيه: تجار حرب في ملابس فاخرة تتناقض مع اختصاصهم، عيونهم تلمع بذلك الطمع الذي لا يتعب. وقادة ميليشيات يبحثون عن لحم جديد رخيص يملأ فجوات تركتها خسائر المعارك السابقة.
“نبدأ المزاد! عملة ذهبية واحدة لكل رأس كبداية!”
صرخها البائع، وبدأت المزايدات تتصاعد كزخات مطر لا تسأل عمن تُبلّل.
كنتُ أراقب الوجوه من خلف شعري المنسدل المليء بالتراب. قيمتي كانت ترتفع ببطء. عشر ذهبيات. إحدى عشرة. كان المزايدون يتفحصون عضلات كتفيّ وندوب المعارك التي خلّفتها فيرون على جلدي، يقرأون تاريخ قتالي من جروح لم تُقرأ بأي طريقة أخرى.
أما ميراثيل، فقد كان المزاد عليها يثير في معدتي شيئاً بين الغضب والغثيان. ثمنها يرتفع بسرعة تقول كل شيء عن طبيعة من يُزايدون عليها. ست عشرة عملة ذهبية. لم يكن مفاجئاً، لكنه كان مُؤلماً بطريقة مختلفة عن ألم الجروح. امرأة بجمالها الآخاذ وبشرتها التي لم يطفئ شحوب الأسر بريقها كانت مطمعاً لذوي النفوس الدنيئة في هذه المدينة.
نظرتُ إلى المشتري الذي يزايد عليها بشراسة.
رجل سمين بملابس حريرية ضيقة تُبرز ما لا ينبغي إبرازه، وجهه يفيض بشهوة مقززة ونوايا سوداء لم يُحاول حتى إخفاءها خلف ابتسامته الصفراء. كان يتصرف كمن يشتري قطعة أثاث فاخرة ويعرف أنه سيدفع ما يُطلب منه. شعرتُ بميراثيل ترتجف بجانبي، لكنها حافظت على رأسها مرفوعاً بصلابة أثارت إعجابي أكثر مما أثارته قوة كثيرين رأيتهم في ساحات القتال.
وفجأة.
ساد الصمت الساحة وكأن غطاءً من الرصاص سقط فوق كل الرؤوس في آنٍ واحد.
انشقت الحشود المتزاحمة لتفسح الطريق لشخصية بدت وكأنها تنتمي لعالم من الأحلام لا لهذا الخراب.
تقدمت فتاة لا تتخطى العشرين من عمرها.
كانت تتحرك بخفة وثقة معاً، تلك المزيج النادر الذي يجعل كل من حولها يبدو ضئيلاً دون أن تبذل في ذلك أي جهد مقصود. كانت ترتدي فستاناً من الحرير البني الناعم يتحرك مع خطواتها كأنه يُوافقها في كل اتجاه، وشعرها الداكن يتخلله ضفائر صغيرة منسقة بعناية حرفية واضحة، وتتزين بإكسسوارات ذهبية دقيقة ومجوهرات نادرة تلمع دون أن تصرخ. لكن ما شد انتباهي حقاً لم يكن ثراءها الواضح ولا ملابسها ولا ذلك الاتزان في مشيتها.
كان عيناها.
خضراوان كزمردتين نادرتين تشعان ببريق ذكي وحازم خلف ملامح هادئة لا تمنح ما تُفكر به إلا لمن تُريده.
خلفها كان يسير حارسان يبعثان الرعب بمجرد النظر إليهما. أجسادهما شاهقة ومكتنزة بالعضلات التي بناها العمل الحقيقي لا التدريب المعتدل، وندوب المعارك تُغطي صدورهما العارية اللتين لا تحميهما سوى دروع برونزية مُحكمة تُغطي النقاط القاتلة. حركاتهما محسوبة ومنضبطة بدقة تُخبرك أنها اعتادت الضبط لا أنها تتكلفه. إرادتهما كانت واضحة حتى لمن لا يملك العقل الفعال، محاربان في قمة المستوى الثالث يُؤدّيان وظيفتهما بمهنية لا عواطف فيها.
تقدمت الفتاة بابتسامة مشرقة لا تتناسب مع قتامة المكان من حولها، كأنها جاءت من بيئة تختلف اختلافاً جذرياً عن هذا الجحيم وليس من شارع مجاور. وقفت أمام المنصة ببساطة من يعرف أن حضوره يقول الكلمة الأولى قبل فمه.
“مئة عملة ذهبية. مقابل جميع العبيد الخمسة.”
اندهش الحضور. لم يكن اندهاشاً هادئاً بل موجة من الهرج والتهامس ونظرات تتبادلها العيون بحثاً عن تأكيد أن الآذان لم تُخطئ. مئة ذهبية مقابل خمسة عبيد مجهولين كانت مبلغاً يُقال فيه كلام كثير بكلمة واحدة: إنها تعرف شيئاً لا يعرفه الآخرون.
لم يجرؤ أحد على المزايدة. حتى التاجر السمين الذي كان يلهث طمعاً في ميراثيل التزم صمتاً مُفاجئاً. حُسم المزاد بضربة مطرقة واحدة.
وأصبحنا ملكاً للفتاة ذات العيون الزمردية.
اقتادنا الحارسان خلفها عبر شوارع كاريثيون إلى منزلها.
منزل كان بالأصح قصراً حصيناً يتوسط أرقى أحياء المدينة بجدران سميكة وبوابة حديدية ثقيلة وبستان داخلي لم أتوقع وجوده في هذه المدينة. الجدران من الداخل كانت مُزيّنة بأسلحة بدت وكأنها شاركت في حروب لم يكتب عنها أحد، سيوف بأشكال لم أعرفها ودروع بتصاميم لا أُحدد عصورها.
هناك أمرتنا الفتاة بالاغتسال وارتداء ملابس نظيفة.
لم نتردد. كانت تلك المياه هي أول شيء يُعيد إلينا إحساسنا بآدميتنا بعد أيام من القذارة والسلاسل والعربات التي لا تُعنى بما تحمل.
ثم تم استدعاؤنا إلى غرفة واسعة مفروشة بسجاد فاخر يمتص صوت خطواتنا.
جلست الفتاة خلف طاولة خشبية ضخمة بظهر مستقيم لا يُسرف في الرسمية، وخلفها وقف الحارسان كالجبلين الصامتين. نظرت إلينا نحن الخمسة بنظرة تقيس لا تحكم، ثم قالت بلهجة عملية لا تُضيع وقتاً في المقدمات:
“أنا لا أشتري العبيد لأكدسهم في بيتي كتحف. أمامكم خياران، ولكم مطلق الحرية في الاختيار، لكن تذكروا أن العواقب تقع على عواتقكم وحدكم.”
أكملت دون أن تنتظر رداً:
“الخيار الأول: أن تتقبلوا مصيركم كعبيد، تخدمون في هذا القصر وتُنفذون أوامري للأبد مقابل الطعام والأمان. الخيار الثاني: أن تقاتلوا من أجل حريتكم في الساحة الأبدية.”
لمعت عين ميراثيل بشيء أشبه بالنار الهادئة. وشعرتُ أنا بنبض قلبي يتسارع عند كلمة الحرية، تلك الكلمة التي كانت تبدو منذ ساعات بعيدة بعد الأفق.
تابعت الفتاة شرح النظام بصوت لا يعتذر عما يقوله:
“لكي تشتري حريتك عليك أن تجمع مئة عملة ذهبية من مكافآت القتال. القواعد واضحة: قتل خصم من المستوى الأول يمنحك عملتين نحاسيتين. من المستوى الثاني عملة فضية واحدة. من المستوى الثالث خمس عملات فضية. وإذا استطعت قتل شخص من المستوى الرابع، فستنال عشر عملات ذهبية دفعة واحدة.”
بدأتُ أحسب في ذهني والمرارة تُلوّن كل رقم.
مئة عملة ذهبية تعني خمسة آلاف شخص من المستوى الأول. ألفاً من المستوى الثاني. مئتين من المستوى الثالث وهو عدد يكفي وحده للقضاء على الجسد والروح قبل اكتماله. أما المستوى الرابع، فعشرة رؤوس فقط. لكن المستوى الرابع يعني القادة والجبارين، ومن أنا الآن كي أُفكر في ذلك بجدية.
رغم كل هذا لم أتردد.
نظرتُ إليها مباشرة.
“سأختار الساحة. سأشتري حريتي بيدي.”
أومأت ميراثيل برأسها، والغضب الكامن في عينيها كان كافياً لإحراق الساحة بأكملها. ثم جاءت المفاجأة من الزاوية المظلمة.
وافق العجوز بصمت مهيب.
نظرتُ إليه بطرف عيني. رغم تجاعيد وجهه وهرمه الظاهري، وقفته كانت تنضح بصلابة لا تُناسب المظهر. وقبضته على ركبته كانت توحي بقوة كامنة يختار وحده متى يُظهرها. لا أعرف لماذا هو هنا. لكنه اختار الساحة. ولعل هذا الاختيار نفسه كان يقول أكثر مما يقوله أي شيء آخر.
ابتسمت الفتاة الزمردية ابتسامة من لا تُفاجأ.
“الشجعان يموتون سريعاً أو يعيشون كأساطير. اذهبوا واختاروا أسلحتكم. غداً تبدأ رحلتكم في الرماد.”
فُتحت أمامنا خزانة أسلحة ضخمة تمتد من الجدار إلى الجدار.
تقدمتُ ببطء وأمرتُ عيني بالتعلم لا باختيار ما يبدو فاخراً. مررتُ بأصابعي على عدة نصال قبل أن تستقر يدي على سيف طويل متوازن، نصله يلمع ببرود قاتل لا بزينة، وخفته في القبضة تقول إنه صُنع لمن يريد السرعة لا القوة الخام. اخترتُ معه درعاً جلدياً خفيفاً مُحكم الخياطة لا يُعيق حركتي. السرعة كانت وسيلتي الوحيدة في حالتي هذه، ولستُ في وضع يسمح بالتجربة.
ميراثيل اختارت سيفاً خفيفاً ذا نصل رفيع مُدبّب وخنجراً قصيراً يتناسب مع معصمها، مزيج يعتمد على الرشاقة والدقة لا على الثقل. خياراتها قالت إنها تعرف نفسها.
أما العجوز.
توقف أمام الخزانة وأمرّ عيني الهادئتين على كل ما فيها. ثم مدّ يده ببطء مقصود والتقط فأساً بحجم اليد. قطعة بسيطة خالية من أي زينة أو نقش، حديدها داكن والمقبض خشب بلا زخرف. لكن في يده بدت وكأنها كانت تنتظر هذه اليد بالتحديد منذ صُنعت.
لم يُعلّق أحد.
خرجنا من القصر والرياح تذرو الرماد في شوارع كاريثيون كأنه ذاكرة كل من مرّ من هنا ولم يخرج.
كلمات الفتاة كانت لا تزال ترن في أذني.
مئة عملة ذهبية.
تفحّصتُ نصل سيفي الجديد تحت ضوء المدينة الذي لم يكن دافئاً قط، وشعرتُ بثقله المتوازن في يدي. ثقل يقول إنه جاهز. ثقل يسأل إن كنتُ كذلك.
‘الساحة الأبدية.’
همستُها لنفسي.
‘غداً سأعرف أي نوع من الجحيم أنت.’
وفي أعماقي، في ذلك المكان البعيد الذي لا يُصل إليه السيف ولا السلاسل، شعرتُ بزمجرة الفهد ترتفع درجة واحدة.
لم يكن استعداداً.
كان وعداً.