الفصل 72 - كاريثيون مدينة الحرب
كانت العربة تهتز بعنف فوق الطريق الصخري الوعر.
لا تلك الاهتزازات اللطيفة التي تُنيّمك حين تجلس في عربة مريحة، بل اهتزازات تُصطدم فيها كتفك بالجدار الخشبي مرة بعد مرة حتى يتوقف الجسد عن تسجيل الألم ويكتفي بتسجيل الوجود. وصوت السلاسل السوداء وهي تحتك ببعضها مع كل اهتزاز كان يعزف لحناً جنائزياً رتيباً، إيقاع لا بداية له ولا نهاية، كأن هذا الطريق لن ينتهي أبداً وكأن هذا الصوت جزء من تعريف المكان لا حادثة عارضة فيه.
استندتُ برأسي على الخشب البارد المشبع برطوبة لا تُجفف، وأغمضتُ عيني لثوانٍ معدودة.
كان عليّ أن أستجمع شتات نفسي. الذعر في هذا العالم تذكرة مجانية للقبر، وأنا لستُ مستعداً بعد للموت كجثة مجهولة في قاع مقطورة عبيد. لم أصل إلى هنا كي أنتهي هكذا. لم أتعلم كل ما تعلمته وأنزف كل ما نزفته لأكون رقماً في سجل تاجر بشر.
نظّمتُ تنفسي. نفَس عميق بطيء، وزفير أبطأ. شعرتُ بنبضات قلبي تهدأ تدريجياً رغم الألم الذي يعتصر أضلاعي من الأسر ومن الطريق ومن كل شيء آخر. كان عليّ أن أعرف مع من أتعامل. أن أعرف أين أنا بالضبط في هذا الهرم الجديد الذي سقطتُ فيه من القمة إلى القاع في وقت أقصر مما يُصدّق.
‘تفعيل. العقل الفعال.’
همستُها في أعماق وعيي.
انفتحت الرؤية التحليلية كما دائماً، لكن في هذا الظلام الداخلي للعربة بدت الخيوط أكثر وضوحاً من المعتاد، كأن الحرمان من البصر الخارجي يُحسّن البصر الداخلي. بدأت الأرقام والبيانات تتدفق أمام عيني الباطنة كخيوط من النور الباهت تشق ظلام العربة الدامس.
بدأتُ بمسح سريع لمن حولي.
الرجلان الجالسان في الزاوية البعيدة كانا يرتجفان من البرد والخوف، يضمان أجسادهما النحيلة كأنهما يحاولان الاختفاء داخل جدران الخشب. شعر أحدهما ببياض مبكر لعمره لا يتجاوز الثلاثين، وجلدهما محفور بآثار عمل شاق طويل.
الهدف الأول: إرادة المستوى الأول. متهالكة. شخص كسرته الأيام قبل أن تكسره الأسر.
الهدف الثاني: إرادة المستوى الأول. أشبه بجمرة أُطفئت ولا تعرف أنها أُطفئت.
مجرد بشر عاديين، أو ربما كانوا مقاتلين ذات يوم وتحطمت أرواحهم تحت وطأة الأسر. لم يكونوا خطراً. لكنهم لن يكونوا عوناً في أي خطة هروب. لقد استسلموا لمصيرهم بالكامل وأغلقوا الباب من الداخل.
ثم انتقلتُ بنظري إلى المرأة التي كانت تجلس قبالتي مباشرة.
كانت ترتدي خرقاً ممزقة رثة تُشبه ما ارتديتُه أنا، لكنها لم تستطع إخفاء هالة مختلفة تشع منها، ذلك النوع من الحضور الذي لا يحتاج إلى ملابس حسنة ليُعلن نفسه. كانت طويلة القامة حتى في جلوسها، وتمتلك شعراً أسود طويلاً ينسدل كالحرير المصبوغ بالليل فوق كتفيها، وبشرة صافية بيضاء كالثلج تبدو أكثر إشراقاً في ظلام العربة كأنها تحمل ضوءها الخاص. وعيناها. عيناها كانتا أشد سواداً من ظلام العربة نفسه، لكن فيهما بريق حاد يرفض الانكسار، بريق من اعتاد الصعوبة ولم يُعلّمه إياها أحد بل اكتسبه وحيداً.
الهدف الثالث: إرادة المستوى الثاني. مستقرة. هادئة. لم تنكسر.
مستوى محترم لشخص في حالتها. لكنه يظل ضئيلاً أمام ما شعرتُ به من خارج هذه العربة حين أُدخلنا فيها.
ثم وجّهتُ العقل الفعال نحو الرجل العجوز.
كان يقبع في أظلم زاوية من العربة كأنه اختار تلك الزاوية تحديداً. هزيل الجسد بما يُوحي بعقود من الزهد لا من الجوع، شعره أشيب مبعثر كأغصان جافة تحت الشتاء، وظهره منحنٍ بانحناء لا يُشبه الهرم بل يُشبه الرجل الذي يحمل ثقل العالم بأكمله على كاهله ويعلم ذلك ولا يشكو.
بدأتُ عملية القياس.
وفجأة.
شعرتُ وكأن يداً عملاقة غير مرئية اخترقت جمجمتي من الجانبين في آنٍ واحد ومزّقت صمت تفكيري كورقة رقيقة. لم تكن مجرد إرادة قوية تُقاس بالدرجات. كانت هيبة مطلقة سحقت قدرتي التحليلية كاملة في أجزاء من الثانية، كإعصار يبتلع شمعة صغيرة في ليلة عاصفة لا يبقى منها حتى الدخان.
شعرتُ بالهواء يُسحب من رئتيّ دفعة واحدة. بثقل هائل يضغط على صدري كأن جبلاً هبط فوقي من ارتفاع لا يُرى. وبالعالم من حولي يضيق ويضيق حتى لم يتبقَّ فيه مكان لأي شيء سوى ذلك الثقل الرهيب.
هذا الرجل لم يكن عبداً عادياً.
كان جباراً بكل ما تحمله الكلمة من معنى وما خلفه من معنى أعمق. شعرتُ أن قوته تتجاوز يوليوس في قمة مستواه الرابع بمراحل لا يُقاس الفرق بينها بالأرقام. كانت قوة هادئة ساكنة كالمحيط قبل العاصفة، تلك الهدأة التي تُخبرك أن ما تحتها ليس فراغاً بل عمقاً لا قاع له.
ألغيتُ العقل الفعال فوراً وبقوة كاملة.
الارتداد الذهني كان أشد مما توقعتُ. انحنيتُ للأمام وأنا أُمسك برأسي بكلتا يديّ المقيدتين، والدم يسيل من أنفي دفعة واحدة دافئة لزجة، والدموع تفرّ من عيني لا إرادياً دون حزن يبررها. استغرق الأمر عدة دقائق قبل أن يعود بصري للوضوح وتتوقف تلك الصرخة الصامتة التي تملأ الرأس دون أن تُسمع.
حين رفعتُ رأسي أخيراً، تجنّبتُ النظر إلى الزاوية المظلمة تجنباً تاماً. مجرد محاولة قراءة كيانه كانت بمثابة انتحار، وأنا لستُ في وضع يسمح لي بالانتحار في هذه اللحظة.
استدرتُ نحو الفتاة التي كانت تراقبني بفضول حذر يختلط فيه شيء قد يكون شفقة وقد يكون تقييماً لما رأته.
“ما اسمكِ؟”
سألتُها وصوتي لا يزال مرتعشاً مبحوحاً، يحمل آثار ما مررتُ به قبل ثوانٍ.
نظرت إليّ بعينيها السوداوين العميقتين نظرة طويلة هادئة، كأنها تُقرر إن كانت الإجابة تستحق العناء. ثم قالت بصوت رقيق يحمل حزناً قديماً متعوداً عليه وكبرياءً جريحاً لم يموت:
“اسمي ميراثيل. تم أسري من حدود الممالك بعد حرب طاحنة. وجدوني جريحة وسط الحطام وجروني كعبدة في هذه القافلة الملعونة.”
مسحتُ الدم عن وجهي بيدي المقيدتين، وسألتُها السؤال الذي كان ينهش عقلي منذ اللحظة التي فتحتُ فيها عيني في هذا المكان:
“إلى أين نحن ذاهبون؟ أي جحيم ينتظرنا في نهاية هذا الطريق؟”
تنهّدت ميراثيل تنهداً طويلاً ونظرت عبر فتحات العربة الخشبية الضيقة إلى الخارج حيث المطر لا يزال يغسل الأرض دون أن يُنظّفها حقاً.
“نحن ذاهبون إلى كاريثيون. مدينة الحرب الأبدية. هل سمعتَ عنها من قبل؟”
هززتُ رأسي نفياً.
“إنها مكان يملؤه المحاربون الموتورون وعبيد القتال.” تابعت ميراثيل بمرارة تعرف طعمها جيداً. “هناك لا يوجد قانون سوى القوة المطلقة. العبيد أمثالنا لا يكدحون في المناجم ولا يحرثون الحقول. بل يقاتلون في الساحة الأبدية. إنها حلبة عملاقة من الرمال المصبوغة بدم آلاف السنين، حيث يقاتل العبيد من أجل متعة السادة والمقامرين. عندما نصل سيتم عرضنا في مزاد. سيشترينا أصحاب الحلبات أو الجنرالات الذين يبحثون عن لحم جديد لمسارح دمائهم.”
غرقتُ في صمت ثقيل.
كلامها كان يصل إلى أذني لكن عقلي كان يعالجه ببطء، كأن الواقع أكبر من الطاقة الاستيعابية المتبقية.
لقد انتهيتُ للتو من حرب طاحنة في سبارك وفيرون. حربٍ ضحيتُ فيها بكل شيء حتى بجسدي وبأجزاء من روحي لا أعرف إن كانت ستعود. قاتلتُ وتعلمتُ ونزفتُ وفقدتُ ووصلتُ إلى ما لم أكن أعرف من قبل أنني سأصل إليه. فقط لأجد نفسي أنتقل من ساحة معركة كبطل إلى حلبة قتال كسلعة مرقومة.
كأن القدر قرر أن يختبر ما إذا كان الإنسان يستطيع الصمود بعد أن تُسحب منه أسباب الكرامة واحداً واحداً حتى لا يتبقى شيء إلا ما هو منه فعلاً لا مما كان حوله.
هذا العالم يحكمه الحرب والقتال حقاً. لا مكان فيه للراحة المكتسبة. حتى النصر مؤقت، وحتى البطولة لا تمنحك إعفاءً من الدورة التالية.
نظرتُ إلى السلاسل السوداء حول معصميّ. كنتُ بطلاً قبل أيام. والآن أنا رقم في سجل مبيعات تاجر بشر يُعدّ حصته من أوامر الشراء.
ثم نظرتُ خفية نحو الزاوية المظلمة.
لماذا يكون شخص بمثل تلك القوة الأسطورية مُكبّلاً في عربة عبيد؟
الأمر لا يستقيم. رجل بهذا المستوى يستطيع تحطيم هذه العربة بإرادته دون أن يُحرك يده. يستطيع قتل كل حارس في هذه القافلة قبل أن يرفّ لهم جفن. فلماذا يجلس هنا ويترك نفسه يُقاد؟
استسلام؟ لا يُشبه من تلك القوة.
انتظار؟ ربما. الأقوياء أحياناً ينتظرون لأنهم يعرفون أن الوقت يعمل لصالحهم.
اختيار؟ هذه الفكرة كانت الأكثر إثارة للقلق والأكثر إثارة للاهتمام في آنٍ واحد.
وجوده في هذه العربة كان اللغز الوحيد الذي منحني بصيصاً من الفضول وسط هذا اليأس المطبق. خيط رفيع من الاهتمام في ظلام لا يُوفر كثيراً من الأسباب للبقاء يقظاً.
“أتساءل كيف سيكون الأمر.”
همستُها لنفسي بينما كانت ملامح ميراثيل تتلاشى في العتمة المتصاعدة مع اقتراب الليل من خارج العربة.
‘هل سأتحول إلى وحش بلا قلب في تلك الحلبة؟ أم أن السلاسل ستكسرني قبل أن أضع قدمي على رمالها؟’
أغمضتُ عيني.
وسمعتُ من أعماق بعيدة جداً في روحي زمجرة خافتة جداً. ليست زمجرة الهجوم. زمجرة شيء جريح يجمع نفسه ببطء في الظلام، يُعيد تنظيم ما تبقى منه، يتذكر ما هو.
لم يمت الفهد بعد.
كان فقط يستجمع شتات نفسه وسط الجروح، ويُعد نفسه لما هو قادم بطريقته الخاصة التي لا تستعجل ولا تنتظر الإذن.
أدركتُ أن كاريثيون لن تكون مجرد مدينة بالنسبة لي. ستكون اختباراً من نوع مختلف عن كل ما مررتُ به. في سبارك وفيرون كنتُ أُقاتل لأهداف أعرفها ولأناس أُحبهم. هنا سأُقاتل لأبقى. لأجد طريقاً لفهم ما جرى ولأعود.
لكن السلاسل يمكن أن تُقيّد الجسد.
لا يمكنها سجن الإرادة.
وأنا كنتُ، بعد كل ما مررتُ به، أعرف شيئاً واحداً على الأقل عن إرادتي: أنها لا تُشبه الخيط الذي يُقطع، بل تُشبه الغيمة السديمية التي تتشكل من جديد بعد كل ريح.
وكاريثيون ستعرف ذلك.