الفصل 71 - العبد
مرّ أسبوع كامل على صمت السيوف وانقشاع غبار سبارك.
لكن الزمن في فيرون لم يعد يُقاس بالساعات. أصبح يُقاس بمقدار الألم الذي خلّفه الانتصار. بعدد المرات التي يتوقف فيها المرء في منتصف عمله فجأة، دون سبب واضح، كأن شيئًا ما قاطعه من الداخل.
عادت الحياة إلى شوارع فيرون ببطء حذر. كجسد يحاول التنفس بعد غرق طويل. فُتحت الدكاكين. عادت المطارق. لكن الأغاني التي كانت تملأ الحانات غابت، وحلّ محلها همس. همس عن اليوم الخامس. عن الفداء الذي قُدّم على مذبح الحرية. عن اسم يُذكر بطريقة من يذكر شيئًا ثمينًا ضاع ولا يعرف كيف يُودّعه.
مدينة سبارك كانت تبدو كجثة متفحمة ترفض المواراة.
يوليوس لم يرتدِ عباءة الفاتح. ارتدى ثياب المهندس والمشرف. يقف بين الأنقاض، يعطي الأوامر بصوت هادئ ومنظم، ويرفع الأحجار بيده حين لا يجد من يفعل ذلك.
الأرقام التي قُدّمت له كانت مروعة بطريقة تتجاوز تعداد الضحايا.
رماد نول لم يكن غبارًا عاديًا. كان سُمًّا روحيًا تغلغل في التربة نفسها. الأراضي الزراعية التي كانت سلة خبز فيرون والقلب الاقتصادي لهذه المنطقة… غير صالحة للزراعة تمامًا. الخبراء قدّروا خمس سنوات لتعود الحياة إلى المدينة، وخمسًا أخرى لتعود أراضيها للإنتاج.
عشر سنوات.
وهذا الرقم لم يكن مجرد إحصاء. كان مقدار الحقد الذي حمله نول. أراد أن تموت سبارك حتى لو سقط هو.
وكلما نظر يوليوس نحو الشمال، نحو الغابة الغربية التي يرى أطرافها في الأفق، كان ذلك الحزن الدفين يطفو إلى السطح بشكل لا يستطيع منعه.
في قلعة فيرون، اجتمعت الشخصيات الرئيسية في غرفة الاجتماعات.
الطاولة المستديرة. الخرائط المنشورة. الشموع المشتعلة.
كل شيء في مكانه.
لكن الغرفة كانت تبدو خاوية بشكل خانق. ليس لأن مقاعد فارغة، بل لأن الهواء نفسه كان مختلفًا. غياب دارون كان يصرخ في كل زاوية دون أن ينطق بكلمة. غاب ذلك الهدوء الغامض الذي كان يجلس معه دون أن يعلن عن نفسه. غابت تلك النبرة الهادئة الواثقة التي كانت تقول أشياء كبيرة بكلمات قليلة. وغاب الفهد الذي كان وجوده يُشعر الجميع بأن ما يبدو مستحيلًا ليس مستحيلًا بالضرورة.
جلس يوليوس في صدر الطاولة. بجانبه ستارك الذي بدا وكأنه كبر عشر سنوات في أسبوع واحد. محمد، عمر، خالد، كارل، جين، جون، بيث، إيريس، نور، رين، كيرا.
الجميع كانوا هناك.
لكن الوجوه مطأطأة.
بدأ يوليوس بصوت متهدج لم يحاول إخفاء تهدجه:
“اليوم، لا نجتمع لنخطط لحرب، بل لنكرّم من جعلوا بقاءنا ممكنًا.”
توقف.
“تم إحصاء أكثر من ستمئة جندي، وواحد وعشرين فارسًا متدربًا، وفارسين رسميين، سقطوا في ساحات سبارك. هؤلاء هم أعمدة فيرون الجديدة.”
أخذ نفسًا عميقًا. ببطء. كمن يحمل شيئًا ثقيلًا ويتأكد من توازنه قبل الاستمرار.
“ونكرّم اليوم مجهودات الرجل الذي لم يكن من أبناء فيرون بالولادة، لكنه أصبح ابنها بالدم والتضحية. دارون. الذي طارد العدم بمفرده، وقدّم نفسه قربانًا لكي لا يعود نول مرة أخرى.”
توقف مرة أخرى.
“سيبقى اسمه محفورًا في قاعة الأبطال. ليس كمرتزق. بل كأعظم فارس عرفته هذه المدينة.”
الصمت الذي نزل بعد ذلك لم يكن من النوع الذي يطلب كسره.
كارل كان ينظر إلى الطاولة. يتذكر التدريبات. تلك الضحكات في ساحة التدريب. ذلك الصمت الغريب الذي كان فيه دارون حين يُفكر. تلك اللحظة التي قال له فيها “صديقي” وغير بها شيئًا في داخله لم يدرك قيمته إلا حين ذهب.
محمد كان يتذكر خيوط المصير. الطريقة التي كان دارون يرى بها الأشياء. تلك البصيرة التي كانت غريبة حتى بمقاييس المستوى الثاني.
وستارك كان ينظر إلى مقعد دارون الفارغ.
الدموع محتبسة في عيني رجل تعلّم ألا تسقط. لكنها محتبسة بصعوبة هذه المرة.
في زاوية الغرفة كانت إيمي.
جالسة كتمثال من الشمع.
لم تكن تبكي. جفت دموعها منذ الليلة الثالثة بعد النهر. الجفاف بعد كثرة البكاء أشد إيلامًا من البكاء نفسه. الهالات السوداء تحت عينيها تحكي أسابيع من الليالي التي لا تنتهي. كانت تنظر إلى الفراغ بتلك النظرة التي تنظر بها إلى مكان بعيد لا يراه غيرها.
لكن خلف هذا الصمت…
في أعماق ما تبقى من روحها المكسورة…
لم يكن يأسًا فحسب.
كانت هناك شعلة. صغيرة في البداية. لكنها تنمو.
ليست شعلة أمل بالمعنى الرقيق. شعلة أخرى. أكثر حرارة وأقل رحمة. في كل مرة يُذكر اسم نول في أي حديث، كانت عينا إيمي تلمعان ببريق مختلف. بريق من قرر شيئًا ويعرفه ولا يقوله لأحد.
“لقد قتله…”
كانت تهمس في عتمة غرفتها في الليالي الطويلة.
“سلبني الشخص الوحيد الذي جعلني أشعر أنني حية.”
وذلك الغضب الهادئ كان يتحول ببطء إلى وقود جديد. إيمي التي كانت تخشى الفقدان كانت تتحول إلى شيء آخر. شيء يبحث. يتعقب. يؤمن في قرارة نفسه أن نول لم يمت. وأنها هي الوحيدة التي ينبغي أن تضع نهاية لذلك.
وفي مكان بعيد جدًا عن كل هذا.
في مكان لا تصله أصداء قلعة فيرون ولا همسات شوارعها.
كان هناك ظلام تام.
في وسط ذلك الظلام، صوت.
ليس صوتًا قادمًا من الخارج. بل من الداخل. من ذلك المكان في الروح حيث يسكن الفهد وتُحفظ الإرادة. رقيق وحازم في آنٍ واحد. كصوت شيء لا يتفاوض.
“لن أتركك تموت. ليس الآن. ليس بهذه الطريقة.”
الصوت يتغلغل في الخلايا. يجد ما حطمه العدم ويبدأ برتقه. يجد ما مزقه النهر ويبدأ بتجميعه. ليس بسرعة. ببطء مؤلم يشبه إعادة بناء شيء حجرًا حجرًا.
وبدأ العالم يعود.
الضباب أولًا.
ثم أشكال مبهمة.
ثم أصوات. احتكاك خشب بخشب. نير يصرخ تحت وزن. عجلات تأكل طريقًا وعرًا.
فتحت عيناه.
ببطء شديد. كمن يفتح بابًا أغلق من طول الغياب.
أول ما حاول تحريك يده. ثقل. ثقل معدني يختلف عن ثقل الإرهاق. برودة تُحيط بالمعصم.
نظر.
حلقات معدنية غليظة حول معصميه. حلقة باردة تُحيط بالرقبة. وسلاسل سوداء ثقيلة تربطها ببعضها وتربطها بالخشب. تصدر صوتًا معدنيًا مفردًا عند كل حركة.
نظر إلى ثيابه.
لا درع فيرون. لا رداء الفرسان المتدربين. خِرَق ممزقة ملطخة بطين النهر المجفف.
أين هو؟
عربة خشبية. مظلمة. تهتز بعنف فوق طريق لا يعرفه. ومن حوله أجساد أخرى. رجل يئن في الركن الأيسر ويُحرك ذراعه باستمرار كأنه يحاول إزاحة ألم لا يتزحزح. رجل ثانٍ ينظر إلى الفراغ بعيون تقول إن ما كان يجعلها تنظر لأي شيء ذهب منذ فترة. وعجوز هرم في الركن البعيد، أنفاسه وحدها تؤكد أنه لا يزال حيًا.
وامرأة قبالته مباشرة.
جسدها هزيل. ثيابها لا تختلف عن ثيابه بكثير. لكن في عينيها شيء يشبه الوعي المنهك. وعي من لا يزال يرى لكنه يفضل أن لو لا يرى.
“أين… أين أنا؟”
صوته خرج مبحوحًا. ضعيفًا. كصوت شيء لم يُستخدم منذ وقت طويل.
أجابت المرأة بنبرة تخلو من الحياة. نبرة تسمعها فتفهم أن صاحبها قضى وقتًا طويلًا في هذا المكان حتى تعلّم أن يتكلم بتلك الطريقة.
“أنت في عربة العبيد. استيقظت أخيرًا. ظننا أنك جثة هامدة.”
تجمّد.
الكلمتان وقعتا كشيء ثقيل يُلقى من ارتفاع.
“عربة… عبيد؟”
حاول ترتيب ما لديه.
آخر ذاكرة: الجرف. نول. ضربة العدم. والسقوط في النهر الأسود الهائج. أنفاس النهر حين تغلغل في رئتيه. والظلام الذي جاء بعد ذلك.
ثم صوت الفهد. ثم هذا.
كيف تحول من رجل طارد سيد الرماد إلى قطعة بضاعة في عربة تسير نحو مجهول؟
أكملت المرأة بنفس النبرة الخالية.
“وجدك صائدو الأرواح بالقرب من ضفة النهر العظيم. كنت ملقى بين الصخور غارقًا في دمائك. لم يهتموا بهويتك أو من أين أتيت. بالنسبة لهم، كنت مجرد بضاعة ثمينة. جسدك يبدو قويًا حتى في تلك الحالة. لذا أُسرت ووُسمت، وأصبحت عبدًا مثلنا.”
الكلمة الأخيرة.
“مثلنا.”
كأن الكلمة تضع توقيعها على شيء لا يُمحى.
نظر حوله في الظلام الضيق لتلك العربة الخشبية. شقوق صغيرة في الجدران تدخل منها خيوط ضوء تكشف الوجوه الموجودة وتخفيها في آنٍ واحد.
حاول شد السلاسل.
الضعف في معصمه كان فوريًا. ليس فقط ضعف الجسد المنهك. بل شيء آخر. كأن العدم الذي أصابه في الجرف ترك ندبة في إرادته. تلك الإرادة التي اعتاد الاستناد إليها حين يستنفد كل شيء آخر… كانت هناك. لكن موصولة بخيط أرفع مما اعتاد.
“عبد…”
همس الكلمة وكأنه يتأكد من طعمها.
“كيف حدث هذا؟”
ثم بعدها مباشرة، الأسئلة الحقيقية التي تؤلم أكثر.
“أين يوليوس؟ أين ستارك؟”
وقبلهم، قبلهم جميعًا:
“أين إيمي؟”
العربة تهتز بعنف وهي تدوس على مرتفعات الطريق الوعر. ومعها الأصوات، صرير الخشب، نقر الحوافر، صوت السلاسل التي تتحرك مع كل اهتزاز.
وفي رأسه صور.
فيرون. الأزقة المعروفة. ساحة التدريب. النقابة. سارة والنزل. وإيمي التي تنظر إليه بتلك الطريقة التي لم يتعلم تفسيرها بدقة لكنه كان دائمًا يشعر بها.
هل يعرفون أنه حي؟
هل يبحثون عنه؟
أم أنهم وقفوا عند جرف ما ونظروا إلى نهر وقرروا ما قرروا؟
الفكرة أنه قد يكون في أذهانهم ميتًا الآن كانت أشد ألمًا من السلاسل.
وكان هناك شيء مختلف في تلك الفكرة. ليس الحزن وحده. شيء أكثر تعقيدًا. كأن فكرة أن تعتقد إيمي أنه مات تشعره بثقل لا يشبه أي ثقل عرفه.
ابتلع ريقه.
حاول مرة أخرى أن يحرك إرادته.
وهي تستجيب. ضعيفة. لكنها تستجيب.
مثل نار صغيرة في ليلة باردة. لا تدفئ كل شيء. لكنها لم تُطفأ.
الفهد. أحس به. بعيد. غير واضح. كصدى صوت من مكان بعيد. لكنه هناك. لم يختفِ.
“اسمعني.”
همس داخليًا.
ولا يعرف إن وصل أم لا.
العربة توقفت فجأة. أصوات من الخارج. أوامر بلغة يفهم معظمها. أبواب الخشب تُفتح وضوء النهار يدخل دفعة واحدة.
أغمض عينيه لثانية.
ثم فتحهما.
وجه حارس. ضخم. بنظرة من لا يرى ما يحمله بل يرى كم يساوي.
يقيّمه.
وهذا وحده كان كافيًا.
دارون نظر إلى السلاسل على معصميه.
ثم نظر للحارس.
ثم نحو السماء التي كان يرى منها خيطًا ضيقًا من خلال فتحة الباب المفتوح.
سماء طبيعية. غيوم وأزرق. كالسماء في فيرون تمامًا.
“نول.”
تمتم الاسم.
والغضب الذي كان باردًا بدأ يتدفق دافئًا في دمه.
“إذا كنت قد أصبحت عبدًا…”
توقف.
“فسأكون العبد الذي يحطمكم جميعًا.”
ليست جملة بطولية تُقال لجمهور. بل قرار. قرار هادئ يُصنع في الظلام حين لا يرى أحد.
من نوع القرارات التي تصنع الفارق.