الفصل 70 - البطل المفقود
مرت ثلاث ساعات على توقف صليل السيوف في مدينة سبارك.
ثلاث ساعات منذ أن انقشعت سحابة الرماد الأخيرة وتركت خلفها مدينة محطمة. ونصرًا مرًّا يطعم العلقم.
المطر لم يتوقف. كأنه قرر أن يغسل ما لا يُغسل.
سبارك التي كانت يومًا حصنًا لنول، تحولت الآن إلى مستشفى ميداني ضخم تحت سيطرة جيش فيرون. الساحة المركزية مليئة بالجنود الناجين الذين يجلسون حيث وجدوا مكانًا، بعضهم يضمد جراحه بنفسه لأن أيدي المسعفين لا تكفي للجميع. رائحة الدم اختلطت برائحة الأرض المبللة والخشب المحترق.
كل ملامح النصر موجودة.
لكن هناك ثقب أسود في قلب هذا المخيم.
دارون لم يعد.
يوليوس يقف في وسط الساحة.
درعه الذهبي فقد بريقه. الكتف الأيمن مضمد بشكل مستعجل فوق فراغ لن يملأه ضماد. وعيناه، اللتان كانتا تشعان بقوة لا تُجاريها قبل ساعات، كانتا الآن تجوبان الأفق الشمالي. نحو الغابة الغربية. نحو ذلك الخط الأخضر الداكن الذي يبتلع الضوء.
وبجانبه، على حجر مكسور جلس عليه كأنه آخر ما وجد، كان ستارك.
جسده يرتجف بطريقة لا يستطيع إخفاءها. آثار اللقب السيادي الذي أطلقه لا تذهب في ساعات. وجهه شاحب بشحوب الورقة التي ظلت في المطر. عيناه غائرتان في وجه بدا فجأة أصغر وأكثر ضعفًا مما تعوّدنا عليه. رفض العلاج. لم يقل سببًا. لكن سببه كان واضحًا لكل من نظر إليه.
كان يحدق في الغابة بصمت مرعب.
كأنه يحاول اختراق الأشجار بإرادته ليعيد من ذهب.
“لقد مر وقت طويل يا يوليوس.”
قالها بصوت مبحوح. كأن الكلمات تجرح حنجرته في طريقها للخروج.
“ثلاث ساعات. نول كان محطمًا، لكنه يبقى من المستوى الرابع. ودارون كان وحيدًا.”
أغمض يوليوس عينيه.
والثقل الذي يجلس دائمًا على كتفي القائد أصبح فجأة أثقل مما اعتاده.
دارون لم يكن مجرد جندي. لم يكن مجرد مرتزق التقطه الحظ في اللحظة المناسبة. كان ذلك الشيء غير المحسوب. الروح التي لصقت هذا الفريق ببعضه بطريقة لا يستطيع أي تنظيم عسكري أن يصنعها. كان المفاجأة التي تظهر في أصعب اللحظات وتفعل ما لا يُتوقع.
وكان بالنسبة ليوليوس شيئًا آخر. شيء لن يقوله بسهولة. أملًا في نوع آخر من المستقبل.
“لن ننتظر أكثر.”
قالها يوليوس بنبرة القائد التي عادت. ليس لأن الحزن ذهب. بل لأن القرار كان الطريقة الوحيدة للتحرك حين يشعر القلب بأنه لا يستطيع البقاء ساكنًا.
“سنمشط الغابة. الآن.”
لم يعترض أحد. بل الجميع كان ينتظر هذه الكلمة.
تشكّل الفريق ببطء حول يوليوس. كل واحد منهم يحمل آثار ما مر به. لكن السلاح لا يزال في أيديهم.
يوليوس في المقدمة. ستارك بجانبه يمشي بثبات يكلفه أكثر مما يظهر. محمد تلمع عيناه ببصيرة الهلاك التي لم تنطفئ تمامًا. عمر وخالد يسيران بتلك الصلابة الهادئة لمن لم يتعلم كيف يستسلم. كارل وجين على الجانبين. جون وبيث في الخلف. إيريس ونور ورين. كيرا التي كانت تتحرك كطيف في الحواف.
وإيمي.
إيمي كانت في حالة لا يوصفها الكلام بسهولة. لم تكن مصابة بجروح تُرى. لكن هناك شيء في طريقة مشيها. في الطريقة التي تمسك بها مقبض سيفها. في الطريقة التي عيناها تنظر بها للأمام دون أن تريا أي شيء محدد أمامهما.
مفاصل أصابعها بيضاء من شدة القبضة.
لم تتكلم. لم تبكِ. لكن الصمت الذي فيها كان أكثر صخبًا من أي كلام.
دخلوا الغابة الغربية حين كان الليل يتراكم على الأشجار العتيقة.
الأشجار التي شهدت كل ما جرى بدت في الظلام وكأنها حراس يحملون أسرارًا لا يريدون البوح بها. المطر الذي لم يتوقف حوّل الأرض إلى وحل يبتلع الأقدام بطريقة تجعل كل خطوة جهدًا. والرياح تئن بين الأغصان بصوت يشبه صوت شيء يحزن دون أن يعرف كيف يعبر عن حزنه.
“محمد. هل ترى شيئًا؟”
سأل خالد وهو يرفع مشعلًا سحريًا لا يكاد ينير مترًا أمامه.
هز محمد رأسه. بيأس حقيقي.
“المطر يغسل كل شيء. حتى خيوط المصير تبدو مشوشة. العدم الذي تركه نول لوّث المكان. لكنني أشعر ببقايا إرادة دارون. إنها قوية. لكنها مبعثرة بطريقة…”
توقف.
لم يكمل.
والجميع فهم أن ما لم يقله كان أشد وطأة مما قاله.
استمر البحث. ساعة. ثم أخرى.
كلما تعمقوا في الغابة كان الصمت يثقل. كانوا ينادون باسمه. يوليوس بصوت القائد. ستارك بصوت الابن. كارل بصوت يحاول أن يكون واثقًا ولا يُقنع أحدًا بالثقة فيه.
“دارون!”
الغابة ردّت بصداهم.
كارل كان يضرب الأشجار بقبضته كلما وصل إلى جذع كبير. الصوت الذي يصدر حين تصطدم القبضة بالخشب الصلب كان كلامًا بطريقة مختلفة.
“إنه دارون! ذلك الوغد لا يموت بهذه السهولة! واجه الوحوش الكارثة، واجه الغابة، واجه القادة… لا يمكن أن يسقط الآن!”
لم يرد أحد. لأن ردًا لم يكن متاحًا. ولأن كلامه كان صرخة لا منطقًا.
ثم وصلوا.
يوليوس رفع يده فتوقف الجميع.
الأرض عند حافة الجرف كانت محطمة بطريقة تحكي قصة بدون كلمات. الحجارة الضخمة تفتتت. وبقايا إرادة العدم لا تزال عالقة في الهواء. باردة. منفرة. تلامسك وتشعرك بأن هناك مكانًا لا ينبغي أن يكون الإنسان بالقرب منه.
والنهر في الأسفل.
النهر العظيم الذي يقطع القارة.
في تلك الليلة الماطرة، كان وحشًا. مياهه سوداء كالحبر تتلاطم بعنف. هديره يصعد من الأسفل كصوت شيء لا يكف ولا يرحم.
اندفعت إيمي نحو الحافة.
جين أمسك بها قبل أن يكمل جسدها الخطوة الأخيرة.
“انظري للأرض. هناك آثار قتال.”
كيرا. بصوت لم يتعود أن يرتجف وكان يرتجف.
أصابعها تشير إلى بقايا حطام الصخور. إلى خطوط في التراب لا تصنعها الطبيعة.
جثا محمد على ركبتيه.
وضع يده على الأرض المحطمة. أغمض عينيه بقوة. وبدأ جسده يرتجف بطريقة لا تشبه البرد.
“هنا…”
قالها بصوت مكسور.
“هنا كانت النهاية. إرادة نول ضربت الأرض. ودارون… دارون كان هنا.”
الصمت الذي نزل لم يكن كالصمت المعتاد.
كان من النوع الذي يشعرك بأن الهواء نفسه تثاقل. ومن النوع الذي يجعل الوقوف مجهودًا.
الجميع نظروا إلى النهر الهائج في الأسفل.
السقوط من هذا الارتفاع، في هذا الجو، في هذا النهر الذي لا يعرف الرحمة… يعني شيئًا واحدًا في منطق البشر.
“لا…”
صوت إيمي.
خرج بطريقة لا يصنعها الحلق وحده. خرج من مكان أعمق.
“لاااا!”
حاولت الإفلات من قبضة جين. قبضة جين كانت تحمل كل ما تبقى في جسده بعد المعركة وكانت أقوى من صراعها.
“إنه لم يسقط! إنه في الأسفل، ربما يمسك بصخرة! دارون! أجبني! دارون!”
صوتها يتقطع. كل نداء يأتي بعد الأول أضعف وأكثر ألمًا من سابقه.
سقطت على ركبتيها عند الحافة. يداها تضربان الأرض. المطر والدموع على وجهها لا يمكن تمييز أيهما من أيهما.
وكانت الشرارة.
كارل ركل صخرة ضخمة وزأر بغضب يائس.
“هذا ليس عدلًا! لقد ربحنا الحرب! لماذا يجب أن نخسره هو؟! محمد، قل لي إنك أخطأت! قل إنك تراه هناك!”
محمد لم يستطع الرد. خبّأ وجهه بين يديه. وكتفاه يهتزان بالصمت الذي يكون حين لا يجد الحزن الكبير كلمات تكفيه.
حتى ستارك.
الرجل الذي واجه نول بثلاثة ألقاب وجسد ينهار. الذي لا يُعرف بأن شيئًا يكسره. انحنى كمن تلقى طعنة في موضع لا يحميه درع.
ظل يحدق في المياه السوداء المتلاطمة.
عيناه جافتان.
لكن ملامحه كانت قصيدة حزن كاملة لمن يعرف كيف يقرأها.
“يوليوس! افعل شيئًا!”
إيمي تمسك برداء يوليوس بيدين ترتجفان.
“أنت في المستوى الرابع! استخدم رياحك! ابحث عنه في النهر! أرجوك!”
الكلمة الأخيرة تكسرت في منتصفها.
يوليوس لم يتحرك.
وقف كتمثال من الحجر. والمطر يغسل وجهه المنهك. عيناه تفيضان بحزن أبوي عميق. ليس حزن القائد الذي يُحصي خسائره. حزن الرجل الذي فقد شيئًا شخصيًا.
“إيمي…”
قالها بصوت منخفض إلى حد أن المطر كاد يبتلعه.
“النهر في هذا الوقت… هو طريق بلا عودة. حتى رياحي… لا تستطيع استرجاع من ابتلعه العدم والنهر معًا.”
جون أغمض عيني جسده الضخم ووضع يده على قلبه في صلاة صامتة لا يرى شفتيها تتحركان لكن وجهه يحكيها.
بيث كانت تبكي بهدوء. وهدوء بكائها كان أشد إيلامًا من الصراخ. تستند إلى كتف نور التي كانت تحاول أن تبقى صلبة وتفشل ببطء.
إيريس ورين نظرا إلى بعضهما بضياع. دارون كان من منحهما شيئًا من الثقة في أصعب لحظات الغابة. والغابة نفسها هي من أخذته.
خالد وعمر يقفان كالحراس الجنائزيين. رؤوسهما منحنية بزاوية واحدة كأنهما يتشاركان وزنًا واحدًا.
ظلوا هناك.
عند حافة الجرف.
أكثر من ساعة.
المطر لا يتوقف. والنهر لا يهدأ. والظلام يبتلع ما كانوا يأملون رؤيته.
لا يتحرك أحد. كأنهم ينتظرون معجزة ستصعد من بين الأمواج السوداء. لكن النهر لم يكن يعرف المعجزات.
ثم وضع يوليوس يده على كتف ستارك.
ثم على كتف إيمي.
“علينا العودة.”
قالها. بمرارة تضع ثقل كل شيء في جملة واحدة.
“علينا تأمين سبارك. وتكريم ذكراه.”
“لن أعود!”
إيمي بكل ما تبقى فيها من صوت.
“سأبقى هنا! سأجده! دارون لا يتركني هكذا!”
لكن الجسد الذي استنفد كل شيء في المعركة، ثم استنفد ما بعد كل شيء في الساعات الثلاث، لم يكن لديه ما يواصل به.
انهار فجأة.
يوليوس أمسك بها قبل أن تصل إلى الأرض. حملها بذراعه الواحدة السليمة. وجهها على صدره. وهي لا تزال تهمس اسمه. بصوت لا يصل إلى أي أذن بعيدة.
نظر يوليوس نظرة أخيرة نحو النهر في الأسفل. نحو الماء الأسود الذي يهدر كأنه يرفض السكوت.
“لقد كنتَ نورًا قصيرًا يا دارون…”
همسها. للنهر. للغابة. للليل.
“لكنك كنتَ كافيًا لنرى الطريق.”
تحرك الفريق.
ببطء. ثقل العودة كان أضعاف ثقل الذهاب. في الذهاب كانوا يحملون قلقًا. في العودة كانوا يحملون شيئًا أثقل من القلق. شيئًا يستقر في الصدر ويرفض المغادرة.
الغابة تبتلعهم ببطء كما أخذت من أخذت.
والمطر لا يزال.
كأنه هو الوحيد الذي لم يقرر بعد أن الأمر انتهى.
وفي قلوبهم، وهم يتركون الجرف الخالي خلفهم والنهر الذي استقر في أعماقه سر الفهد الأسود، إدراك واحد مشترك لا يحتاج إلى كلمات:
لم يتركوا صديقًا فحسب.
تركوا جزءًا من أرواحهم. من تلك الأجزاء التي لا تُعوَّض. التي لا تعود كما كانت حين تفقد.
وربما…
لا ينبغي لها أن تعود كما كانت.
لأن من مر بهذا…
تغيّر. إلى الأبد.