الفصل 69 - التشابه
هطل المطرُ كأنَّ السماءَ قد قرَّرت أخيراً أن تعترف بذنوبها، فانفتقت عن محيطٍ لا نهاية له من الرصاص السائل. لم تكن قطراتٍ عادية تلك التي تهوي من الأعالي؛ بل كانت سياطاً من الماء البارد تضربُ أوراق الأشجار العملاقة بصوتٍ يُشبه قرع الطبول في ساحة إعدام، وكأنَّ الطبيعة ذاتها اختارت أن تُرافق هذه اللحظة المصيرية بموسيقاها القاتمة. الرؤية تلاشت، والحواس التي طالما اعتمدتُ عليها أصبحت مشوَّشة، غارقة في ضبابٍ كثيف ورائحة طينٍ مختلطة برماد “نول” المتصاعد من جرحه الغائر كبخورٍ يُقرَّب لإله لا يعترف بالتضرُّع.
كان نول يتحرك كطيفٍ فقد الحاجة إلى جسد. رغم الجرح الغائر الذي أحدثه يوليوس في صدره، وهو جرحٌ كان سيُقعد رجلاً عادياً في فراش الموت، إلا أنَّ سرعته ظلَّت جنونية، تتحدى كلَّ منطق أدركتُه عن قوانين المستويات. في الحالة الطبيعية، يستحيلُ على مقاتل في المستوى الثاني مثلي، أو حتى باعتبار قوتي الهجينة التي تُقارب حدود المستوى الثالث، أن يُجاري ظلَّ جبارٍ يُتقن المستوى الرابع. الفجوة بيننا ليست مجرَّد أرقام أو تصنيفات جامدة، بل هي فجوةٌ في جوهر الكينونة ذاتها، في الطريقة التي يُدرك بها الجسد حدوده، أو يتجاوزها.
لكنني كنتُ أطارده.
لولا تعزيز الفهد الأسود الذي كان يضخُّ الأدرينالين والقوة الوحشية في كل وريدٍ من أوردتي، لسقطتُ ميتاً من الإرهاق بعد الدقيقة الأولى. ولولا حاسة الشمِّ الخارقة التي منحني إياها، تلك القدرة العظيمة على تمييز رائحة دمه المعدنية الغريبة وسط طوفان المطر، لكنتُ قد فقدتُ أثره في دهاليز الغابة الغربية منذ زمن بعيد..
كانت قدرة تحمُّله مرعبة، تليق تماماً بمن لُقِّب بسيِّد الرماد. أما تحمُّلي أنا، فكان مستمدَّاً من “بقاء” الفهد، من غريزة الوحش الذي يسكن أعماقي، وليس من إرادتي الإنسانية. استمرَّ الجري الملحمي نحو أربعين دقيقة، تمزَّقت فيها ثيابي وخطَّت أغصان الأشجار خطوطاً حمراء على بشرتي كأنَّها توقيعات الغابة على جسدي، حتى وصلنا أخيراً إلى حيث تنتهي الأشجار ويبدأ العالم.
توقَّفت الغابة فجأة. لا تراجعت تدريجياً، بل توقَّفت كأنَّها تحترم حدوداً رسمها كائنٌ أعظم منها. أمامي امتدَّ منحدرٌ صخري شاهق يُطلُّ على النهر العظيم في الأسفل. كان النهر هائجاً بشكلٍ يبعث على التأمُّل في حجم الغضب الكامن في هذا الكون؛ منسوب المياه ارتفع حتى التهم الصخور عند القاعدة، وتشكَّلت دواماتٌ سوداء تبتلع كلَّ ما يهوي إليها بصمتٍ مريح، كأنَّها أفواهٌ لا تعرف الشبع.
وقف نول هناك، عند حافة الجرف مباشرة، كأنَّه ينتمي إلى هذا المكان أكثر مما ينتمي إلى أي مكانٍ آخر في العالم. ظهره لي، وشعره المبلَّل يلتصق بعنقه الشاحب. عندما وصلتُ، شعرتُ بالفهد الأسود ينسحب إلى أعماق روحي ببطءٍ مؤلم، يئنُّ من التعب كحيوانٍ طاردَ الفريسة حتى الحافة ثم تذكَّر أنَّه مقيَّد. سمحتُ له بالراحة وأنا ألهثُ بعنف، سيفي يرتجفُ في يدي المبلَّلة ارتجافَ شيءٍ يُدرك قِلَّة قيمته أمام ما هو آتٍ.
التفت نول ببطء. لم يلتفت كمن يسمع خطوات خصمه، بل التفت كمن أتمَّ ما جاء من أجله وقرَّر أخيراً الاعتراف بوجود شاهد.
كان يحمل خنجراً بسيطاً. لكن في يده، بدا ذلك الخنجر وكأنَّه نصلُ القدر الشخصي، لا أداةَ حرب. نظر إليَّ بتلك العيون الجوفاء التي لا تحمل حتى ازدراءً حقيقياً، فالازدراء يستلزم اهتماماً، ونول لم يكن مهتمَّاً بشيء. اللامبالاة التي يشعُّ بها كانت أشدَّ برودةً من مياه المطر، وأكثر وحشيةً من أي غضب.
انطلقتُ نحوه. لم يكن الأمر قراراً بقدر ما كان نبضاً، ردَّ فعلٍ حيوانياً لإثبات أنَّني ما زلتُ موجوداً في هذا العالم. وجَّهتُ ضربةً سفليةً استهدفت ساقه، ثم قفزةً بنصلٍ مائل نحو عنقه. لكنَّه جاراني ببرودٍ يقطر مقززاً، كأنَّه يؤدِّي خطوات رقصة يحفظها منذ أمد. كان يتحرك بمثاليةٍ لا تُخطئ، يصدُّ ضرباتي بدفعاتٍ خفيفة من خنجره، وكأنَّني طفلٌ يهجم على جبل يجهل حتى أنَّه يُشعر بشيء. كلُّ حركةٍ أقوم بها كانت تبدو أمامه سخيفةً وبطيئة، لا لأنَّه أسرع مني فحسب، بل لأنَّه كان يقرأ كلَّ نيَّاتي قبل أن تتحوَّل إلى أفعال.
توقَّفتُ فجأة.
أدركتُ بوضوحٍ قاسٍ أنَّ القتال الجسدي المباشر ليس إلا طريقاً نحو الهاوية. واجهتُه بعينيَّ فقط، والصمتُ الذي ملأ المسافة بيننا لم يقطعه سوى هدير النهر في الأسفل، وكأنَّ الكون توقَّف ليستمع.
— “دارون.. أليس كذلك؟”
نطق نول أخيراً. كان صوته يخترق زخَّات المطر بوضوحٍ مريب، كأنَّ الصوت ذاته يأبى أن يتأثَّر بالظروف المحيطة.
— “أنت أحد أكثر الأشخاص إثارةً للمتاعب الذين صادفتُهم منذ زمنٍ طويل.”
أحكمتُ قبضتي على المقبض، وبقيتُ صامتاً.
— “لماذا تواجهني يا دارون؟” أكمل وهو يميل برأسه بفضولٍ معقَّم، كعالمٍ يفحص حشرةً لم يصطدم بنوعها من قبل. “لماذا تُصرُّ على قتلي بكل هذه العناد؟ ألا يُرهقك حملُ كلِّ هذا الثقل؟”
وكأنَّ سؤاله كان مفتاحاً لقفلٍ كنتُ أُحكمه طوال أربعين دقيقة من الجري وأشهرٍ من الألم، انفجرتُ بصرخةٍ جاءت من مكانٍ أعمق من الرئتين، من الموضع الذي يتجمَّع فيه كلُّ ما لا يجد له اسماً:
— “أتسألني حقَّاً؟! بعد كل ما اقترفتَ؟ بعد كلِّ تلك الأرواح التي أزهقتَها في فيرون وسبارك؟ بعد أن حوَّلتَ حياة أناسٍ أحيوا لم يتسبَّبوا لك بأي أذى، إلى رمادٍ وبكاء؟!”
وهنا حدث ما لم أتوقَّعه.
لأول مرة منذ أن رأيتُ هذا الرجل، انكسر قناعه. لم يغضب، ولم يسخر. بل ظهرت على وجهه علاماتُ اندهاشٍ حقيقية، نقيَّة، وكأنَّ كلماتي لم تُغضبه بل حيَّرته كما تُحيِّر الطفلَ ظاهرةٌ طبيعية لا يملك أي إطارٍ لفهمها.
— “أرواحٌ زهقت؟ مجازر؟”
ردَّد الكلمات ببطء، يتذوَّقها كأنَّها لغةٌ أجنبية سمعها لأول مرة.
— “لماذا قد تهتمَّ بهذه التفاهات يا دارون؟ لماذا تُثقل عقلك بأشياء لا تُقدِّم لك ولا تُؤخِّر؟”
خطا نحوي خطوة، واتَّسعت عيناه بما بدا براءةً مرعبة، براءة الفراغ الكامل:
— “إنَّهم مجرَّد حشرات. وُجدوا لنطأ عليهم نحن الأقوياء، هذه هي حقيقة هذا العالم التي يأبى الضعفاء الاعتراف بها. لقد بذلتُ جهداً محسوباً للسيطرة على تلك الأجساد المتحرِّكة واستخدامها في خططي.. وأنت تحطِّمها واحدةً تلو الأخرى من أجل ماذا؟ من أجل ‘أرواح’؟”
ارتجفتُ. لم يكن ارتجافاً من الخوف، بل كان جسدي بأكمله ينتفضُ اشمئزازاً وجودياً، كأنَّ روحي رفضت الكلمات قبل أن يعالجها العقل.
— “إزهاقُ الأرواح لا يستحق تفكيرك؟! جنودُك الذين ماتوا مجرَّد دمى؟!” رفعتُ صوتي، وللمرة الأولى لم أكن أصرخُ عليه بل كنتُ أصرخُ ضدَّ الفكرة ذاتها، ضدَّ ذلك العالم الذي يجعل مثل هذه الكائنات ممكنة. “بماذا يجري في رأسك بحقِّ الجحيم؟ هل أفرغتَ نفسك من الإنسانية إلى هذا الحدِّ؟”
عاد نول إلى ابتسامته الضيِّقة. لكنَّ نبرته هذه المرة تحوَّلت، أصبحت أكثر حميميةً وأكثر رعباً في آنٍ واحد، كمن يُسرُّ إليك بحقيقةٍ يعتقد أنَّها سترفعك وتحرِّرك.
— “دارون.. أنا لا أُفرغ نفسي. أنا ببساطة.. فارغ. وهذا ليس نقصاً، بل هو الحالة الأصلية لكائنٍ تجاوز حدوده.”
مدَّ يده ببطء، كأنَّه يُشير إلى شيءٍ واضح يراه أمامه:
— “نحن متشابهان يا دارون. أكثر تشابهاً مما يُريحك الاعتراف به. أنت فارغٌ من “الهوية”، وأنا فارغٌ من “المشاعر”. كلانا أُفرغ من شيءٍ ما تتشبَّث به البشرية وتعتبره جوهرها. ألا ترى؟ كلانا ناقص بالمقياس البشري، وكلانا كاملٌ بمقياسٍ آخر لم يُسمِّه أحد بعد.”
ضربت كلماته في داخلي بصمتٍ. لم أُجب لأنَّ حنجرتي انقبضت، أو لأنَّ عقلي يعلم الردَّ، بل لأنَّ شيئاً فيَّ، شيئاً صغيراً ومظلماً كان يستمع.
— “أنت كائنٌ مجرَّدٌ من كلِّ مقوِّمات هويته،” واصل نول، وكلُّ كلمةٍ تسقط بهدوءٍ محسوب كحجرٍ في بئر. “لا ماضٍ تتكئ عليه، لا اسمٌ حقيقي يُعرِّفك، ذاكرتُك تبدأ من مرح أخشر و فتاة اختارتك و سحبتك معها دون أن تختار أنت. وأنا كائنٌ مجرَّدٌ من تلك المشاعر التافهة التي تُقيِّد القوة وتُشوِّه الرؤية. لكن ألا ترى الخيط الذي يجمعنا؟ كلانا جُرِّد. كلانا تمَّ تنقيته من شيء. الفرق الوحيد هو أنِّي قبلتُ ما أنا عليه، وأنت ما زلت تُحارب تعريفك.”
تراجعتُ خطوة. ورأسي يدور دوراناً لا يُشبه دوار الجسد، بل دوار الروح.
حاولتُ أن أُنكر ادِّعاءاته. أردتُ أن أصرخ في وجهه بأنَّني أملك قلباً ينزُّ ألماً حين أرى الأبرياء يسقطون. أردتُ أن أقول له إنَّني أُحبُّ إيمي بطريقةٍ تُبرِّر كلَّ هذا الجري، وأنَّني أحترم يوليوس بشكلٍ يُثبت أنَّ فيَّ شيئاً إنسانياً حقيقياً. لكنَّني لم أستطع. ليس لأنَّ الكلمات غابت، بل لأنَّ الصدق الذي أُلزم نفسي به لم يسمح لي.
من أنا بالفعل؟
ذاكرتي تبدأ من تلك المروج الخضراء. قوَّتي مستمدَّةٌ من جنية و قدرة لازمتني من البداية. حتى مشاعري التي أتمسَّك بها كأدلَّة على إنسانيتي، هل هي مشاعري أنا؟ أم هي ردودُ أفعال مبرمَجة في هيكلٍ لا يعرف أصله؟
لحظةٌ ساد فيها الصمت الكامل بيننا، إذ لم يكن يُكمِّل كلامه بل كان يمنحني وقتاً لأسمع ما يقوله العدم في داخلي.
— “دارون..” قال بنبرةٍ خفَّضها لأولِّ مرة، كأنَّه يتحدَّث إلى كائنٍ يفهمه وحده. “لقد ولدنا لنقود، لنستخدم هذه الكائنات وقوداً لنبلغ ما يخافه أمثال يوليوس حتى أن يحلموا به. ما رأيك أن نتعاون؟ لنحكم سبارك وفيرون معاً، ونسعى لما هو أعظم، مراتب لا سقف لها.”
مدَّ يده نحوي.
يدٌ شاحبة، هادئة، لا ترتجف.
نظرتُ إلى تلك اليد. وفي الثانية التي امتدَّت فيها، رأيتُ فيها وجهاً آخر لكلِّ خوفٍ وجودي كنتُ أحمله. رأيتُ فيها مستقبلاً يُجرِّدني من آخر ما تبقَّى لي، ليس الهوية فحسب، بل القدرة على الاختيار.
وبحركةٍ لا إرادية، خالصة، لا تنبع من تدريبٍ أو خطَّة، رفعتُ يدي وضربتُ يده بقوة، مُبعداً إياها.
لم تكن ضربةً قتالية. كانت إعلاناً.
انمسحت الابتسامة عن وجه نول فورياً وبشكلٍ تامّ، كأنَّ من رسمها على وجهه قرَّر أنَّه لا جدوى منها بعد الآن. تحوَّل وجهه إلى قطعة من الرخام الأبيض البارد، عيناه لم تعودا تحملان حتى الاندهاش الذي بدا فيهما لوهلة، فقط فضاءٌ أسود، عميق، بلا قاع.
— “خسارة،” قال بصوتٍ لم يرتفع، بل هبط حتى صار أشبه بفحيح يجري تحت الكلام. “لقد اخترتَ أن تموت حشرة.”
لم يكن في صوته غضب. لم يكن فيه حقد. ما كان فيه أسوأ من ذلك كلِّه، كان القرار النهائي الذي لا يستأذن.
بسرعةٍ لم يستطع حتى “العقل الفعَّال” تحليلها أو استيعابها، شنَّ نول هجمةً واحدة. لم تكن تستهدف جسدي، فجسدي كان أقلَّ من أن يستحقَّ استهدافاً مباشراً. بل كانت ضربةً مشبعةً بإرادته التدميرية الكاملة، استهدفت الأرض التي أقف عليها مباشرة، كأنَّه قرَّر أن يُزيل من تحتي الحقَّ في الوقوف ذاته.
طرااااخ!
تفتَّتت الصخور تحت قدميَّ كأنَّها لم تكن يوماً صلبة، كأنَّها كانت دائماً تنتظر هذه اللحظة. شعرتُ بالجاذبية وهي تسحبني بعنفٍ، كأنَّ النهر في الأسفل مدَّ ذراعيه وأحكم قبضته عليَّ قبل أن أسقط.
آخر ما احتفظتُ به عيناي كان منظرَ السحب الرمادية الكثيفة التي انتشرت فوقي كسقفٍ لا يعني لي شيئاً، وقطرات المطر التي تسقط معي نحو الهاوية بتضامنٍ لا قيمة له، ووجه نول يقف عند الحافة ينظر إليَّ بعيونٍ تراقب شيئاً يسقط دون أن تتساءل لماذا.
ولحظةً قبل أن تلتهمني الدوامات السوداء، خطرت في ذهني فكرةٌ واحدة لم أفهم لماذا جاءت في هذا التوقيت بالذات:
ربَّما كان محقَّاً في شيءٍ واحد. كلانا مجرَّد. لكنَّه لم يفهم الفرق. أن تُجرَّد من هويَّتك ويظلَّ قلبُك يتألَّم، فذلك لا يعني أنَّك فارغ. ربَّما يعني ذلك أنَّك ما زلت هناك.
ثمَّ غمر الظلامُ كلَّ شيء.
نهاية المجلد الأول-رحلة النسيان
Sou:و اخيرا نهاية المجلد الأول
اتمنى اعطونا رايكم في التعليقات