كان الهواء في قاعة القصر قد توقف عن الحركة تمامًا.
ليس الصمت الطبيعي الذي يأتي حين يهدأ كل شيء. بل موت. موت الفيزياء نفسها. كأن القاعة قررت أن ما سيجري بين جدرانها أكبر من أن تستمر في العمل بقوانينها المعتادة.
على أحد طرفي القاعة وقف يوليوس.
الفارس الذهبي. المستوى الرابع. الرجل الذي حمت رياحه مدينة فيرون لعقود. وقف كما يقف الجبل، لا بثبات من يتحمل بل بثبات من لا يعرف معنى التزعزع. رياحه السيادية تدور من حوله في طبقات متداخلة، كل طبقة منها تحمل ثقل إرادة بُنيت عبر عمر كامل من القتال والتضحية. الهالة الذهبية تنبضحوله كأنها تتنفس. والهواء على بُعد أمتار منه يتشقق بصوت خافت من شدة الضغط.
وعلى الطرف الآخر وقف نول.
سيد الرماد. ابتسامته الضيقة التي لم تتزحزح منذ دخل القاعة، كأنها وُلدت مع وجهه ولم تفارقه يومًا. نحيل في مظهره، هادئ في حركته، لكن من حوله الهواء ميت. حرفيًا ميت. كأن الطبيعة تحاشته. كأنها ترفض الاقتراب منه. وعيناه الرماديتان تتابعان يوليوس بتلك النظرة التي تنظر إلى الأشياء كما تنظر إلى حسابات لا أشخاص.
“يوليوس…”
قالها نول بصوته الهادئ الذي يبعث القشعريرة. ذلك الصوت الذي يحمل في هدوئه ما تحمله السكاكين المصقولة، وضوح وبرودة وخطر لا يستعجل.
“أنت تؤمن بالرياح لأنها تملأ الفراغ.”
توقف.
“لكن ماذا تفعل… عندما يصبح العالم فراغًا؟”
رفع نول يده.
ببطء شديد. بطء من يعرف أن ما سيفعله لا يستدعي الاستعجال.
وحدث ما لم تكن أذهاننا مستعدة له.
تلاشت رياح يوليوس.
لم تنكسر بموجة مضادة. لم تُهزم بإرادة أقوى. بل توقفت عن الوجود. كأنها لم تكن. كأن القانون الذي أوجدها نُسي فجأة من قِبل الكون نفسه.
العدم.
الضغط الجوي في القاعة اختفى. الصمت الذي نزل لم يكن صمت الهواء الهادئ. كان صمت الفراغ المطلق. وفي ذلك الصمت سمعت دقات قلبي أعلى من أي وقت.
تجمدت ملامح يوليوس.
للحظة واحدة فقط.
حاول استدعاء إرادته. حاول توليد إعصار. لكن الهواء بقي ميتًا. والطبيعة بدت وكأنها نسيت كيف تتحرك.
أدركت بالعقل الفعال ما يحدث.
قدرة العدم لدى نول تعمل كفلتر على الواقع نفسه. يُلغي ما يستهدفه. في مواجهة يوليوس المستوى الرابع، اختار نول إلغاء عنصره فقط. لو استهدف شخصًا من المستوى الثالث لأطاح بإرادته ذاتها. لحوّله إلى جسد خاوٍ لا روح فيه ولا وعي.
لكن يوليوس لم يصل إلى المستوى الرابع بالصدفة.
حين أدرك يوليوس أن عنصره قد أُلغي، لم يتراجع.
بل اتسعت عيناه. ببريق وحشي لم يكن فيهما من قبل. كأن سقوط الرياح كشف شيئًا كان مختبئًا خلفها طوال الوقت.
“إذًا هي القبضات يا نول.”
الزأرة التي خرجت مع هذه الكلمات هزت الجدران بدون ريح.
انفجرت من جسده هالة ذهبية. ليست رياحًا. ليست عنصرًا. إرادة خام. مستوى رابع لا يحتاج عنصرًا ليُدمّر. لأنه في هذا المستوى، الإرادة نفسها تصبح القوة.
“المستوى الرابع لا يعتمد على العناصر ليقتلك!”
انطلق كالقذيفة.
لم يكن هناك صوت لتمزق الهواء لأن الهواء كان معدومًا. لكن الأرض تحت قدميه انفجرت. الحجارة الضخمة تفتتت تحت وطأة زخمه. وشقوق شعاعية امتدت منه نحو الجدران قبل أن يصل.
التحم الجباران.
وجهًا لوجه.
والقاعة بدأت تنهار.
لم تكن هذه معركة بين مقاتلين. كانت تصادم كارثتين.
كل ضربة يتبادلانها صنعت موجة صدمة مشبعة بالإرادة تصدعت منها الجدران الحجرية السميكة كأنها جص رطب. الأرض تشقق. السقف يتساقط بكتل. والعمدة الضخمة تتصدع بصوت يشبه صوت الأرض حين تزلزل.
قبضة يوليوس حين ارتطمت بساعد نول أحدثت صوتًا يشبه اصطدام جبلين. الهواء انضغط وانطلق في كل اتجاه من نقطة الاصطدام.
ونول رغم نحافته الظاهرية كان يمتلك صلابة لا تُفسّر بالبنية الجسدية. جسده المشبع بالعدم يمتص جزءًا من طاقة كل ضربة قبل أن تصل إلى لحمه. يوليوس يضرب ويشعر بالأثر لكن الأثر أقل مما يجب. كأنه يضرب شيئًا يأخذ نصف قوته ويبتلعه في مكان لا تعرفه الفيزياء.
استمر القتال بتكافؤ مذهل دقائق بدت كأنها دهور.
يوليوس يمثل القوة الغاشمة والإصرار والإرادة التي لا تعرف الانكسار. يتقدم. يضرب. يُكرر. يتلقى ضربات تكسر الحجارة ولا تتراجع.
ونول يمثل شيئًا مختلفًا. انسيابية باردة. كأن المعركة بالنسبة له شطرنج لا قتال. يميل برأسه مليمترات فقط فتمر الضربة الكفيلة بهدم حصن. ثم يرد بضربة دقيقة محسوبة نحو مفصل يوليوس أو عظمة في يده. يستهدف ليس الجسد بل الميكانيكا. الطريقة التي يضرب بها يوليوس. يريد تحطيمها تدريجيًا لا تحطيمه دفعة واحدة.
وبين الاثنين، القاعة تتهاوى ببطء.
لكن نول لم يقاتل بشرف. لم يكن ذلك في طبيعته.
في لحظة من الالتحام القريب، فعّل نول جزءًا مصغرًا من العدم تحت قدم يوليوس مباشرة. لم يستهدف جسده. استهدف الأرض التي يقف عليها. وللحظة واحدة فقدت صلابتها. كأنها ذابت.
تعثر يوليوس بجزء من الثانية.
ثانية مصنوعة من الغدر.
وكانت كافية لنول.
بسرعة الأفعى التي انتظرت، استلّ خنجرًا مخفيًا من مكان في جسده لم يكن يظهر. معدن الرماد. أسود وباهت لكنه يحمل في بريقه شيئًا يجعل الجلد يشمئز من مجرد النظر إليه.
غرسه في خاصرة يوليوس.
صرخ يوليوس.
صرخة الجبل حين يُشق.
تراجع خطوات يمسك بجنبه. الدم ذهبي داكن. غير طبيعي في لونه كأنه يحمل معه شيئًا من الإرادة التي تركت الجسد.
الجرح لم يكن عاديًا. خنجر الرماد يُلغي قدرة الجسد على الالتئام. وبدأ يوليوس يلهث. والحركات صارت أثقل. كأن وزن المستوى الرابع نفسه أضيف إلى ما يحمله.
نول لم يمنحه وقتًا.
انقض. بسلسلة من الضربات المحسوبة تستهدف الجرح بدقة. والابتسامة الضيقة بدأت تتسع ببطء بطريقة أشد إزعاجًا من كل ضربة.
نظرت إلى ستارك بجانبي.
وجهه شاحب كالثلج. الدم لا يزال يسيل من عينيه من جراء الألقاب الثلاثة التي استنزفها. جسده يرتجف.
لكن عيناه كانتا على يوليوس.
ونظرة لم أفهمها في البداية. نظرة ابن يرى والده يسقط ويعرف أن الوقوف متفرجًا خيار لم يُولَد به.
“لا… ليس اليوم.”
همسها بصوت محطم. ثم بدأ يقوم.
“ستارك توقف ستموت!”
صرختها وأنا أندفع نحوه.
لكن موجة طاقة انطلقت منه حين قرر ردتني خطوات.
الهالة الذهبية حول ستارك لم تكن كالمعتاد.
لم تكن هالة قتال. كانت هالة قربان. الفرق بين الاثنين يُحسّ ولا يُرى. الجسد يصدر أصواتًا لا تصدرها الأجساد. تمزق عضلات من الداخل. هياكل تشقق تحت ضغط يريد أن يخرج ما لا يملك.
محاولة شخص من المستوى الثالث دعم مقاتل من المستوى الرابع انتحار بكل المقاييس. لأن ما يحتاجه المستوى الرابع لإحساس أي أثر يتجاوز كل ما يملكه المستوى الثالث إجمالًا.
رفع ستارك يده نحو يوليوس.
وصرخ بأعلى ما بقي في حنجرته.
“الكلمة المتجلية: أوجُ الإمبراطور!”
شعاع ذهبي كثيف انطلق من صدر ستارك.
ليس كالنور العادي. كأن شيئًا من الروح تحول إلى ضوء وسافر.
ووصل يوليوس.
وسقط ستارك. في نفس اللحظة. كمن أعطى آخر ما لديه ولم يحاول الاحتفاظ بشيء لنفسه.
لا أعرف إن كان مغمى عليه أو شيء أسوأ. لم يكن لديّ وقت للتفكير.
لأن ما حدث ليوليوس كان أهم.
الفارس الذهبي الذي كان على وشك السقوط تحت ضربات نول انتفض.
النزيف توقف. كأن ما منحه ستارك أبطل ما صنعه الخنجر.
وعيناه اشتعلتا.
بنور ذهبي لا يشبه ما رأيته منه طوال كل المعركة. لم يكن ذلك نور الرياح. ولم يكن نور الإرادة المعتادة. كان تضخيمًا مطلقًا. كأن كل ذرة في جسده صارت تعمل بطاقة تتجاوز ما صُنعت لتحمله.
شعر نول بالخطر.
لأول مرة. وهذا وحده كان استثنائيًا لأن نول لا يشعر بالخطر.
حاول التراجع.
لكن يوليوس كان أسرع.
ضربة واحدة مشحونة بما أعطاه ستارك.
اخترقت دفاع نول وكأنه لم يكن.
لكمة حطمت عظام صدر سيد الرماد بصوت يملأ الفضاء. ثم ضربة نصلية بيده المفتوحة تركت جرحًا ضخمًا مفتوحًا على طول الصدر. كادت أن تقسمه لنصفين.
سقط نول على ركبتيه.
يبصق دمًا أسود يغلي.
وللمرة الأولى منذ وقف في هذه القاعة بابتسامته الضيقة…
تحطمت تلك الابتسامة.
ما ظهر بدلًا منها لم يكن ألمًا. كان حقدًا. حقدًا دفينًا من شخص اعتقد أنه لا يملك أكثر من العقل البارد ففوجئ أنه يملك في أعماقه شيئًا ساخنًا.
نظر إلى ستارك الملقى على الأرض.
ثم نظر إلينا.
“لقد أفسدتم معادلتي… أيها الحشرات.”
لم تكن إهانة. كانت تقريرًا.
بآخر ما تبقى له من قوة، وجّه يده نحو ستارك.
رصاصة من العدم الصرف. ليست ضربة. محو. شيء يُعدَم لا يُقتل.
وتحرك يوليوس.
بلا حسابات. بلا تقييم. بدافع شيء أقدم من التكتيك وأصدق من الخطة.
ألقى بجسده أمام ستارك.
الرصاصة أصابت كتفه الأيمن. انفجر اللحم والعظم ولم يبقَ منه شيء في تلك البقعة. فراغ حقيقي مكان كان فيه كتف.
لكن يوليوس لم يتزحزح.
ونظر إلى ستارك بالنظرة التي لا تحتاج كلمات.
أدرك نول أن الوقوف في هذا المكان أكثر لحظة واحدة يعني موته المحتم. لا إرادة باقية تكفي لضربة أخرى. وما كان أمامه لم يعد يتبادل الأثمان معه.
تراجع.
وانفجر من حوله رماد أسود. كثيف. يملأ القاعة.
“هذه ليست النهاية. سأبتلع الاف الأبرياء، وسأعود لأمحو فيرون من الخارطة.”
تحوّل إلى ظل باهت ينطلق بسرعة لا يُتابَع بالعين. خارج القصر. نحو الغابة الغربية.
الصمت الذي نزل بعده لم يكن صمت انتهاء.
كان صمت ما بعد العاصفة حين تدرك أن العاصفة لم تنتهِ بل انتقلت.
يوليوس على ركبتيه. يتنفس بصعوبة. الكتف الأيمن فراغ. والدم الذهبي الداكن يسيل مما تبقى.
التفت إليّ.
عينان منهكتان. لكن فيهما شيء لم ينطفئ.
“دارون…”
“اذهب. لا تسمح له بالوصول للغابة. هناك سيكون قادرا على الهرب.”
لم أنتظر أكثر من ثانية.
الاندماج مع الفهد كان قد بدأ في لحظة يوليوس الأخيرة. جسدي يحمل كل ما مر عليه. الجروح. الاستنزاف. الألم الذي تعلمت أن أضعه في مكان ما لا أنظر إليه الآن.
لكن الغضب.
الغضب لا يعيش في جسد. يعيش في مكان لا يُستنزف.
لأجل ستارك الملقى على الأرض.
لأجل يوليوس على ركبتيه بكتف لم يعد موجودًا.
لأجل كل من سقطوا.
انطلقت من القصر كالسهم.
العقل الفعال حدد مسار نول. خيوط باهتة من الرماد المتساقط تترك أثرًا قابلًا للقراءة. والفهد بداخلي يشم ما لا تراه العيون.
الغابة الغربية تلوح أمامي.
وظل نول في الأفق يبتعد.
“لن تصل يا نول.”
همستها والريح تصفر.
“حتى لو اضطررت لتمزيق روحي، لن تخرج من هذه الغابة حيًا.”
دخلت حدود الغابة.
والظلال ابتلعتنا.
الغابة التي شهدت كل ما شهدته ستشهد شيئًا أخيرًا.
مطاردة لا تعرف قواعد المستويات.
لا عدم ولا رياح.
فقط قاتل. وطريدة. وغابة عتيقة قررت أن تشهد كيف تنتهي الأشياء.