الفصل 9 - القدرات
استيقظ…
ببطء.
ثقلٌ غريب كان يضغط على جسده من كل جهة. كأن أطرافه ليست له، كأن أحداً ما وضع أوزاناً على كل عضو.
رؤيته كانت ضبابية في البداية. الأصوات من حوله مكتومة وبعيدة، كأنه يسمع العالم من خلف جدار سميك.
حاول التحرك—
فشعر بدوار خفيف يجتاح رأسه فوراً. عاد إلى وضعه. أخذ نفساً عميقاً بطيئاً. ثم آخر. يدع هواء الغرفة يملأ رئتيه ويخرج ببطء.
وبعد لحظات…
بدأ الواقع يتشكل أمامه.
سقف قماشي رماديٌّ فوقه. رائحة أعشاب طبية لاذعة قليلاً في الهواء. أصواتٌ خافتة لمرضى أو جرحى يتأوهون أو يتحدثون بهدوء.
خيمة.
اعتدل ببطء شديد حتى أدرك. خيمة علاج. الجرحى من حوله في أسرة قريبة من الأرض. بعضهم نائم. بعضهم يحدق في السقف بعيون فارغة.
المكان لم يكن مزدحماً. وكأن الحرب انتهت فعلاً.
بالكاد جلس—حتى لاحظ حركة سريعة.
ممرضة شابة بشعر مربوط وملابس بسيطة نظيفة، تتجه نحوه بخطوات مستعجلة واضحة.
“أيها المريض دارون!”
توقفت أمامه، تتفحصه من رأسه لقدميه بعيون قلقة حقيقية:
“هل تشعر بأي ألم؟ دوار؟ صعوبة في التنفس؟ صداع؟”
نظر إليها. حاول تقييم نفسه. كل شيء يبدو موجوداً.
“أنا… بخير.”
تردد قليلاً ثم سأل:
“هل… بقيت نائماً طويلاً؟”
تبادلت نظرة سريعة مع ممرض آخر في الزاوية ثم عادت إليه بنظرة هادئة لكن فيها ثقل:
“يومين.”
صمت.
“أُغمي عليك… ليومين كاملين.”
خفّضت صوتها:
“كنت تعاني من انهيار عقلي حاد… بصراحة، لم نكن متأكدين أنك ستنجو.”
اتسعت عيناه قليلاً. لكنه لم يعلق. فقط… استوعب.
بعد بضع دقائق من الفحص والتأكد، سمحوا له بالمغادرة.
خرج من الخيمة—ليصطدم مباشرة بإيمي.
كانت تقف هناك في الضوء. تعابيرها مضطربة، قلقة، فيها شيء من الإرهاق كمن لم ينم كثيراً. وما إن رأته—اقتربت بسرعة:
“هل أنت بخير؟!”
ثم بانفعال لا تستطيع إخفاءه:
“لقد أقلقتني أيها الأحمق!”
ابتسم بخفة. ثم بدأ يشرح لها ما حدث.
وخلال سيرهما معاً في ضوء النهار، طال الحديث. كثير منه جديد عليه.
أولاً… الحرب انتهت. فوز.
لكنه لم يكن نصراً كاملاً. لم يمت أيٌّ من الفارسين الكبيرين. رغم أن العملاق أُصيب بإصابات جعلت حتى الجنود يرتعبون. حتى ذلك الوحش… يمكن أن يُجرح.
ثانياً… الحرب أُعلنت نهايتها رسمياً. وهم في طريق العودة إلى مقاطعة فيرون. الرحلة تستغرق ثلاثة أيام. لكنه نام يومين منها بالفعل.
“سنصل هذا المساء.”
قالتها ببساطة.
وكأن كل شيء قد انتهى. لكن بالنسبة له… لم يبدأ بعد.
لأن هناك شيئاً أهم. بكثير.
“الرياح… والنار.”
نظر إليها بتركيز:
“ما الذي كان ذلك…؟”
صمتت قليلاً. ثم قالت:
“قدرات.”
“لكل شخص… قدرة.”
“هذا من أساسيات هذا العالم.”
رفعت إصبعها:
“الفرق فقط… بين من يملك قدرة خاملة، ومن يملك قدرة نشطة.”
تابعت:
“يمكنك امتلاك أكثر من قدرة. وهي تختلف من شخص لآخر. هناك من يتحكم بالطبيعة. من يغير شكله. من يعزز جسده. ومن يؤثر على الآخرين بطرق غريبة.”
توقفت لحظة ثم نظرت إليه بجدية:
“لكن… قوة القدرة تعتمد على الإرادة.”
شعر بشيء يتحرك داخله.
“كلما كانت إرادتك أقوى—كانت قدرتك… أقوى.”
“من يشعر بالإرادة… أقوى من العادي.”
“ومن يتحكم بها… أقوى بكثير.”
نظرت للأمام:
“أما أولئك الذين رأيتهم… فهم شيء آخر.”
ابتسمت بخفة:
“بالمناسبة… قدرتي تعزز سرعتي ورشاقتي.”
صمت. غرق في التفكير. قدرة… هل لديّ واحدة؟ خاملة؟ نشطة؟ حاول أن يشعر بأي شيء. لكن—لا شيء. فراغ.
عبس. هل أنا بلا قدرة؟
قبل أن يغرق أكثر—شيء سقط في حجره.
كيس.
فتحه. عشر عملات فضية.
رفع نظره.
“ما هذا؟”
ابتسمت:
“أجرك. ثمن مشاركتك في الحرب. أيها الأحمق.”
بعد دقائق من الصمت الهادئ—
سألها:
“هل… ستعودين لعائلتك؟”
توقفت. ثم قالت بهدوء:
“لا أملك عائلة. لكن لديّ رفاق… مرتزقة مثلي.”
نظر للأسفل.
“هذا لطيف… أنا لا أملك شيئاً. ولا حتى صديقاً.”
صفعة. على ظهره.
“ماذا تقول؟!”
نظرت إليه بانزعاج حقيقي:
“ألسنا أصدقاء؟! توقف عن العبوس!”
ثم ابتسمت بثقة واثقة:
“سأعرّفك على أصدقائي. ويمكننا العمل معاً كمرتزقة.”
اقتربت قليلاً:
“لذا… ابتسم. وتفائل.”
نظر إليها. لثوانٍ طويلة.
ثم—شعر بها. لأول مرة منذ أن استيقظ في هذا العالم. شعور دافئ. هادئ. يشبه الانتماء.
ابتسم. ابتسامة حقيقية.
“شكراً… جزيلاً.”