الفصل 8 - الجبابرة
التقى الفارسان الكبيران وجهاً لوجه.
لم يتكلما. لم يحتاجا للكلام. لا فائدة من الكلمات على أي حال. الفائز سيحقق مراده في نهاية الأمر، لذا اكتفيا بالنظر. يقيّم كل منهما الآخر بنظرة طويلة ثاقبة لا تخطئ تفصيلاً.
كان فارس مقاطعتنا رجلاً طويل القامة. كان ذو شعر ذهبي طويل يصل للكتفين، ناعم ومتموّج، وكأن كل شيء فيه مقصود. كان وسيماً بحق، بملامح قوية منحوتة بعناية. لكن لسبب ما، عجزت عن تحديد عمره الفعلي. كان شاباً وفي نفس الوقت كانت له هالة رجل عاش عقوداً، رجل جمع خبرة لا تأتي إلا من سنوات طويلة وتجارب لا تُحصى. كان واقفاً باستقامة توحي بالنبل والثقة، كأن العالم كله لن يجعله ينحني.
في المقابل، كان عدوه رجلاً أشد طولاً لدرجة أكاد أصنفه عملاقاً. كان ذو عضلات ضخمة تملأ ملابسه وتكاد تشقها. شعر أسود قصير كأن كل شعرة في مكانها المحدد. كان على خده الأيسر ندبة حرق واسعة تغطي نصف وجهه، من الفك حتى قريب العين. لم تزده إلا هيبةً ورعباً. نظراته كانت وكأنها تخترق الفولاذ، عيون لا ترحم.
وقف الفارسان الكبيران لعدة دقائق. دقائق بدت أبدية. كانا يقيّمان بعضهما أم كانا يستعدان لخطواتهما الأولى؟ لا يمكن معرفة ذلك من الخارج.
فجأةً من العدم—
ظهرت ريح.
ريح قوية تدخّلت بينهما من الهواء الساكن. لكنها كانت أشبه بأنها تخدم فارسنا، كأنه يأمرها ويحرّكها كيف يشاء. تيارات هواء مركّزة تدفع العملاق. لكنها لم تجعله يتحرك ولو بمقدار شعرة رغم أنها تدفعه بقوة.
كان الجنود حولنا يتمسكون بما يجدون ليثبتوا أمام هذه الريح. لم أكن امتيازاً بينهم. أنا كذلك. الريح تشد ملابسي وتدفعني.
ثم بعدها مباشرةً—
شعرنا بحرارة خانقة تملأ الأجواء.
التفت بسرعة للفارسَين. أول ما قابلني كان منظر النار تحيط بالعملاق. لكنها لم تحرقه أبداً. كانت تأتمر بأمره تتشكّل كيف يريد.
سرعان ما رفع الفارسان سيفيهما واندفعا في مواجهة بعضهما.
كانا سريعَين لا يكفي الوصف. لم أرَ شيئاً حتى من حركتَيهما بشكل صحيح. ما لمحته كان فقط لحظة التقائهما. وفي تلك اللحظة التي تبادلا الضربات، بدا وكأن هناك شرارات تتطاير جعلت الساحة بأكملها ترتجف.
تبادلا عدة هجمات. لم أستطع حتى إدراك من له الكفة. كان قتالهما يفوق ما يستطيع شخص عادي رؤيته وفهمه. حتى الفرسان العاديون—العشرة الذين شاهدتهم يقاتلون قبل قليل—كانوا عاجزين عن مواكبتهم. إن كان هناك وصف يصفهم حقاً فهو: جبابرة.
عند استحالة تتبعهم بالعين المجردة، حوّلت طريقة تركيزي لمحاولة استشعار هالتَيهما. محاولة الشعور بإرادتَيهما كما فعلت مع الفارس المتدرب.
لكن للأسف، كان ما قابلني هو فراغ كامل. كأنه لا حضور لهما أصلاً. كنت عاجزاً حقاً.
أمام هذا العجز الغريب، وضعت كامل تركيزي. ضغطت على أسناني وشددت عضلات بطني وعصرت عقلي لآخر حد ممكن.
هناك—
شعرت به. شرارة. ومضة صغيرة من الإرادة…
فتمنيت لو أنني لم أحاول.
كانت إرادتهما ضخمة وشديدة ومركّزة بطريقة لم أتخيلها. أشبع بمئات الإرادات. لا بل آلاف الإرادات المتشابكة في إرادة واحدة ساحقة لكل منهما. كاد استشعارها أن يقسم رأسي نصفين.
سقطت على ركبتَيّ وأمسكت برأسي بقوة، وسعلت بشدة لدرجة ظننت أن حلقي سينزف. كانت عيناي تحترقان بشدة وعقلي في فوضى كاملة. الأصوات من حولي تبدو بعيدة، مشوّهة، كأنني تحت الماء.
آخر ما استشعرته كان لمسات إيمي وذعرها. يدها تمسك كتفي وصوتها يصل من بعيد. بعدها—
لم أشعر بشيء أبداً.
فقط فراغ مظلم.