الفصل 10 - الطمأنينة
وصلنا إلى مقاطعة فيرون…
قبل غروب الشمس بقليل.
كانت السماء مزيجاً من البرتقالي والذهبي والأرجواني، كلوحة رسمها أحدهم بعناية فائقة. ضوؤها الخافت الدافئ ينعكس على أسوار المدينة الحجرية، يجعلها تبدو وكأنها تشتعل من الداخل. وكأن المدينة نفسها تنتظرنا.
لكن—لم أكن أملك الطاقة للاستمتاع بالمشهد.
جسدي كان منهكاً بطريقة تتخطى مجرد التعب. كل خطوة شعرت بها وكأنها أثقل من سابقتها. الطريق الطويل ترك أثره الواضح على كل عضلة وكل مفصل. حتى تنفسي بدا متعباً.
لحسن الحظ—كانت إيمي بجانبي.
قادتني بثقة عبر الشوارع المتشعبة. الشوارع الحجرية الضيقة تتفرع وتلتقي كشبكة يصعب فهمها لغريب. ابتعدنا قليلاً عن مركز المدينة المزدحم الصاخب، واتجهنا نحو الضواحي الهادئة.
“هناك مكان جيد.”
قالتها ببساطة، كأنها تُخبر عن مكان تعرفه جيداً:
“حانة صغيرة… توفر غرفاً مريحة وطعاماً لذيذاً بسعر مناسب.”
لم أعترض. لم يكن لديّ سبب للاعتراض.
في الحقيقة—لم أكن أملك شيئاً. لا خبرة بهذه المدينة. لا معرفة بشوارعها. لا نظام عملاتها. لا حتى اسم حي واحد فيها.
حين أخبرتها بذلك—
توقفت فجأة.
نظرت إليّ وكأنني قلت شيئاً مستحيلاً فيزيائياً:
“أنت… تمزح، صحيح؟”
هززت رأسي بهدوء. لا. لا أمزح.
الصدمة كانت واضحة على وجهها للحظة. لكنها لم تتردد. بدأت الشرح فوراً بنبرة تعليمية حازمة:
“هناك أربع عملات أساسية في هذا العالم…”
رفعت يدها، تعدّ على أصابعها:
“القصدير. النحاس. الفضة. والذهب.”
“عملة ذهبية واحدة تساوي عشر فضيات. فضية واحدة تساوي عشر نحاسيات. ونحاسية واحدة تساوي عشر من القصدير.”
استمعت بصمت، أحاول ترتيب الأرقام.
ثم أكملت:
“رغيف الخبز؟ عملتان من القصدير. المبيت؟ عملتان من النحاس. مع وجبة؟ ثلاث نحاسيات.”
أومأت ببطء. نظام بسيط لكنه مهم.
وعندها فقط—أدركت شيئاً.
الحرب… مربحة. بشكل مخيف.
عشر فضيات في حجري تكفي للعيش لأشهر. وكم من الناس يموتون مقابل هذا؟
سرعان ما وصلنا.
حانة متواضعة على أطراف المقاطعة. مبنى حجري بطابقين، نوافذه صغيرة تطل على الشارع الضيق. ضوء دافئ برتقالي يتسرب من تلك النوافذ. وصوت خافت لحديث وضحكات في الداخل. رائحة طعام طُهي منذ وقت تخرج من شق الباب.
فتحنا الباب.
فاستقبلتنا امرأة.
في منتصف العمر، ملامحها هادئة لكن فيها شيء من الحكمة المكتسبة بالتجربة. شعرها الداكن المشوب بالرمادي مربوط في خيط بسيط. تحمل شيئاً من التعب، لكنها لا تظهره.
“سارة.”
همست إيمي وهي تحيّيها بإيماءة مألوفة:
“صاحبة المكان.”
علمت لاحقاً أن زوجها توفي في سنّ مبكرة وترك لها الحانة. تديرها وحدها. لا بد أن ذلك لم يكن سهلاً أبداً.
تقدمت إيمي بثقة:
“غرفتين… مع عشاء جيد، يا سارة.”
ابتسمت المرأة بلطف صادق:
“ثلاث نحاسيات لكل شخص.”
أخرجنا النقود دون تردد. ثم اخترنا طاولة في الزاوية الهادئة.
جلست.
وأخيراً—شعرت بشيء من الراحة. شيء حقيقي. جسد ينضع. توتر ينحل.
إيمي، على عكس ذلك، كانت مليئة بالحماس:
“طعامها رائع! ستفهم حالاً!”
استمرت في مدحها بتفاصيل لا أفقهها بعد. لم أعترض.
لم يمضِ وقت طويل—حتى وصل الطعام.
وعاءان من الحساء.
كثيف، غني، يتصاعد منه بخار يحمل رائحة شهية تجعل المعدة تتيقظ فوراً. خضروات طازجة. قطع لحم واضحة مطرية. ولمسة من جبن دافئ مذاب فوق السطح. رغيفان من الخبز جانباً، طريّان في المنتصف.
التقطت الملعقة.
وتذوقت.
صمت.
دفء ينتشر في الحلق والصدر. طعم حقيقي. طعم يشعرك أن أحداً ما فكر فيه وصنعه بعناية.
ثم لقمة من الخبز.
طريّ. دافئ. لذيذ. لذيذ لدرجة—أنك تنسى كل شيء. لدرجة—أنك تنام مطمئناً.
لم يستغرق الأمر طويلاً. أنهينا الطعام دون كلام تقريباً. فقط تعب. وراحة. وصمت مريح.
بعد ذلك—
افترقنا. كلٌّ إلى غرفته.
دخلت غرفتي. غرفة بسيطة، سرير خشبي بحشو قماشي، نافذة صغيرة تطل على الشارع المظلم. أغلقت الباب.
نظرت إلى السرير.
وكأنه أعظم كنز في العالم.
سقطت عليه دون مقاومة.
جسدي استسلم فوراً.
وعيي تلاشى.
قبل حتى أن أفكر—
بأي شيء آخر.
قبل حتى أن أسأل: من أنا؟ ماذا كنت؟ ماذا سأكون؟
النوم جاء. هادئاً. ثقيلاً. رحيماً.
وللمرة الأولى منذ أن استيقظت في تلك المروج الخضراء بلا ذاكرة ولا اسم سوى كلمة واحدة—
نمت… مطمئناً.