الفصل 11 - المرتزقة
استيقظت…
ببطء. بهدوء. بطريقة لم أعرفها منذ أن فتحت عيني لأول مرة في تلك المروج الخضراء اللانهائية.
كانت تلك — أول مرة حقيقية أنام فيها بهذا القدر من الراحة الكاملة. لا خوف يسكن الصدر. لا كوابيس تطاردني في الظلام. لا ذلك الشعور الثقيل المزمن الذي كان يلازمني كظل بارد منذ اليوم الأول. فقط سكون. هدوء حقيقي. نوع الراحة الذي يجعل الجسد يشكرك في الصباح.
فتحت عينيّ على مهل، أتركهما يعتادان الضوء تدريجياً. الغرفة الصغيرة في نزل سارة. السقف الخشبي البسيط. الهواء الذي يحمل رائحة الصباح والخبز الطازج من الطابق الأسفل.
شعرت للحظة وكأن جسدي يرفض النهوض، ليس من التعب، بل من شدة الراحة. كأن السرير نفسه يتمسك به ويرفض الإفراج عنه.
اقتربت من النافذة الصغيرة ودفعتها قليلاً. ضوء الشمس اندفع إلى الداخل بسخاء، ذهبياً دافئاً. وعندها أدركت — أن النهار قد بلغ منتصفه بالفعل. الشمس في وسط السماء تقريباً. الشوارع من تحت تضج بحركة السوق.
لقد نمت طويلاً.
تمتمت بذلك مبتسماً، ثم تنفست بعمق قبل أن أخرج. الملابس الجديدة التي اشترتها لي إيمي بالأمس — قميص داكن اللون ناعم الملمس، وسروال مريح لا يعيق الحركة — ارتديتها بعناية وكأنني أرتدي ثقة جديدة أيضاً.
نزلت إلى قاعة الطعام في الأسفل.
كان المكان هادئاً… على غير المتوقع لمنتصف النهار. طاولات خشبية بسيطة، مقاعد ذات حواف مستديرة، ضوء يتسرب من النوافذ ويرسم مستطيلات مضيئة على الأرضية.
لم يكن هناك أحد تقريباً — باستثناء إيمي وسارة.
كانتا تجلسان معاً على طاولة قريبة من النافذة الكبيرة، تتبادلان أطراف الحديث بحيوية لافتة، وكأنهما لم تلتقيا منذ زمن طويل. سارة بملابسها المريحة الداكنة وشعرها الرمادي المشوب بالسواد المربوط بخيط بسيط. وإيمي بتلك الطاقة الدائمة التي تشعرك بأن الغرفة أصبحت أكثر اتساعاً بمجرد وجودها فيها.
بمجرد أن لمحاني — رفعت إيمي يدها ولوّحت بحماس طفولي مبهج:
“هنا أيها الكسول! لقد تأخرت كثيراً!”
ابتسمت دون وعي، واتجهت نحوهما بخطوات هادئة.
“ألم تتأخري أنتِ أيضاً؟”
قلتها بنبرة مازحة وأنا أجلس. “استيقاظكِ قبلي بقليل لا يمنحكِ الحق للسخرية مني.”
ضحكت. ضحكة خفيفة، لكنها مليئة بالحياة، تنبع من مكان صادق.
ثم أشارت إلى سارة: “سنأكل أولاً… ثم نغادر.”
أومأت بصمت وجلست معهما. كانت سارة تنظر إليّ بعيون هادئة فيها دفء خفي، نوع الدفء الذي تكتسبه النساء اللواتي اعتدن على استقبال غرباء ومودّعهم.
نهضت سارة بعد أن استلمت ثمن الوجبتين، وتوجهت نحو المطبخ بخطوات هادئة واثقة كأنها ترقص على أرضها بهدوء.
نظرت حولي مرة أخرى. النزل كان فارغاً تقريباً. منطقي. الغداء مبكر… ولا أحد يأتي في هذا الوقت.
لم يمر وقت طويل حتى عادت سارة. وضعت الأطباق أمامنا، وهذه المرة — كان الطعام مختلفاً. أثقل. أغنى. مليئاً بالزبدة الطازجة واللحم المطري. شرائح لحم على سرير من الخضار الطازجة، وخبز من الحجم الكبير لا يزال دافئاً. وجبة حقيقية تستحق ثمنها.
فكرت بذلك وأنا أشم رائحتها، خاصة وأنها لم تكن رخيصة.
بدأنا بالأكل. ببطء. بهدوء. وكأن كل لقمة تعيد جزءاً من طاقتنا المفقودة، تعيد شيئاً من الإنسانية التي كدنا نفقدها في ميادين القتال.
بعد أن انتهينا، التفتُّ إلى إيمي وسألت:
“ماذا سنفعل الآن؟”
لمع الحماس في عينيها فوراً كشرارة في ليل مظلم.
“أولاً…” قالت وهي تميل نحوي قليلاً، صوتها يحمل ذلك الإثارة المعتادة، “سنسجلك كمرتزق!”
ثم أضافت بابتسامة واسعة تكشف عن أسنانها البيضاء: “سنجني الكثير بفضلك أيها القوي!”
لم أستطع منع نفسي من الابتسام.
وقبل أن أقول شيئاً — كانت قد أمسكت بذراعي بالفعل بيد قوية ومؤكدة. “هيا!” وسحبتني معها إلى الخارج كما تسحب الريح ورقة خريف.
“لدي رفاق رائعون… سأعرّفك عليهم.”
سرنا لبعض الوقت عبر شوارع المدينة. الشوارع الحجرية تعجّ بالحركة والأصوات والروائح. باعة يعرضون بضاعتهم، أطفال يجرون، عمال يحملون أحمالاً. الحياة العادية في كل اتجاه.
في صمت بيننا. صمت كان كفيلاً بإزعاج أي شخص… لكنه لم يزعجني. ربما — لأن حماس إيمي كان كافياً لملء الفراغ حتى دون كلمات.
بعد مدة، توقفنا أمام مبنى كبير نسبياً. بناء من حجر رمادي بطابقين، أمامه لافتة خشبية كبيرة مكتوب عليها شيء لم أفهمه بعد.
“وصلنا.” رفعت نظري.
نقابة مرتزقة. مبنى من طابقين، الطابق الأول يعج بالحركة والأصوات. ناس يدخلون ويخرجون. بعضهم يحمل أسلحة، بعضهم يرفع أوراقاً.
قبل أن أستوعب المكان — اندفعت إيمي إلى الداخل بخفة، متجاوزةً الجميع.
نحو موظفة خلف مكتب خشبي كبير. وعانقتها بقوة وتلقائية كمن لقيت أختها بعد غياب. “ماري! اشتقت إليك كثيراً!”
ابتسمت الموظفة — أو ماري — وبدت سعيدة حقاً برؤيتها. ردّت العناق بدفء.
بعد لحظات من تبادل الحديث الودي، التفتت إيمي نحوي وقالت بنبرة أكثر رسمية: “هذا دارون. أريد تسجيله كمرتزق.”
تقدمت خطوة.
كانت ماري شابة في أواخر العشرينيات، بشعر أشقر طويل مسرّح بعناية يسقط على كتفيها، وعينين خضراوين هادئتين تحملان حضوراً ذكياً. ترتدي زياً رسمياً داكن اللون. ابتسامتها لم تفارق وجهها، لكنها لم تكن ابتسامة مصطنعة.
“مرحباً بك.” قالتها بلطف واضح.
ثم بدأت بالشرح بنبرة مهنية هادئة: “عمل المرتزقة يعتمد على تنفيذ المهمات… حماية، صيد، جمع موارد… أو حتى قتال وحوش.”
استمعت بصمت، أحاول استيعاب كل كلمة.
“أما الرتب… فهي خمس. تبدأ من الخامسة — وهي رتبتك الحالية. وترتفع حسب القوة، المهارة، والخبرة… وأيضاً الشهرة التي تكتسبها.”
نظرت إلى إيمي. “أنا أيضاً في الخامسة…” قالت بابتسامة فيها شيء من التحدي الهادئ، “لكن بعد الحرب… ترقيتي مسألة وقت.”
بعد دقائق من إجراءات التسجيل — استلمت بطاقتي.
قطعة معدن صغيرة، مستطيلة الشكل، ذات لون رمادي. الرقم خمسة محفور عليها بوضوح.
بداية جديدة. أمسكت بها للحظة، أشعر بثقلها في راحة يدي. ثقل صغير، لكنه يحمل معنى.
أشارت ماري إلى أن قبول المهمات يتم عبرها، وفقاً للرتبة. الخامسة تفتح الباب لمهمات محددة. كلما ارتفعت، كلما اتسعت الخيارات.
بعد الانتهاء — سحبتني إيمي مرة أخرى بيدها الدافئة. هذه المرة نحو ثلاثة أشخاص يجلسون عند طاولة جانبية.
“هؤلاء… رفاقي.”
أشارت إلى الأول: “كارل.” ثم أضافت بنبرة تخفي ابتسامة: “سياف ماهر… رغم نرجسيته المزمنة.”
كارل كان طويلاً، يقارب المتر وتسعين. شعره فضي اللون كالبرق، يقصّه قصيراً لكن باعتناء واضح. عيناه بلون السماء الصافية، نظرتهما تقيّمان كل شيء في اللحظة الأولى. يرتدي درعاً جلدياً رفيعاً معقوداً باحكام، وسيفان أنيقان عند خصره. حضوره واثق، أكثر من اللازم، بطريقة تجعلك تتساءل إن كان يدرك ذلك أم لا.
“وهذا جين. مدافعنا. ضخم… لكن لطيف.”
جين كان عملاقاً بكل معنى الكلمة. يتجاوز المترين بقليل، عضلاته ترفع ملابسه كجبال صغيرة. شعره أحمر قصير كلون النار الخافتة. وجهه مستدير ودود، ينقض التوقعات التي توحي بها ضخامة جسده. يحمل درعاً فولاذياً سميكاً يغطي صدره وكتفيه، وفأساً ضخماً مثبتاً على ظهره كأنه جزء من كتفيه.
“وأخيراً… نور. رامية سهام بارعة.”
نور كانت فتاة هادئة في أوائل العشرينيات، شعرها بني طويل ومضفور بعناية خلف ظهرها. عيناها رماديتان، واسعتان، تراقبان أكثر مما تتكلمان. نمش خفيف يزيّن خديها وجسر أنفها. ترتدي ثياباً خفيفة تناسب الحركة، وعلى ظهرها جعبة سهام وقوس مفككاً.
رفعت بصري إليهم جميعاً وقلت بصدق: “تشرفت بمعرفتكم… أنا دارون.”
تبادلوا النظرات… نظرات التقييم السريع التي يُجريها المقاتلون حين يرون وجهاً جديداً. ثم ابتسموا.
“الشرف لنا. مرحباً بك… أيها المبتدئ الجديد.”
لوهلة — شعرت بشيء غريب يدفئ صدره. شعور دافئ وهادئ. أن تكون بين أشخاص يمكنك أن تسميهم — رفاقاً.