الفصل 12 - الفريق
بعد أن هدأت أجواء التعارف، وانكسرت الحواجز الأولى بيننا كجليد يذوب أمام الدفء، تقدّمت كلٌّ من إيمي ونور نحو ماري الجالسة خلف مكتبها الخشبي المنظم. بدأتا الحديث معها بنبرة جادة هادئة — مختلفة تماماً عن الأجواء الودية التي سادت قبل قليل.
كانتا بعيدتين عنا، والنقابة تملأها أصوات متنوعة. لم أستطع تمييز كلماتهما، لكن تعابير وجهيهما كانت تقول ما تقصر عنه المسافة: هذا عمل. هذا جدي. هذه مهمتنا الأولى.
لم يمر وقت طويل حتى عادتا نحونا. في أيديهما ورقة مطوية.
ابتسمت إيمي ابتسامة مليئة بالحماس وقالت: “انظر يا دارون! هذه مهمتنا الأولى كفريق.”
تناولت الورقة، فرّدتها وقرأت.
“صيد اثني عشر ذئباً من الغابة الغربية.”
رفعت حاجبيّ قليلاً. ثم قلت بدهشة خفيفة: “ماذا…؟ هل سننطلق الآن مباشرة؟”
ضحكت بخفة، تلك الضحكة التي تبدأ من عميق معدتها وتصل إلى عينيها. ثم قالت بتلك الابتسامة المشرقة التي اعتدت عليها: “لا أيها الأحمق… سننطلق غداً صباحاً. اليوم… لدينا عمل مهم.”
غمزت لي، وبلا أن تمنحني فرصة للاعتراض أمسكت بذراعي وسحبتني معها خارج النقابة.
قبل أن نغادر، رفعت صوتها قليلاً لبقية الفريق: “غداً صباحاً، عند بوابة المدينة!”
ردّت ردوداً من خلفنا لم أسمعها جيداً.
لم يستغرق الأمر طويلاً حتى كنا نسير في شوارع السوق المكتظة. الهدف كان واضحاً — الاستعداد. أو بالأحرى، التسوق بقيادة إيمي التي تبيّن لي أنها تتعامل مع هذه العملية كمهمة استراتيجية.
بفضل إيمي — أو ربما بسببها — بدأت رحلتي في إنفاق المال.
أخذتني من محل إلى محل بخطى ثابتة تعرف وجهتها. اختارت لي عدة قمصان بأقمشة مختلفة: قميص صيفي خفيف من قماش ناعم، وقميصان داكنا اللون من قماش أكثر متانة. ثم سروالان عمليان بجيوب جانبية. وسراويل داخلية من قماش تقني. اختارت بعناية لم أتوقعها، تشعر القماش بين أصابعها، تتأكد من خيوطه، تتفحص التماساته.
ومع اقتراب الشتاء الذي بدأت رياحه الأولى تظهر في الصباح الباكر، توقفت عند معطف معلق على خطاف في واجهة دكان.
“هذا مناسب لك.” قالتها بثقة مطلقة، وكأن القرار قد حُسم في لمح البصر.
لم أجادل. أمسكت بالمعطف. كان ثقيلاً بشكل مريح في اليدين. قماشه الخارجي من نوع مقاوم للبلل، داكن اللون بلون بين الرمادي والأزرق العميق. بطانته الداخلية دافئة ناعمة. عند تجربته شعرت بأنه يلتف حول جسدي كدرع ناعم.
وبعد دقائق فقط — اختفت عشر عملات فضية.
نظرت إلى محفظتي بصدمة خفيفة. بهذه السرعة…؟
لكن عندما أعدت النظر في ما بين يديّ — أدركت السبب. المعطف وحده كلّف سبع فضيات. لم يكن معطفاً عادياً. كان سميكاً متيناً، مقوّى عند الكتفين والمرفقين، لا يتمزق بسهولة حتى لو علق بغصن شجرة أو احتكّ بصخرة. مصمّم للمرتزقة، لأولئك الذين يعيشون في الخارج أكثر مما يعيشون في البيوت. يمكن ارتداء درع فوقه دون أن يعيق الحركة.
مكلف… لكنه يستحق كل فلس.
الحذاء أيضاً لم يكن رخيصاً. ثلاث فضيات كاملة. جلد سميك، نعل مطاطي بملمس خشن يتمسك بالأرض الطينية الزلقة، ارتفاع يصل للكاحل. حين ارتديته وقفت بشكل مختلف.
أما باقي الملابس — وعلى الرغم من كثرتها وجودتها — لم تتجاوز ثلاث فضيات مجتمعة.
غريب… الأشياء المهمة دائماً هي الأغلى.
بعد الانتهاء من التسوق، توجهنا إلى وجهتنا التالية. حداد. دكان في زقاق جانبي بابه العريض مفتوح على الدوام، ومنه يخرج صوت الطرق على الحديد وحرارة الفرن.
“هذا الأفضل في المنطقة.” قالت إيمي بثقة.
عند دخولنا، استقبلنا رجل في الخمسينيات من عمره. ملامحه قاسية منحوتة من الزمن والعمل، جبهته عريضة، يداه ضخمتان معروقتان. لكن عيناه الرماديتان كانتا حادتين كالإبر، تقيّمان كل شيء وكل شخص في نظرة واحدة.
طلبت إيمي سيفين: سيف قصير من النوع الذي تستخدمه في قتال مقرب سريع، وسيف متوسط الطول أكثر توازناً للمواقف المتنوعة. فحصهما بيدها، أدارتهما، جربت توازنهما.
أما أنا — فقدّمت له سيفي. ذلك السيف الذي أخذته من الفارس المتدرب في ساحة المعركة.
ما إن أمسكه الحداد حتى تغيرت ملامحه. الصرامة الروتينية أفسحت المجال لشيء أشبه بالإعجاب المحترف.
“هذا… سيف ممتاز.” قالها بإعجاب واضح، وهو يقلّب السيف في ضوء الفرن، ينظر إلى حدته ودقة صنعه. “من أين أتيت به؟”
لم أعلّق كثيراً. فقط قلت أنني أريده مُصلحاً.
لكن بداخلي — شعرت بشيء غريب دافئ. كأنني أصبحت أستحقه فعلاً. كأن الجهد الذي بذلته كي أصل إليه — بذل الخوف والألم والإرادة — جعله ملكي فعلاً.
تكلفة العمل كانت واضحة. سيفا إيمي: أربع فضيات. إصلاح سيفي: فضيتان.
بعد الانتهاء، عدنا إلى نزل سارة. كان التعب قد بدأ ينهش أجسادنا تدريجياً، والغروب يزحف ببطء في الأفق يلوّن السماء بالبرتقالي والوردي.
تناولنا طعامنا سريعاً مع سارة التي وضعت أمامنا حساءً كثيفاً دسماً وخبزاً ساخناً. ثم سقطنا في النوم.
في صباح اليوم التالي، توجهنا مباشرة إلى الحداد.
عندما استلمت سيفي — للحظة لم أتعرف عليه.
اللمعان الذي كان يغطيه قبل أن يمسّ الحدّاد يده كان قد تضاعف. الحدّة التي يمكن أن تُحسّ بها حين تقترب إصبعك من الشفرة دون أن تلمسها. التوازن حين تمسكه بيدك — كأن وزنه يتوزع بشكل يجعل امتداد ذراعك منه أكثر طبيعية. كان سلاحاً حقيقياً. يمكن لأي شخص تمييز جودته من النظرة الأولى.
بعد تجهيز أسلحتنا، انطلقنا نحو بوابة المدينة الرئيسية. هناك كان الفريق ينتظرنا. كارل يتكئ على العمود الحجري بأناقة متكلفة. جين واقف كالجبل. نور تتفحص وترها بيد هادئة. وكأنهم كانوا ينتظرون هذه اللحظة بفارغ الصبر.
تم استقبالنا بحماس، وبلا إضاعة وقت بدأنا مناقشة الخطة.
الهدف: منتصف الغابة الغربية. حيث تتجمع الذئاب وتبني أوكارها.
“إنهم يتحركون كقطيع…” قال كارل بنبرة خبير. “سبعة على الأقل… وقد يصلون إلى عشرين.”
تم توزيع الأدوار بدقة: جين في المقدمة لصد أي اندفاع فوري. أنا وكارل على الجناحين للقضاء على أكبر عدد ممكن. نور في الخلف للقنص ومنع أي التفاف. وإيمي في المنتصف للدعم وسد الثغرات.
موقعها كان ثاني أكثر الأماكن أماناً. والسبب واضح — إصابتها في كتفها لم تلتئم بالكامل بعد، رغم أنها لم تشكُ ولا مرة.
بعد أن انتهت المناقشة، ساد صمت قصير. صمت يسبق البداية دائماً، ثقيل بطريقته الخاصة.
نظرت إلى الغابة أمامنا. عميقة. مظلمة. أشجارها طويلة كثيفة تحجب الضوء وتخلق أعماقاً لا تُرى من مكاننا.
ثم — تحركنا. خطوتنا الأولى نحو عالم المرتزقة الحقيقي