الفصل 13 - الإحساس الغريب
دخلوا الغابة.
ومع كل خطوة تعمّقوا فيها، بدأ ذلك الإحساس يزداد وضوحاً تدريجياً. الأصوات خفّت فجأة عند نقطة معينة كأنهم عبروا حداً غير مرئي. الهواء ثقل، أصبح أكثر رطوبة وأقل حرية. حتى الضوء الذي يتسرب من بين أوراق الأشجار العالية — بدا وكأنه أضعف، أكثر تردداً في الوصول إلى الأرض.
“غريب…” تمتم دارون، نظر حوله لكنه لم يرَ شيئاً غير طبيعي. الأشجار الكثيفة من كل جانب. الأرض المغطاة بطبقة سميكة من أوراق الخريف المتعفنة. الظلال المتشابكة.
ومع ذلك — كل شيء كان مختلفاً.
“توقفوا.”
قالها فجأة بصوت هادئ لكنه حازم.
تجمّد الفريق. إيمي التفتت إليه على الفور. نور أوقفت خطوتها. كارل نظر إليه بانزعاج ظاهر:
“ماذا الآن؟”
لم يجب فوراً. كان يركّز. أغمض عينيه، ليس ليرى شيئاً، بل ليشعر. ليصغي بشيء لا علاقة له بالأذنين.
هناك.
شيء يتحرك. ليست حركة جسد على أرض. بل شيء أعمق، أسبق، كنية تسبق الفعل.
“يمين… ثلاثة.”
فتح عينيه ببطء.
لحظة صمت مشدود — ثم خرجت الذئاب. تماماً من الجهة التي أشار إليها. ثلاثة ذئاب رمادية كبيرة تخرج من بين الأشجار بخطوات واثقة حذرة، عيونها الصفراء تلمع في الظلام الخفيف.
تغيرت تعابير الفريق. كارل شدّ قبضته على سيفه ونظر إلى دارون بعيون ضيّقت قليلاً: “مصادفة…” لكن نبرته لم تكن واثقة.
اندفع جين للأمام، درعه الفولاذي الضخم يحول جسده إلى جدار متحرك. صدم الهجمة الأولى من الذئب الأكبر بدرعه دون أن يتزحزح قدم واحدة. وفي نفس الوقت تحرك كارل بسرعة أنيقة من الجانب، سيفه لمع بضربة واحدة نظيفة.
أما دارون — فلم يتحرك فوراً. كان ينظر. يراقب. لكن ليس الأجساد… بل شيئاً خلفها. وراءها. شيئاً يسبقها.
الذئب الأول انقض.
قبل أن يتحرك عضلة واحدة في جسد دارون — شعر به. ليس بالعين. بل بإحساس يصعب وصفه، كأن شيئاً ما دفعه نحو الاتجاه الصحيح.
تحرك جسده تلقائياً. انحراف بسيط لليمين. مخلب الذئب مرّ بجانب خده بمسافة إصبع. ثم ردّ. ضربة سيف مباشرة. سقوط.
اتسعت عيناه.
“أنا… لم أفكر.” قالها لنفسه بدهشة هادئة. لم يكن رد فعل مدروس. ولم يكن غريزة عشوائية. بل شيء بينهما، شيء في المنطقة الرمادية بين الإدراك والحركة.
ذئب آخر التف حوله من الخلف الأيسر. مرة أخرى — شعر به قبل أن يراه. بدأت أذنه الداخلية تسمع شيئاً لا صوت له.
استدار. رفع سيفه. صدّ الهجوم. ثم دفع. طعنة خاطفة. سقوط.
بدأ تنفسه يثقل. “هذا… ليس طبيعياً.”
نظر حوله. الفريق يقاتل ذئاباً أخرى خرجت من أعماق الغابة، أصوات الاشتباك والهواء المضطرب. لكن حركتهم — كانت أبطأ. ليس لأنهم ضعفاء. بل لأنهم ينتظرون “الرؤية”، ينتظرون أن تصل المعلومة عبر العين.
أما هو… فلم يكن ينتظر.
“هل أنا… أسبقهم؟”
ذئب قفز من الخلف الأيمن بهجمة مباغتة صامتة.
قبل أن يصل — تحرك دارون. استدار في اللحظة المثالية، نصف دوران دقيق. سيفه ارتفع. صدّ الهجوم. ثم قطع. سقوط.
صمت داخلي كامل.
“أنا لم أره.” ثم همس: “لكنني… عرفته.”
تراجع خطوة. يده ترتجف قليلاً. رأسه بدأ ينبض بإيقاع خفيف مؤلم. “هذا الإحساس…” وضع يده على رأسه. “كأنه… صوت.” لكن بلا صوت. موجة بلا هواء. نبض بلا قلب.
“دارون!”
صوت إيمي قاطع وحاد.
التفت. ذئب كبير يتجه نحوه بسرعة لافتة، رأسه منخفض في هجمة مباشرة.
لكن هذه المرة — لم يتحرك فوراً. تجمّد. لجزء من الثانية.
“ركّز…” ضغط على أسنانه. “ما الذي أشعر به؟”
هناك. اندفاع. نية. اتجاه. قبل أن يتحرك الذئب بخطوة — كان هناك “قرار”. شيء يسبق الحركة بجزء من لحظة.
دارون شعر به. تحرك. بثقة. تفادى. ثم طعنة نظيفة. سقوط.
سكت كل شيء داخله للحظة.
“فهمت…” ليس تماماً. لكن بداية.
عاد للقتال. لكن هذه المرة — لم يحاول التفكير. لم يحاول التحليل. فقط استمع. أصغى بذلك الحس الغريب.
كل ذئب قبل أن يهاجم — كان يصرخ. ليس بصوت. بل بإرادته. بنيته. بقراره. ودارون بدأ يسمع تلك الصرخة الصامتة.
القتال اشتدّ. ذئاب أكثر خرجت من بين الأشجار، وصل عددها إلى المطلوب. الأصوات تملأ الغابة، الدماء تلوّن الثلج الخفيف على الأرض، أنفاس الجميع تتصاعد كبخار أبيض في الهواء البارد.
لكن بالنسبة له — كل شيء أصبح أوضح.
ذئب من اليمين — شعر به. تحرك. تفادى. ردّ.
ذئب من الخلف — شعر به. انخفض. ضربة معاكسة.
اثنان معاً — ارتباك بسيط. ضغط على رأسه يشتد. لكن تحرك. واحد. ثم الثاني.
تنفسه أصبح ثقيلاً بوضوح. “هذا… مُرهق.” لكنه لم يتوقف. “إنها… إرادتهم.” الكلمة ظهرت فجأة كأنها كانت هناك طوال الوقت تنتظر. “أنا… أشعر بإرادتهم.”
انتهى القتال. الصمت عاد لأعماق الغابة. وقف دارون، جسده متعب، أنفاسه مضطربة. نظر إلى الأرض. ثم إلى يديه.
“ما هذا…؟”
رفع رأسه ببطء. الفريق ينظر إليه. كل واحد منهم بطريقته.
كارل، بنبرة لا يخفي فيها دهشته تماماً: “هذا لم يكن… طبيعياً.”
جين، بتركيز ممزوج بعدم تصديق: “أنت متأكد أنك مبتدئ؟”
نور فقط كانت تراقب. بهدوء. بعيون رمادية تقرأ أكثر مما تتكلم.
أما دارون — فلم يهتم بكلامهم. كان يفكر. “إذا كان هذا… الإحساس…” نظر إلى عمق الغابة. “فماذا يوجد بعده؟”
هناك. شعر بشيء آخر من أعماق الغابة. أقوى. أثقل. كأن شيئاً أكبر يتنفس في الأعماق.
ابتسم ابتسامة خفيفة وهادئة. “أنا… لم أصل حتى للبداية بعد.”