الفصل 14 - بداية الشك
لم تكن عودة الفريق صاخبة.
بل كانت هادئة بشكل غريب محيّر. خطواتهم ثقيلة، ليس فقط بسبب التعب الجسدي، بل بسبب ثقل ما حدث. لم يكن صيد الذئاب صعباً بالمعنى المعتاد، لكنه لم يكن طبيعياً أيضاً. خصوصاً بالنسبة لدارون.
ساروا عبر الغابة في طريق العودة، أشعة الشمس بدأت تميل نحو الغروب، تتسلل بين جذوع الأشجار العالية على شكل خطوط ذهبية مائلة طويلة، ترسم ظلالاً متكسرة ومتشابكة على الأرض المغطاة بأوراق الخريف.
كان الهواء أبرد مما كان في الصباح. أهدأ. وكأن الغابة نفسها تأخذ نفساً بعد ما جرى.
لكن داخل دارون… كان العكس تماماً.
“أنا متأكد…” تمتم بها داخله دون أن يكمل. متأكد من ماذا بالضبط؟
كان يسير في الخلف هذه المرة، عكس ترتيب الدخول. لم يتحدث كثيراً، لم يشارك في المزاح الخفيف الذي دار بين جين وكارل حول موضوع ما لم يتابعه، ولم يلتفت لتعليقات إيمي التي أطلقتها من حين لآخر.
كان غارقاً. في نفسه. في تلك اللحظات.
كل لحظة من القتال كانت تعاد من جديد في ذهنه. تفصيلاً. بدقة مرعبة.
“لم أرهم…” رفع يده قليلاً أمامه ونظر إليها. تذكّر الذئب الذي هاجمه من الخلف. لم يسمع صوت خطواته على الأوراق. لم يرَ ظله. لم يشعر باهتزاز الأرض. لكن… “شعرت به.” ضغط على قبضته ببطء. “هذا ليس مجرد إحساس بالخطر…” توقف لثانية وهو يتجاوز جذع شجرة كبير. ثم أكمل السير. “إنه… شيء أدق.”
وصلوا إلى حافة الغابة مع آخر خيوط الضوء الذهبي. بوابة المدينة ظهرت أمامهم تضيء شعلات فوقها الفضاء بنوع من الترحيب البارد، والحراس ألقوا نظرات سريعة اعتيادية عليهم قبل السماح لهم بالدخول.
الحياة عادت تدريجياً. الأصوات والناس والحركة المعتادة. لكن دارون لم يعد يراها بنفس الطريقة. “كل واحد منهم…” نظر إلى رجل يمر بجانبه بسرعة، محمّلاً بسلة خضار. “…يحمل شيئاً.” لم يكن يرى شيئاً فعلياً. لكن كان “يشعر”.
دخلوا النقابة بعد تسليم المهمة وقبض الأجر. الأجواء كانت مزدحمة كالمعتاد، لكن الفريق اختار طاولة جانبية بعيدة نسبياً عن الضوضاء الرئيسية.
جلسوا. طلبوا بعض الطعام والشراب. ثم صمتوا.
كان الصمت ثقيلاً هذه المرة. ليس مريحاً. بل مليئاً بأسئلة يصعب طرحها بالطريقة الصحيحة.
أخيراً، كسر كارل الصمت بطريقته المباشرة المعتادة:
“حسناً… لنقلها مباشرة.” نظر إلى دارون. “ما الذي حدث هناك؟”
رفعت إيمي حاجبها، بينما نظر جين بتركيز هادئ. نور استمعت فقط.
دارون لم يرد فوراً. خفض نظره إلى الطاولة الخشبية. ثم قال بهدوء:
“قبل أن يظهروا…” توقف قليلاً. “…كنت أعلم أنهم هناك.”
تبادل الجميع النظرات. كارل ضحك بخفة ساخرة خفيفة: “نعم، لاحظنا ذلك.” ثم أضاف بنبرة أكثر جدية: “لكن كيف؟”
رفع دارون نظره ببطء. عيناه كانتا هادئتين ظاهرياً، لكن داخله كان ما يشبه عاصفة رملية هادئة.
“لا أعلم.”
إيمي عقدت ذراعيها: “لا يمكنك أن تقول ‘لا أعلم’ فقط… هذا لم يكن طبيعياً.”
أخذ نفساً عميقاً. ثم قال: “لم أرهم. ولم أسمعهم. لكن… شعرت بهم.”
ساد الصمت. جين مال للأمام قليلاً، كوعاه على الطاولة: “شعرت… كيف؟”
هزّ دارون رأسه ببطء. “لا أستطيع وصفه بدقة. كأن هناك شيئاً يسبق حركتهم.”
نور همست بهدوء كأنها تفكر بصوت: “نيتهم…؟”
نظر إليها. توقف. ثم قال: “…ربما.”
كارل عبس: “هذا هراء.” لكن صوته لم يكن حاسماً مطمئناً كما يحاول أن يبدو.
أضاف جين: “إذا كان مجرد حدس عشوائي، فليس بهذه الدقة.”
إيمي نظرت لدارون بتركيز حاد: “هل شعرت بنا نحن أيضاً؟”
توقف. هذا السؤال كان مهماً. فكّر قليلاً. ثم قال: “نعم.”
ساد الصمت مجدداً.
“كل واحد منكم…” أضاف ببطء. “…مختلف.”
كارل ضحك ساخراً: “رائع، اكتشفت أننا وحوش.” لكن دارون لم يبتسم.
“أقصد… شيئاً آخر. رفع عينيه: “كارل… حاد. جين… ثقيل. نور… خافتة. إيمي… مستقرة.”
هذه المرة — لم يضحك أحد. نور نظرت إليه بذهول خفي أخفته كالعادة. جين عقد حاجبيه. كارل صمت تماماً. أما إيمي… فكانت تحدق فيه.
“هذا…” قالت ببطء. “…إحساس بالإرادة.”
توقف الزمن للحظة داخل دارون. “الإرادة…” كرر الكلمة داخلياً. نظر إليها: “إذن… هذا ما أشعر به؟”
أومأت. “لكن…” توقفت. “…ليس بهذا الشكل.” اقتربت قليلاً. “نحن نشعر بها… نعم. لكن…” نظرت إلى الآخرين. “…ليس بهذه الدقة.”
هنا — شعر دارون بشيء. ليس من الخارج، بل من داخله. “إذن…” قال ببطء. “…أنا مختلف.” لم تكن نبرة غرور. ولا فخر. بل حقيقة يقررها بهدوء وشيء من القلق.
سكت قليلاً. ثم بدأ يفكر بصوت مسموع: “هناك احتمالات.”
الجميع استمع. “الأول… أن هذا مجرد موهبة طبيعية.” كارل هزّ كتفيه: “ممكن.”
“الثاني… أنني اقتربت من المستوى الثاني دون أن أدرك.”
جين فكّر: “لكن هذا غير منطقي… الانتقال ليس بهذه السهولة.” أومأ دارون: “أعلم.”
“الثالث…” توقف. نظر إلى يده. “…أن لديّ قدرة.”
ساد الصمت الكامل. إيمي لم تمزح. كارل لم يعلق. نور رفعت نظرها ببطء.
جين قال ببطء: “قدرة…؟”
أومأ دارون. “نعم. قدرة تؤثر على إدراكي. تجعلني… أرى ما لا يُرى.”
إيمي همست: “هذا…” ثم صمتت. كارل قال: “إن كان هذا صحيحاً… فهذا ليس طبيعياً.” دارون ابتسم بخفة: “أنا أعلم. لكن هناك مشكلة.”
“ما هي؟” سألت نور بهدوئها المعتاد.
نظر إليهم. ثم قال: “أنا لا أتحكم به. هو يحدث… فقط.” إيمي تنهدت: “هذا يفسر الكثير.” “بل لا يفسر شيئاً.” قال دارون بهدوء. “لأنني لا أعرف متى سيحدث. ولا لماذا.”
جين قال: “إذن… أنت تعتمد عليه دون أن تعرف.” أومأ. كارل ابتسم بطريقة تحمل جديةً خلف خفتها: “هذا خطير.” دارون نظر إليه. “أعلم.” ثم سكت.
لحظات مرت. ثم قال وقد رفع رأسه: “لكن… يمكنني تعلمه.”
كانت هذه أول مرة يقولها بهذه الثقة. إيمي ابتسمت: “هذا ما أردت سماعه.”