الفصل 15 - التدريب
بعد اليوم الذي ناقشنا فيه أمر قدرتي، اتخذ الفريق قراراً حاسماً بلا تردد يُذكر: عدم خوض أي مهمة طوال الأسبوع القادم. الهدف كان واضحاً وصريحاً: التفرغ الكامل لتدريب دارون على التحكم في ذلك الشعور الغامض. أو على الأقل، محاولة إظهاره وفق إرادته لا بالاعتماد على الصدفة.
حين سُئل الفريق عن سبب جعل هذه المسألة أولوية بهذا الشكل، كان الرد واحداً متفقاً عليه: “هناك فرق شاسع بين الإحساس بهذا الشعور متى أراد الشخص، وبين الاعتماد على الصدفة لحدوثه. هذا الفرق قد يحدد مصير دارون وحياته. لا أحد عاقل يضع حياته رهينة الصدفة.”
قرر الفريق أن يتناوب على تدريب دارون كل يوم. لم يكن الأمر مجرد تمرين عادي، كان اختباراً للحدود، للمثابرة، وللقدرة على مواجهة الذات.
بدأنا التدريب مع انقشاع الظلام وإشراق الشمس مباشرة. الساحة الفارغة على أطراف المدينة كانت باردة في الصباح الباكر، الأرض الترابية المتجمدة قليلاً من ليل شتائي. هواء نقي يملأ الرئتين بكل نفس. مكان نادراً ما يمر به أحد في هذا الوقت.
كان أول من تقدم لمواجهة دارون هو كارل، بطبيعة الحال. وقفا وجهاً لوجه بمسافة ثلاثة أمتار. كارل بسيفيه الأنيقين، دارون بسيفه المُصلح الذي لمع في ضوء الصباح.
اندفع كارل أولاً بلا مقدمات. ضربة تلو الأخرى، سريعة ودقيقة ومدروسة. الأولى من اليمين. الثانية أفقية متقنة. الثالثة كانت الأقوى، مقترنة بتحرك خاطف للقدمين.
وكان ما يجب قياسه هو ما إذا كان دارون سيستشعر تلك الهجمات قبل وقوعها — أم لا.
الجواب جاء مخيباً. شعر بعجز حقيقي، كأن الأرض تحاول ابتلاعه. الهجمة الثالثة وصلت وأسقطته. وكأن شعور الفشل ينهش روحه من الداخل. لم يستطع استدعاء ذلك الشعور، وكان إحباطه عميقاً لدرجة جعلته يشعر أنه لا يستحق القتال.
نظر إليه كارل وهو على الأرض. وقال بهدوء لا رحمة فيه: “انهض، سنستمر.”
“لكنني لم أستطع الشعور به!” أجابه بدهشة ممزوجة بإحباط.
ابتسم كارل ابتسامة قصيرة. “وماذا؟ هل تتوقع أن أستسلم؟ لن أتوقف حتى تنزف يداك. عالم المرتزقة ليس بهذه السهولة.”
كانت كلماته كشرارة في ليل بارد. نهض دارون مجدداً. أقوى وأكثر إصراراً. وأدرك أن العجز الذي شعر به ليس إلا خطوة نحو الفهم.
بدأت الجولات الثانية والثالثة والرابعة. كل جولة أطول وأكثر شدة من سابقتها. الجسد يتعلم قبل العقل. العضلات تتذكر قبل الفكر. بحلول الجولة الحادية عشرة، كان القتال قد استمر أكثر من عشرين دقيقة متواصلة. جسده منهك وعرقه يغطيه من الرأس حتى القدم، لكن شعور العجز لم يزل بعد.
ثم فجأة — كما لو أن شيئاً ما انكسر داخله في اللحظة المناسبة — شعر به.
نفس الشعور الغامض. كان هناك. واضحاً. لا يحتاج بحثاً أو استدعاءً.
كارل بدا مكشوفاً هذه المرة. بحركة خفيفة رشيقة مبنية على ذلك الإحساس المباغت، صدّ دارون جميع هجماته قبل أن تصل إليه، ثم تحول إلى الهجوم المضاد. أطلق هجمة نظيفة أرسلت كارل إلى الأرض.
كان انتصاراً جسدياً ونفسياً معاً. أنفاسه متقطعة، جسده يغلي. لكن الشعور بالقدرة على التحكم ولو مرة واحدة — كان يفوق كل التعب.
نظر إلى كارل وهو يرفع رأسه من الأرض، في عينيه شيء لم يره من قبل: دهشة حقيقية ممزوجة باحترام. قال دارون بصوت متقطع: “لقد نجحت… نجحت حقاً.”
مع بلوغ منتصف النهار، اتجهوا للراحة وتناول الغداء. الفريق كله جلس يأكل بصمت مؤقت قبل أن تبدأ الجولة الثانية من النقاشات.
بعد الظهر عاد التدريب. الجولات أطول وأكثر إرهاقاً. كل نزال جعله يدرك الشعور الغامض بشكل أعمق وأكثر وضوحاً. بحلول غروب الشمس، شعر أنه اكتسب خبرة لا تقدر بثمن. وكارل أيضاً استفاد، إذ أدرك حدود أسلوبه حين يواجه شخصاً يقرأ حركاته.
في المساء، اجتمع الفريق في نزل سارة لتناول العشاء. بدأ كارل قائلاً: “كان تحسن دارون مدهشاً… أصبح يحلل أسلوبي ويستجيب له بشكل أسرع مع كل هجوم.”
أضافت نور: “لقد كان يتميز في كل نزال أفضل من سابقه. حتى إرادته كانت تتغير بما يتناسب مع تحركات كارل.”
وأكمل جين: “أوافق. لم يكن يحلل إرادة كارل فقط، بل حتى أسلوبه الكامل في القتال.”
وختمت إيمي: “أعتقد أن هذه القدرة تعزز قدرته على إدراك المحيط وتحليل الإرادات وتصفيتها، ليتمكن من مواجهتها بما يناسب.”
بعد التفكير المشترك، اتفقوا جميعاً على الاستمرار. أي تقدم مهما كان صغيراً — هو خطوة نحو الفهم الكامل.