الفصل 16 - حدود الإحساس
في اليوم الثاني…
استيقظ قبل شروق الشمس بقليل. لم يكن هناك صوت يوقظه، ولا مناداة. فقط ذلك الإحساس الداخلي الغريب الذي أصبح مألوفاً منذ بدأ التدريب. كأن جزءاً منه يرفض الاستمرار في النوم.
فتح عيني ببطء. جسده لا يزال متعباً من اليوم السابق تعباً يسكن في عمق العضلات لا في السطح. لكن عقله كان متيقظاً، حاضراً. اليوم لن يكون مثل الأمس.
حين وصل إلى ساحة التدريب، كانت الشمس بالكاد بدأت في الظهور. خيوط الضوء الأولى الذهبية الباهتة ترسم ظلالاً طويلة جداً على الأرض الخالية. الهواء البارد حاد في الحلق ويوقظ الجسد.
لكنه لم يكن وحده.
كان جين هناك. واقفاً بثبات راسخ، درعه الفولاذي الضخم يغطي صدره وكتفيه وكأنه جدار لا يمكن اختراقه، وفأسه الضخم مستقر على كتفه كأنه امتداد طبيعي له لا يثقله.
تقدم دارون نحوه. نظر إليه جين. ثم قال بهدوء خالٍ من أي مجاملة:
“استعد يا دارون… أنا لا أرحم.”
سحب سيفه وشدّ قبضته عليه. وفي تلك اللحظة أدرك شيئاً مهماً: كارل كان مهاجماً سريعاً حادّاً مباشراً. أما جين فكان عكس ذلك تماماً. مدافع ضخم. ليس خصماً يمكن كسره بالاندفاع أو الحيلة السطحية.
لكن لم يكن لديه خيار.
اندفع. بحركة سريعة وجه ضربة نحو كتفه الأيسر. لكن — تصدى لها بسهولة مرعبة. درعه لم يهتز حتى. وفي اللحظة التالية، تحرك جين. ليس بسيف، بل بدرعه نفسه. اصطدم به من الجانب بقوة لم يتوقعها. انقلب جسد دارون وفقد توازنه وتراجع عدة خطوات متعثراً قبل أن يستعيد نفسه بصعوبة واضحة.
رفع جين رأسه. وقال بسخرية باردة هادئة: “ضعيف.”
شدّد دارون على أسنانه. “ليس بعد…” واندفع مجدداً.
لكن قبل أن يصل إليه — شعر بها. خطر. لكن متأخر. فأس جين انطلق بهجمة أفقية هائلة لم يحسب قوتها. رفع سيفه لصدها. خطأ. الاصطدام كان كصاعقة. القوة اخترقت ذراعيه وزعزعت الجسد كله. تراجع على خطوات متعرجة، الألم يضرب من الرسغ حتى الكتف. عظامه صمدت لكنها رنّت كجرس مُضرب بقوة.
وقف بصعوبة، يلهث بشكل مسموع.
جين لم يتحرك. نظر إليه ثم قال بهدوء المعلم: “أنت تحاول مجاراتي كما فعلت مع كارل.” توقف. “تخلّ عن هذا الأسلوب… وإلا ستنكسر حقاً.”
تنفس عميقاً. كان محقاً. الهجوم المباشر لن ينجح. لكنه لم يكن يعرف ماذا يفعل بدلاً من ذلك.
اندفع مرة أخرى، ثم مرة أخرى، ثم مرة أخرى. الجولة الأولى انتهت بسحقه. الثالثة لمس درعه مرة واحدة. الخامسة بدأ يبطئ ويراقب. السابعة — تغير شيء.
“هناك…” شعر بها. إرادة جين. لكنها لم تكن كإرادة كارل. لم تكن حادة ومتفجرة. بل سميكة. ثقيلة. صلبة. كأنها جدار غير مرئي يحيط به من كل اتجاه. كلما اقترب شعر بثقل يدفعه للخلف.
تراجع خطوة. “هذا ليس مجرد دفاع جسدي. بل دفاع إرادي.”
بعد استراحة الغداء، عاد. هذه المرة لم يندفع. بدأ يراقب. يتحسس. يبحث عن ثغرة. كل دفاع له نقطة ضعف. حتى جين. “ليس الدرع… بل ما خلفه.” بدأ يركز على إرادة جين. ليست كجدار واحد متصل، بل طبقات متراكبة. وأضعفها — في لحظة الحركة. عندما يهاجم جين نفسه.
حاول. فشل. مرتين. ثلاث. لكنه كان يقترب بشكل ملموس. مع نهاية اليوم لم يكسره. لكنه فهمه. ولأول مرة أدرك شيئاً مهماً: الإحساس وحده لا يكفي.
في اليوم التالي كان دوره مع إيمي.
كانت تقف في منتصف الساحة، تتمدد بخفة وكأنها تستعد لرقصة لا قتال. حين اقترب ابتسمت: “هل نبدأ يا دارون؟”
سحب سيفه. لكن — اختفت. حرفياً اختفت من مكانها قبل أن تصل حركة عينيه إليها. ثم ضربة من الخلف. ركلة خاطفة دقيقة. سقط أرضاً. تنفسه انقطع للحظة.
رفع رأسه — كانت فوقه. تضحك.
“دارون…” ثم قالت بنبرة مختلفة تماماً: “أنا لست إيمي التي قاتلت معك في الحرب.” توقفت. “هناك… كنت ضعيفة. ساذجة.” نظرت إليه بجدية: “لكنني رأيت الموت. وتعلمت.” ثم ابتسمت: “والآن… دورك.”
نهض. “إذن لن تكون سهلة.” بدأ القتال. ومنذ اللحظة الأولى أدرك — هي أسرع. ليس قليلاً. بشكل مزعج. حركتها خفيفة سلسة كتيار ماء لا يمكن إمساكه. قدرتها تعزز سرعتها ورشاقتها بشكل يجعل تتبعها بالعين أمراً صعباً.
إرادتها كانت غريبة. خفيفة لكن ثابتة. كتيار مستمر لا ينقطع. لم تكن تنفجر مثل كارل. ولا تتصلب مثل جين. بل تتدفق.
حاول تتبعها. نجح أحياناً. لكن جسده لم يستطع المواكبة. كان يرى. لكنه لم يستطع التحرك بما يكفي. وهنا أدرك الحقيقة الجارحة: “أنا… لست مكتمل الجاهزية.”
مع نهاية اليوم كان منهكاً لكنه تعلم أكثر مما توقع. في المساء، جلسوا كالمعتاد. لكن هذه المرة الدهشة لم تكن نحوه. بل نحو إيمي.
“ما الذي حدث لكِ؟” قال كارل. جين أومأ: “تحسنتِ بشكل واضح.” نور ابتسمت: “أصبحتِ مختلفة.” إيمي فقط ضحكت.
لكن دارون فهم. التدريب لا يغيّره وحده. بل الجميع.
اليوم الخامس كان الأصعب. نور. ورمايتها.
لم تستخدم سهاماً حقيقية. لكن استخدمت سهاماً مطاطية بأطراف مبلطة تترك كدمات. وتمنّى وهو يتحمل ضرباتها المتكررة أنها كانت ستستخدم الحقيقية.
وقفت بعيداً. سحبت قوسها. وأطلقت. السهم انطلق بسرعة. لم يشعر بشيء مسبق. تأخر. أُصيب. صرخ.
حاول مجدداً. ثم مجدداً. حتى بدأ يفهم: “السهام لا تحمل إرادة. بل تُطلق بها. في لحظة واحدة. لحظة الإطلاق. وهناك فقط يمكن الشعور بها.”
توقف. “إذن يجب أن أسبقها.” لكن هذا كان أصعب بكثير. لأنه لا يواجه السهم. بل اللحظة. لحظة القرار. لحظة الإرادة.
حاول. فشل. مراراً. حتى بدأ يشك: “هل هذا ممكن أصلاً…؟”
بحث. فكّر. حتى وصل لإجابة واحدة: “هذا مستوى آخر. مستوى لا يعتمد فقط على الإحساس. بل الفهم.”