الفصل 17 - شرارة التطور
في اليوم السادس…
لم يكن هناك صباح. لم يكن هناك شعور بالراحة. ولا حتى بداية واضحة لليوم. كان هناك فقط… استمرار للألم.
استيقظ ببطء وكأن جسده يرفض العودة إلى الوعي. كل عضلة تصرخ. كل مفصل يشتكي. حتى التنفس بدا وكأنه جهد لا يستحق المحاولة.
حدّق في السقف طويلاً. “لماذا…؟”
لم يكن السؤال عن الألم. بل عن كل شيء. رغم الأيام الماضية، رغم التدريب، رغم التقدم الجزئي الحقيقي… لم يشعر أنه أصبح أقوى فعلاً. “أنا فقط… أتعثر بشكل أفضل.”
أغمض عيني. لكن صورة واحدة عادت فوراً — سهم. سريع. صامت. وأنا لم أره. “لو كان حقيقياً…” فتح عينيه فجأة. “لكنني ميت.”
جلس ببطء. الشك كان يجلس بجانبه على السرير. هل ما أملكه… حقاً قدرة؟ أم مجرد وهم يظهر عندما أحتاج أن أصدق أنني لست ضعيفاً؟
وقف. ارتدى ملابسه. وتوجه إلى الساحة.
الطريق كان هادئاً أكثر من المعتاد. كأن العالم ينتظر شيئاً. حين وصل لم يكن هناك أحد. وقف في المنتصف. “جيد… لن يراني أحد.”
وضع سيفه جانباً. جلس على الأرض الباردة. أغمض عيني. “إذا كان هذا حقيقياً… فأظهر.”
صمت. لحظات. ثم أخرى. لا شيء. تنفس ببطء. “مرة أخرى…” ركّز. حاول استدعاء ذلك الشعور. لكن — لا شيء.
فتح عينيه بعنف. “لماذا؟!” ضرب الأرض بقبضته. “أين تختفي؟!” وقف فجأة. “في القتال أنت هنا… وعندما أحتاجك… تختفي؟!”
بدأت أنفاسه تتسارع. “هل أنا أتوهم؟!” ضغط على رأسه. “لا… لا… لقد شعرت بها. رأيتها. أنا لا أتخيل!”
تراجع خطوة. ثم أخرى. “إذن لماذا…؟”
جلس مرة أخرى. لكن هذه المرة لم يحاول. فقط… فكّر.
“ماذا أفعل عندما تظهر؟” أغمض عيني. استحضر كارل وهجماته. “كنت أراها.” استحضر جين. “كنت أشعر بثقله.” استحضر إيمي. “كنت أضيع.” استحضر نور. “لم أشعر بشيء.”
فتح عينيه ببطء. “هذا ليس ثابتاً. ليس قانوناً. ليس مهارة.” توقف. “إنه… فوضى.”
ابتسم. لكنها لم تكن ابتسامة حقيقية. “قدرة…؟” ضحك بخفوت. “هذا ليس قدرة. هذا عبء.”
وقف. ثم اتخذ وضعية القتال. “إن لم تأتِ… سأقاتل بدونك.”
في تلك اللحظة — خطوة. استدار. كان كارل. نظر إليه. “بدأت دوني؟”
لم يرد دارون. رفع سيفه. “هيا.” ابتسم كارل. “جيد.” واندفع.
الهجمة الأولى. دارون لم ينتظر الشعور. تحرك بناءً على ما تعلمه. ما يعرفه. ما جسده تذكّره. تفادى بصعوبة. الثانية تفادى. الثالثة تأخر. جرح خفيف على الساعد. تراجع.
“أنا أستطيع…” اندفع كارل مجدداً. دارون حاول. فشل. ثم حاول. فشل. ثم — توقف.
“كفى…” خفض سيفه. كارل توقف. “ماذا؟”
نظر إليه دارون. عيناه مختلفتان عما كانتا. “لن أقاتلك.” عبس كارل. “تستسلم؟” هزّ رأسه. “لا… أنا لا أفهم.”
الصمت. اقترب كارل خطوة. “اشرح.”
تنفس دارون ببطء: “عندما أقاتل… أحياناً أرى كل شيء. وأحيانً لا أرى شيئاً. لا يوجد نمط. لا يوجد تحكم. لا يوجد سبب. كيف أقاتل بشيء لا أفهمه؟”
الصمت طال. كارل لم يسخر. فقط نظر إليه بعيون أكثر هدوءاً مما اعتاد.
“إذن لا تستخدمه.” تجمّد دارون. “ماذا؟” “قاتل بدونه. حتى تفهمه.”
كلمات بسيطة. لكنها كسرت شيئاً. نظر إلى الأرض. “بدونه… إذن أنا ضعيف.” قبض على سيفه. ثم بدأت يداه ترتجفان. ليس من التعب. بل من الإدراك. “أنا… أعتمد عليه.” رفع رأسه ببطء. “أنا خائف…” خرجت المنه دون وعي. “خائف من القتال بدونه. خائف أن أموت… لأنني لا أملك شيئاً غيره.”
سقطت ركبتاه. الأرض الباردة استقبلتهما. لم يحاول النهوض. “ما أنا بدون هذا؟”
صمت. ريح خفيفة مرت فأزاحت بعض الغبار. ثم خطوات. أحدهم اقترب.
لم ينظر. لكن عرف. إيمي. جلست بجانبه بلا كلام. بلا مواساة مصطنعة. فقط كانت هناك.
بعد لحظات قال بصوت منخفض: “أنا لا أفهمها… لكنها سبب بقائي حتى الآن. لا أعرف كيف أقاتل حتى. لا أعرف أي شيء.”
نظرت إليه. “ثم ماذا؟” صمت. ثم قال: “قبل أن يهاجم كارل… أشعر. ليس بهجمته. بل… بقراره.” اتسعت عيناها. “لكن…” أكمل: “ليس دائماً. أحياناً أرى كل شيء. وأحياناً لا شيء. هذا ليس طبيعياً. هذا غير مستقر.” خفض رأسه. “مخيف.”
لم ترد فوراً. ثم قالت أخيراً: “إذن لا تحاول السيطرة عليه. افهمه أولاً. حتى لو كلّفك ذلك الانهيار.”
الصمت طويل. دارون لم يرد. لم يتحرك. لكنه فهم شيئاً واحداً. “هذه القدرة ليست سلاحاً. وليست مهارة. إنها شيء أكبر.”
رفع رأسه ببطء. عيناه لم تعودا كما كانتا. ليس قوة. ولا ثقة. بل إرادة. إرادة تعرف أن أمامها طريقاً طويلاً وتقبل ذلك.