الفصل 18 - إمكانياته الكاملة
لم يكن الألم جديداً. لكن هذه المرة لم يكن هو ما أثقل جسده وعقله. كان القرار الذي اتخذه في الليلة الماضية.
وقف في ساحة التدريب وحيداً. السيف في يده. أنفاسه منتظمة على غير عادته. الهواء البارد يملأ رئتيه بوضوح جارح.
لم ينتظر أحداً. لم يحاول الإحساس بشيء. “اليوم لن أستخدمها.” لم يقلها بصوت عالٍ. لكنه شعر بها تثبت في داخله كقيد اختار وضعه بإرادته.
خطوات. لم يحتج للنظر. كارل. جين. إيمي. وقف الثلاثة أمامه.
قال كارل وهو يشبك ذراعيه: “سمعنا أنك قررت أن تصبح مقاتلاً حقيقياً.” أجابه بهدوء: “قررت أن أتوقف عن الهروب.”
ابتسمت إيمي ابتسامة خفيفة. جين حدّق فيه بعيون تقيّم. “جيد.” قالها بصوت منخفض. ثم تقدم خطوة. “اليوم لن نرحمك.” رفع سيفه. “هذا ما أريده.”
تقدم كارل أولاً. لم ينتظر. اندفع.
لكن هذه المرة لم يبحث دارون عن ذلك الشعور. لم يحاول رؤية هجماته بطريقة أخرى. فقط اعتمد على عينيه. جسده. ما تعلمه خلال أيام مضنية.
الضربة الأولى: تفادى. الثانية: صدّ. الثالثة — تأخر. جرح خفيف. تراجع. “بطيء…” سمع صوته. لكنه لم يتوقف.
اندفع. هجومه كان أضعف مما اعتاد. أبطأ. لكنه حقيقي. مبني على قرار لا على شعور غامض.
تبادلا الضربات. واحدة. اثنتان. ثلاث. خمس. ثم سقط.
أنفاسه ثقيلة. لكنه ابتسم. “أنا أقاتل.” ليس كالسابق. لكن بنفسه.
تقدم جين ثانياً. لم يمنحه وقتاً. “انهض.” نهض. فأسه كان جاهزاً بالفعل.
“مدافع…” تذكر. لا تهاجم مباشرة. اندفع نحوه، ضربة صدّها جين بسهولة. اندفاع بدرعه اصطدم به وأسقطه. الأرض أصبحت مألوفة.
نهض مرة أخرى. هذه المرة لم يهاجم مباشرة. دار حوله. راقبه. “دفاعه ليس مطلقاً.” ضربة وهمية لليمين. تحرك درع جين. فتحة خفيفة في اليسار. اندفع. لم يخترق. لكن جين ابتسم. “أخيراً… بدأت تفكر.”
ثالثاً كانت إيمي. وقفت أمامه. ابتسمت. “لن تستخدمها؟” أجاب: “لن أفعل.”
اختفت. تحركت بسرعتها الكاملة المعززة بقدرتها. ركلة. سقط. قبل أن ينهض ضربة أخرى. “سريعة…” نهض. حاول. فشل. مرة. مرتين. عشراً. لم يستطع لمسها ولا مرة. جسده لم يعد يستجيب. وقف بصعوبة ونظر إليها. “هذا مستواي الحقيقي. بدونها… أنا ضعيف.”
صمت. ثم ضحك بهدوء. لم تكن سخرية بل حقيقة يتقبلها.
خفض سيفه. “كفى…” قالها جسده قبل لسانه. لكن كارل تقدم. “لم ننتهِ.” جين أمسك فأسه. إيمي اختفت مرة أخرى.
في تلك اللحظة أدرك شيئاً. “لن أستطيع مقارعتهم بدونها. سأُسحق.” قبض على سيفه. جسده يصرخ. عقله متعب. “ليس بعد.”
أغمض عيني. “ليس بعد.” فتح عيني. هذه المرة لم يحاول استدعاء الشعور. بل ترك كل شيء ينهار. التعب. الألم. الخوف. “خذها. خذ كل شيء. لكن دعني أرى.”
وفي تلك اللحظة — انفجر العالم.
لم يكن شعوراً. لم يكن إحساساً خفيفاً. بل إدراك. كامل. مرعب.
كارل لم يعد مجرد خصم. رأى كل حركة ممكنة له، كل مسار متاح. جين — كل زاوية دفاع، كل نقطة ضعف في طبقاته. إيمي — كل مسار ممكن لحركتها. ليس هذا فقط، بل السبب. لماذا سيتحركون. متى. كيف. العالم أصبح بطيئاً. واضحاً. قاسياً في وضوحه.
“هذا مستحيل.”
تحرك. تفادى هجمة إيمي للمرة الأولى. صدّ ضربة كارل بدون جهد ظاهر. تجاوز جين كما لو أنه ثابت.
“أنا أرى كل شيء.”
لكن الألم بدأ. رأسه كأنه يتمزق. عيناه تحترقان. أنفاسه تنهار. لكنه لم يتوقف. “أكثر… قليل فقط.” اندفع. ضربة. كارل سقط. تحرك. جين تراجع. إيمي لأول مرة تأخرت.
“كفى…” رفض جسده الاستمرار. العالم اهتز. الصورة تشوهت. “لا ليس الآن.” لكن انقطع كل شيء. ركبتاه اصطدمتا بالأرض. يده ارتخت. السيف سقط. الرأس ينكسر. سقط.
أصوات بعيدة. “دارون!” “تراجعوا!” “ماذا حدث له؟!” لم يستطع الرد. فقط ظلام.