الفصل 65 - حرب العصابات (20)
تحت سماء شاحبة لا تعكس سوى رمادية الطريق الطويل وثقل ما يُحمل عليه — كان جيش فيرون يزحف.
كأفعى جريحة تعرف وجهتها ولا تعرف بالضبط ما الذي ينتظرها هناك، لكنها تزحف على أي حال لأن التوقف خيار لا يُطرح. لم يكن الطريق مجرد مسافة تُقطع — كان صراعًا مع الجغرافيا ذاتها. الأرض الحجرية الصلبة التي لا تُعطي للقدم ما تطلبه، والريح التي لا تُسمح ولا تمنح. غادرنا أسوار فيرون الحصينة عبر الطريق الشمالي وتركنا خلفنا راحة المدينة — تلك الراحة التي لم تكتمل أصلًا — لندخل في عمق السهول الحجرية الواسعة التي لا تعرف الرحمة ولا تطلبها.
في اليوم الثالث —
كانت أقدام السبعمائة جندي تضرب الأرض الصلبة للساحة الهائلة بإيقاع متعب لكن مستمر. تلك المنطقة المنبسطة الواسعة التي تقع في منتصف الطريق بين فيرون ومدينة سبارك — ثلاثة أيام وصلنا إليها، ويومان بعدها للوصول إلى معقل سيد الرماد.
الرياح في الساحة الهائلة كانت تعصف بلا هوادة — ليست رياح تُبرّد بل رياح تُضيف — تحمل ذرات رمل حارقة تجد طريقها خلف الدروع وإلى حواف الأعين وبين الشفاه. تصفر بين الفولاذ والجلد بصوت لا يتوقف. لا أشجار كالغابة الغربية الضخمة لتمنح ظلًا أو سترًا. لا تلال كسلسلة الجبال لنختبئ خلفها. كنا مكشوفين تمامًا في كل اتجاه — مرئيون لأي عين تُراقب من الأفق.
وهذا بالضبط ما جعل التوتر يصل إلى ذروته.
امتطيتُ جوادي بجانب إيمي.
الجواد كان يسير بخطوات ثابتة تعكس أنه أكثر راحةً مما أنا عليه — جسدي كان عبارة عن كتلة من الألم المخزّن الذي لا يجد وقتًا للتعبير عن نفسه فيُراكم. العقل الفعّال كان يُرسل نبضات باهتة في حوافه — يحاول معالجة البيانات المحيطة بعد ما استُنزف منه في الغابة، لكنه يفعل ذلك ببطء رجل نائم على وشك الاستيقاظ. والفهد الأسود لا يزال في سباته العميق — قابعًا في مكان ما من أعماقي بعيدًا وصامتًا.
نظرتُ إلى المقدمة.
يوليوس.
يمتطي جواده الضخم الداكن اللون الذي يبدو وكأنه يُدرك ثقل راكبه ويفخر به. يوليوس كان يُمثّل في هذا الجيش شيئًا لا يُعوّض — ليس فقط القوة، بل الثبات. قمة المستوى الرابع. الوجود الذي يجعل الهواء من حوله يتصرف بشكل مختلف، والفضاء يُدرك أن شيئًا أثقل من المعتاد يمر خلاله. كان الرادع الوحيد الذي يمنع جيش سيد الرماد من الهجوم الشامل الكاسح — حضوره وحده كان يُعيد حساب أي مخطط.
توقف الرتل لاستراحة قصيرة عند حافة صخرية مطلة على امتداد الساحة.
اقتربتُ من محمد.
كان يجلس بعيدًا عن الآخرين بمسافة تقول أنه يحتاج الفضاء لا لأنه يكره القرب بل لأن قربه منهم الآن يُصدر ضغطًا على أعصاب لم تتعافَ بعد. هالات سوداء واضحة حول عينيه. جلده يحمل ذلك الشحوب الذي يختلف عن شحوب الإرهاق العادي.
— “كيف تشعر يا محمد؟”
سألتُه بصوت مبحوح صار أكثر هدوءًا مما يجب.
نظر إليّ. وشعرتُ بفيض إرادته — غير مستقرة، تتحرك بطريقة تُشبه النهر الذي فقد ضفافه ويبحث عن شكله.
— “الأمر غريب يا دارون. السهول الحجرية الواسعة تجعل بصيرة الهلاك تصرخ في رأسي بشكل لا أستطيع إيقافه. أشعر بترددات الأرض تحتنا — كل شق وكل طبقة. وبدقات قلوب الجنود حولنا كأنها طبول ضخمة تُقرع في أذنيّ. جسدي يرفض استيعاب القفزة للمستوى الثالث — كأن شيئًا ما يقول أن ما حدث في الغابة لم يُكتمل هضمه بعد.”
توقف، ثم أكمل:
— “وأشعر وكأن أعصابي تشتعل. ليس بالمعنى المجازي.”
— “عليك أن تتماسك.”
قلتُ له بجدية لا أستطيع تليينها لأن الموقف لا يحتمل التليين.
— “نحن في الساحة الهائلة. والعيون التي تُراقبنا من الأفق لا تنام.”
انضم إلينا كارل.
كان يُثبّت جبيرته المسحورة على ذراعه المحطمة — تلك الجبيرة التي تجمع بين الحديد المقوّى والأعشاب المشبعة بالإرادة الطبية. وجهه يحمل تلك الابتسامة المريرة التي تقول أن صاحبها يرى المفارقة لكنه لا يجد فيها شيئًا يستحق الضحكة الحقيقية.
— “أتعلمون ما المضحك؟”
قال بتلك الابتسامة.
— “كنتُ أظن أننا الأقوى في كل مكان نقف فيه. ثم نظرةٌ واحدة إلى يوليوس وهو يُقدمنا تجعلني أُدرك كم نحن صغار حقًا. هو في قمة المستوى الرابع، ونحن بالكاد نتمسك بحواف المستوى الثاني.”
ثم أضاف وعيناه تتجهان نحو محمد:
— “بما أنك انتقلت إلى المستوى الثالث — أعطني تقييمًا حقيقيًا. ما مستوى قوة يوليوس من وجهة نظرك؟”
نظر محمد إليه بذلك الفتور الذي يكون فيه الشخص مرهقًا جدًا للكذب أو للمبالغة في الدقة.
— “قوي لدرجة لا أستطيع تخيل نفسي أُواجهه. حتى بصيرة الهلاك — حين حاولت تحليله — لم تستطع اكتشاف نقاط ضعفه. كأنه لا يملك نقاط ضعف يمكن لمستواي رؤيتها.”
تحدث جون بصوته العميق وهو يمر بجانبنا ويسمع آخر ما قيل:
— “الصلابة ليست في المستوى وحده يا كارل. سيد الرماد يعلم أن يوليوس هنا ويعرف ما يعنيه ذلك. لن يُواجهه مباشرة — هذا انتحار. سيحاول استنزافنا نحن. الحلقات الأضعف. يكسرنا واحدًا بعد واحد حتى يتعب يوليوس من الحماية.”
نظرتُ إلى ستارك.
كان واقفًا بعيدًا بمسافة مدروسة — لا بعيدًا بما يعني أنه يتجنب، لكن بعيدًا بما يعني أنه يحتاج فضاءه. فقد بريقه المعتاد — ذلك البريق الهادئ الثابت الذي كان يُضفيه على المكان بمجرد وجوده. أصبحت عيناه تعكسان ثقلًا لا يوصف تمامًا. الأوامر الثلاثة في الغابة تركت ندوبًا في روحه قبل جسده — نوع الجروح التي لا تُرى في فحص طبيب ولكنها موجودة.
ثم اهتزت الأرض.
ليس اهتزاز الزلزال الذي تُسبقه أصوات وتُتبعه أصوات — بل موجة من الإرادة السوداء انبثقت من قلب الساحة الهائلة بصمت مقصود. موجة لا تُسمع بالأذن بل تُحسّ في عظام الصدر والحنجرة، كضغط تحت الماء فجأة.
من بعيد — عند الأفق المتجه نحو سبارك — ظهرت أشباح.
سريعة. منتظمة في حركتها بطريقة لا تشبه الفوضى الطبيعية. لم يكونوا جنودًا عاديين يندفعون في هجمة عشوائية.
فرقة. مُشكّلة ومُوجّهة. رجلان من المستوى الثالث في المقدمة يحملان درعًا سوداء اللون بنقوش رمادية غير منتظمة تُشبه آثار حريق. ومن حولهما وخلفهما — عشرات من كلاب الرماد المشوّهة، تجري بحركة تشبه حركة المياه المسرعة أكثر مما تشبه حركة الحيوانات.
استغلوا انبساط الساحة الذي جعلنا مكشوفين — نفس الشيء الذي جعلنا نراهم من بعيد كان يجعلهم يروننا من أبعد.
— “تشكيل الدفاع!”
زأر ستارك بصوت استعاد فيه جزءًا من سلطته القيادية — زأر الرجل الذي يعرف أن جسده قد لا يستطيع القتال لكن صوته وعقله لا يزالان يعملان.
استيقظ العقل الفعّال في داخلي بضربة مؤلمة — كمن يُوقظ شخصًا بعد نومٍ ثقيل بصفعة. رأيتُ المسارات بوضوح رغم البهتان الذي يُعاني منه الوعي: كلاب الرماد تنقسم إلى قسمين — جزء يندفع نحو الأطراف لتشتيت الجنود وإجبارهم على الانقسام، وجزء آخر أذكى يدفع نحو المركز. والقائدان من المستوى الثالث يتجهان مباشرة نحو الفرسان المتدربين — نحونا تحديدًا.
لكن شيئًا كان يُعيق المعالجة.
غبار الساحة لم يكن طبيعيًا — كان مشحونًا بشيء يُسمى رماد الروح. ذرات دقيقة في الهواء تُولّد تشويشًا في المعالجة العقلية حين تدخل الرئتين والحواس. الصور كانت أبطأ. التحليل أقل دقة. كأن ضبابًا خفيًا وُضع بين ما أرى وما أُدرك.
— “إيمي — لا تبتعدي عني!”
صرختُ وأنا أتفادى مخلب كلب رماد ضخم جاء من الجانب بسرعة لم أحسبها بالدقة الكافية — مر على بُعد سنتيمترات عن ذراعي وأجزت أن الهامش كان كافيًا.
إيمي غرست نصلها القصير في عين الوحش بحركة واحدة سريعة دقيقة — لا إسراف في الحركة، لا ثانية زائدة. الوحش سقط.
كيرا كانت تتحرك في محيطنا كطيف يُختار توقيته لا موقعه — تظهر وتختفي وتقطع وتعود. نصلاها الفضيان يصنعان حراكًا لا يمكن تتبعه في الوقت الفعلي إلا بعد أن تُحسّ نتيجته.
لكن الضغط كان يتصاعد.
أحد قائدَي المستوى الثالث — رجل ضخم يرتدي درعًا مصنوعة من عظام مُركّبة بطريقة مقصودة تُعطيه هيبة الشيء الذي لم يُبنَ للجمال — وجّه صولجانه الثقيل المشحون بإرادة سوداء مكثفة نحو جين بقوة حسابية باردة.
طرااااخ.
جين استخدم درعه الارتدادي — استوعب الضربة وردّ جزءًا من قوتها — لكن الصدمة كانت أكبر مما أعدّ له. جسده الذي خرج من الغابة لم يُعطَ الوقت الكافي للتعافي. عضلاته المتمزقة جزئيًا تحت الضغط الجديد. بصق دمًا بهدوء من يتقبّل الثمن دون أن يتوقف.
وفي تلك اللحظة — تدخّل محمد.
اختفى من مكانه في ومضة واحدة — بصيرة الهلاك تحمله بسرعة المستوى الثالث رغم أن جسده لم يكن مستعدًا لها. ظهر خلف القائد وسيفه المنحني يشق الهواء بحركة ارتكز فيها كل شيء في جسد يحترق على القرار.
اخترق الدرع العظمي من فجوة في اللحم بين الكتف والرقبة.
لكن القائد استدار بسرعة — بسرعة المستوى الثالث التي لم يحسبها محمد بالكامل — وأطلق ركلة بقدمه الضخمة في صدر محمد.
طار محمد أمتارًا وارتطم بالأرض الحجرية الصلبة بصوت سمعته.
وحين بدأ التوازن يختل حقًا —
تحرّك يوليوس.
لم يركض. لم يندفع. خطا خطوة واحدة للأمام.
خطوة واحدة فقط.
لكنها كانت خطوة تجعل الأرض ذاتها تُعلن أن شيئًا تغيّر.
تشققات رقيقة صدعت الحجارة الصلبة تحت قدمَي القائدين من المستوى الثالث في نفس اللحظة التي وطأت فيها قدم يوليوس الأرض — كأن وجوده المُعلن بالحركة يُذكّر الأرض بحضوره.
انبعثت منه هالة ذهبية.
ليست الهالة العادية التي يمكن الوصف لها بالألوان فقط — كانت هالة قمة المستوى الرابع. ضغط جوي انخفض فجأة في نطاق عشرين مترًا من حوله. الهواء كان يتصرف كأنه يُعيد ترتيب نفسه حول مركز ثقل جديد. وجنود العدو — حتى من المستوى الثاني — سقطوا على ركبهم دون أن تلمسهم يد. ليس لأنهم يختارون ذلك، بل لأن أجسادهم أُرغمت.
تحدث يوليوس.
بصوت هادئ — هادئ بطريقة الأشياء التي لا تحتاج لرفع الصوت لأنها تملأ الفضاء بدونه.
— “لقد تجرأتم على مهاجمة رجالي فوق هذه الأرض.”
رفع يده.
انطلقت موجة — طاقة رياح صرفة نقية لا تشبه أي ريح طبيعية. مسحت كلاب الرماد في ثانية واحدة كاملة كأنها لم تكن موجودة أصلًا. بلا صراع. بلا مقاومة. فقط غياب.
القائد العظمي المدرّع بالعظام حاول الهرب — جسمه الضخم يندفع بعيدًا بسرعة المستوى الثالث.
أشار يوليوس بإصبعه فقط.
صاعقة واحدة من الإرادة الذهبية المشبعة بالرياح — دقيقة في مسارها وإن كانت ضخمة في قوتها — انطلقت وحطّمت القائد قبل أن يقطع عشرة أمتار وحوّلته إلى رماد حقيقي يتفرق في الريح.
الثاني سقط قبل أن يُفكر في الهرب.
وانسحب ما تبقى من القوات المعادية نحو سبارك في رعب واضح لم يجدوا فائدة في إخفائه.
حين غابت الشمس وظهرت النجوم الباهتة فوق الساحة الهائلة —
نصبنا خيامنا.
المعسكر كان يئنّ بصوت خافت تحت وطأة التعب — تعب الجسد والتوتر والمسار الطويل الذي لا يزال أمامه يومان. السبعمئة جندي ينظرون إلينا حين يمر أحدنا بعيون تجمع الخوف والرجاء بطريقة تُثقل الكتف.
اجتمعنا في خيمة القيادة.
يوليوس أمام الخريطة. إصبعه يُشير إلى سبارك التي أصبحت أقرب مما كانت بيومين كاملين.
— “نحن الآن في قلب الساحة الهائلة. غداً نمر بمحاذاة السهول الحجرية لندخل منطقة الحصار. ما رأيتموه اليوم كان اختبارًا — سيد الرماد يُقيّم، لا ينتهي.”
نظر إلينا واحدًا تلو الآخر بتلك الطريقة التي تجعل كل من تصله النظرة يشعر أنه هو تحديدًا الذي يُخاطَب.
— “محمد — جسدك ينهار. إذا استخدمت المستوى الثالث مرة أخرى قبل وصولنا، قد لا تعود قادرًا على المشي في اليوم الذي نحتاجك فيه أكثر.”
— “ستارك. جين. دارون — عليكم أن تفهموا دوري بوضوح: أنا هنا لحمايتكم من الرؤوس الكبيرة. لكنني لن أستطيع حماية كل جندي في كل لحظة. المعركة القادمة هي معركة بقاء الأرقام — كل شخص يسقط مبكرًا هو ثقل أضعف لما يأتي.”
خرجتُ من الخيمة.
إيمي كانت تنتظرني.
لم تكن تجلس ولم تكن تقف — كانت تقف بالقرب من الخيمة بتلك الطريقة التي تعني أنها لم تُرد الابتعاد. شعرها البني الفاتح كان يتحرك في الريح الباردة لليل، وعيناها البنيتان تنظران نحو الأفق الشمالي حيث كانت أضواء مدينة سبارك تلوح في الظلام البعيد — خافتة ومتفرقة كعيون شيء يترقب.
— “دارون… هل تشعر بهذا؟”
همست وأمسكت بيدي.
نظرتُ نحو تلك الأضواء البعيدة.
— “نعم.”
وشعرتُ في أعماقي — في ذلك المكان الصامت الهادئ الذي يُقيم فيه الفهد الأسود غيبوبته — بشرارة. صغيرة. خافتة جدًا. لكنها حقيقية بطريقة لا تحتمل الشك.
كأنه سمع ما قيل.
وكأنه يستعد.
— “سيد الرماد ينتظرنا في سبارك.”
أكملتُ.
— “وغداً تبدأ المرحلة الأخيرة.”
استندت إيمي برأسها على كتفي بهدوء — برأس تعبت من الحمل لكنها لم تتوقف عن الحمل. وفي صمت الساحة الهائلة التي تحمل في هوائها رائحة ما جرى وما سيجري —
أقسمتُ لنفسي.
أن النصر في سبارك لن يُكتب فقط بالدماء.
بل بالإرادة التي تأبى أن تنطفئ.
مهما اشتعل حولها.