الفصل 64 - حرب العصابات (19)
كانت رائحة فيرون قد تغيّرت.
ليس تغيرًا تدريجيًا يحدث عبر أيام — بل تغيّر الساعات القليلة التي تنقلب فيها طبيعة المكان كاملًا. لم تعد تفوح منها رائحة الأسواق والمخابز التي كانت تعني أن الحياة تسير بإيقاعها المعتاد. طغت عليها رائحة الأعشاب المغلية الحادة التي تُقاوم الجرح، وضمادات الكتان المحروقة، وذلك الشيء الذي لا اسم مريح له — صديد الجراح التي تأبى الالتئام.
القاعة الطبية الكبرى في المدينة كانت قد تحوّلت من مكان للعلاج إلى خلية نحل لا تتوقف — جيش من الممرضين والمتطوعين يتقاطعون في ممراتها بأيدٍ لا تجد وقتًا للراحة. وعلى رأس كل هذا كانت إينا.
كانت تتحرك كطيف أبيض وسط بحر من الأجساد الممزقة — ثوبها الطبي الأبيض الذي لم يعد أبيض تمامًا، يدها اليمنى تعمل وعيناها تقيّمان المكان القادم قبل أن تصله. لم ينم جفنها منذ أن وطئت أقدامنا المدينة. يداها المغطاتان بدماء الفرسان والجنود كانتا تعملان بدقة مذهلة لا تشبه إرهاق — كأنها تعزف سيمفونية على أوتار اللحم والعظم، كل حركة محسوبة لغرض محدد لا تزيد عنه ولا تنقص.
— “أحضروا المزيد من محلول بتلات الضوء!”
صرخت وهي تحاول إعادة تثبيت كتف خالد المحطم — كتف انزاح عن مكانه بطريقة تجعل الإعادة جراحة لا مجرد ضغط.
— “رين — توقف عن المقاومة! السم لم يخرج بالكامل من كبدك بعد!”
القاعة كانت تموج بالأنين — أصوات متداخلة بأحجام مختلفة، بعضها خافت خطير وبعضها مرتفع يُخبر أن صاحبه لا يزال يقاوم بما تبقى لديه.
جلستُ على سريري وحاولتُ استيعاب ما حولي.
كارل ممدد بجانبي. ذراعه اليمنى ملفوفة بطبقات سميكة من الجبس المسحور والأربطة — ذلك الجبس الأبيض المشرب بالأعشاب الذي يجمع بين العلاج المادي والإرادي. الممرضة التي بجانبه كانت تشرح له بصوت خافت هادئ أن الأنسجة بدأت تتجدد — أن إرادته الخامدة التي أخمدها الجهد حمت الأعصاب في اللحظة الأخيرة. كارل يستمع دون أن يُجيب. يستمع بعيون مفتوحة تنظر إلى السقف كمن يعالج ما سمعه.
على الجانب الآخر من القاعة — محمد وستارك في غيبوبة اصطناعية.
جسد ستارك يرتجف بعنف كلما حاول عقله — حتى في اللاوعي — أن يسترد الأوامر الثلاثة التي أطلقها. كأن القدرة تُريد أن تُصفّي حساباتها وإن لم يكن صاحبها يقظًا. ومحمد الذي كان يرقص بسيفه المنحني كأنه شيء لا يُهزأ به — كان الآن يُعاني من ارتفاع مهول في درجة حرارة جسده بطريقة لا تشبه الحمى المعتادة. دماغه الذي قفز إلى المستوى الثالث فجأة كان كمحرك أُجبر على أقصى طاقته دون تبريد — يحترق من الداخل وهو يُعيد ضبط نفسه.
اقتربت إينا مني بعد ساعات.
وضعت يدها على جبهتي — يد باردة بذلك البرود الخاص للأطباء الذين يعملون منذ أمد طويل، والسحر الطبي فيها بارد أيضًا بطريقة مختلفة. شعرتُ به يمتص الصداع الحارق الذي خلّفه العقل الفعّال ببطء، كأنه يسحب جمرًا بملقط دقيق.
نظرت إليّ بتلك النظرة التي تجمع الإرهاق والجدية في وجه واحد.
— “دارون، أنت محظوظ بطريقة لا تعرف حجمها. عقلك كان على حافة ما لا يُعاد منه.”
توقفت، ثم أكملت بنبرة الطبيب الذي يقول الحقيقة لأن المجاملة في هذا الموضع تصبح خيانة:
— “الفهد الذي بداخلك ضحى بجوهر طاقته ليحمي قشرتك المخية. أنقذك من نفسك. لا تحاول تفعيل قدرتك لثلاثة أيام على الأقل — وهذا ليس اقتراحًا.”
ابتعدت دون أن تنتظر ردًا.
لم أجد ما أقوله على أي حال.
مع بداية الفجر — حين بدأ الضوء الأول ينسج خيوطه الأولى الرمادية الباردة فوق أسوار فيرون — سُمح لنا نحن المصابين الرئيسيين بالخروج إلى حديقة المشفى الخلفية.
مساحة صغيرة هادئة بعيدة عن ضجيج الجرحى الآخرين — حجارة مبلولة بندى الصباح، وأشجار صغيرة بعضها ينحني تحت ثقل ما يحمله الهواء من رطوبة.
جلسنا.
كنا عبارة عن لوحة من الضمادات والوجوه الشاحبة وما تبقى من جروح لا تزال تحكي قصتها. لكن العيون كانت تحمل شيئًا لم يكن موجودًا قبل يوم واحد — خبرة رسّبها ما عشناه وما كدنا لا ننجو منه.
كسر محمد الصمت بصوت مبحوح ثقيل، صوت حنجرة لم تُستخدَم منذ وقت:
— “لقد رأيتُ شيئًا. لم يكن مجرد تنبؤ — لم يكن من النوع الذي أعرفه. عندما عبرتُ بوابة المستوى الثالث، توقفت بصيرة الهلاك عن عرض الاحتمالات وبدأت تعرض الحقيقة.عملية بلوغ المستوى الثالث طويلة و صعبة و انا اختزلت تلك المدة كان احتمال موتي واردا على كل رأيتُ خيوط الحياة التي تربط الأعضاء ببعضها. رأيتُ كيف أن الإرادة هي التي تُمسك اللحم ببعضه. لكن الثمن…”
توقف.
— “شعرتُ وكأن روحي تتبخر.”
نظر إليه ستارك الذي كان يستند إلى عكاز خشبي بعيون غائرتين — عيون رجل استُنزف حتى صار ما تراه في أعماقهما أقل مما كان.
— “أنت محق. المستوى الثالث ليس مجرد زيادة في القوة. إنه تغيير في الهوية.”
تحدث بإيقاع بطيء كمن يُرتب ما يقوله:
— “قدرتي — الكلمة المتجلية — تسمح لي بتغيير قوانين الواقع لثوانٍ. والأوامر الثلاثة التي أصدرتها: الصفاء، السكون، البرق — كل واحد منها كان يستهلك شيئًا ليس من الطاقة. من عمري. من ذلك المخزون الذي لا يُعاد ملؤه.”
توقف وتنفس.
— “أقصى ما أستطيع فعله هو ثلاثة أوامر. الرابع سيعني توقف قلبي فورًا. لقد وصلنا جميعًا إلى سقف الإرادة — كل منا بطريقته الخاصة.”
تنهّد كارل ونظر إلى ذراعه الملفوفة بالجبس — تلك النظرة الطويلة التي تُحاسب لا تتأمل:
— “أنا تعلمتُ أن القوة دون وسيلة احتواء هي انتحار بطيء. قدرتي — الضربة الارتجاجية — تُعزز الهجوم بقوة غير طبيعية. لكن عظامي لا تزال عظام إنسان من المستوى الثاني.”
نظر إلى الجبس.
— “في اللحظة التي فعلتُ فيها الحمولة الزائدة، تحطم سيفي وتحطمت يدي لأن الترددات التي صنعتُها أكبر مما يحتمله ما يحملها. عليّ أن أجد طريقة لتصليب الجسد قبل أن أضرب مرة أخرى. وإلا — ستكون الضربة القادمة أسوأ من أي خصم.”
تدخّل جون، الذي كان يضع مشدًا حديديًا حول صدره — حديد يُضغط على ضلوع مكسورة للحفاظ على ما تبقى منها:
— “هنا تكمن ثغرتي أيضًا. قدرتي تُضخم العضلات وتُصلّبها حتى لا يخترقها سيف المستوى الثالث. لكن العظام — العظام بقيت كما هي. الألياف العضلية تتصلب، العظام لا.”
— “لو تلقيتُ ضربة ارتجاجية من شخص مثل كارل، لتهشمت عظامي داخل درع لحمي الصلب. وهذا أسوأ من أي اختراق عادي.”
نظر للجميع.
— “نحن أنصاف أبطال. كل منا يكمل نقص الآخر ويملك ثغرة يملؤها الآخر. وهذا — إن لم نفهمه — سيقتلنا.”
صمتت بيث طويلًا قبل أن تتكلم. كانت تنظر إلى يديها بتلك النظرة التي تُقرأ فيها أشياء.
— “أنا اكتشفتُ أن المرونة المطلقة ليست مجرد قوة عصر وإمساك. إنها تعطيل للدورة الدموية للإرادة. عندما التففتُ حول الرئيس، لم أكن أضغط على جسده فقط — كنتُ أخنق تدفق الطاقة في عروقه. أسكت الإرادة نفسها.”
توقفت.
— “لكنني أكون مكشوفة تمامًا لأي هجوم خارجي أثناء ذلك. لا يدَين حرتين. لا دفاع. أحتاج دائمًا لمن يحمي ظهري — وإلا فإن ما يجعلني أخطر ما لديّ يصبح ما يقتلني.”
التفتت الأنظار نحو إيمي وكيرا وجين.
أيمي كانت تمسح دمًا جافًا عن شفتها بإصبعها ببطء، ثم نظرت للجميع:
— “نحن نعتمد على التناغم. قدرتي في السرعة تجعلني أرى العالم كأنه يتوقف — لكن رئتيّ لا تستطيعان تحمل الأكسجين المحروق بهذه السرعة لفترة طويلة. دقيقتان هو الحد قبل أن تبدأ الرؤية بالتلاشي.”
نظرت إلى جين:
— “وجين — قدرته في الارتداد هي درعنا الوحيد الحقيقي حين تضيق الخيارات. لكن استهلاكها للطاقة الإرادية مرعب. كل ارتداد يأخذ أكثر مما يبدو.”
ثم توقفت قليلًا وأكملت بصوت أهدأ:
— “وكيرا — هي التي تجعل الفجوة الصغيرة قاتلة. لكنها تحتاج أن تكون تلك الفجوة موجودة أصلًا. دون أحد يصنعها — مهارتها لا مكان لها.”
تحدثتُ أنا أخيرًا.
صوتي تردد في الحديقة الهادئة:
— “أنا والعقل الفعّال — اكتشفنا في تلك المواجهة شيئًا لم أكن أعرفه. العدو يستطيع التلاعب بالمدخلات الحسية. راؤول استطاع إبطاء أفكاري بتلويث خيوط إرادتي مباشرة — دخل إلى المعالجة ذاتها وأثّر فيها. وهذا يعني أن قوتي الأساسية — المعالجة — هي نقطة ضعفي حين تُهاجَم.”
توقفت.
— “الفهد الأسود هو صمام الأمان الذي حمى ما لم أستطع حمايته بنفسي. لكنه الآن في غيبوبة. وحين يغيب — أتحول لمقاتل عادي يمتلك مخالب وبصيرة دون العمود الذي يحملهما.”
نظرتُ للجميع.
— “تعلمنا في هذه الغابة شيئًا واحدًا لم نكن نعرفه بهذه الوضوح: لسنا لا نُقهَر. نحن فقط أكثر قدرة على تحمل الألم من الآخرين. والفرق بينهما — فرق عظيم.”
استمر النقاش ساعة كاملة.
تبادلنا ما لم نتبادله من قبل — الأسرار الحقيقية، نقاط الضعف التي لا يعرفها أحد، الحدود الدقيقة لكل قدرة، الثمن الخفي لكل مهارة. لم تبنِ سنوات التدريب هذا النوع من الثقة — بنته ليلة واحدة صهرتنا في بوتقة واحدة بطريقة لا تُصنع بالاختيار.
كانت لحظة بناء ثقة حقيقية. النوع الذي لا يُنسى.
توقف الحديث حين ظهر أحد حراس يوليوس الشخصيين.
طلب منا التوجه فورًا إلى مكتب الاجتماعات.
سرنا بمشقة — نجر جراحنا خلفنا بصمت المحاربين الذين تعلّموا أن التذمر لا يُغير الألم، فقط مشيناه. حتى دخلنا القاعة.
يوليوس كان يجلس في وسطها.
خرائط مهترئة وخرائط جديدة تملأ الطاولة أمامه، ونماذج خشبية للمدينة والغابة ومناطق أخرى أعرف بعضها ولا أعرف الآخر. وجهه — وجه يوليوس الذي اعتدت أن أجد فيه دائمًا تلك الطمأنينة المبنية على القوة — كان الآن شيئًا آخر. كأنه نُحت من صخر بركاني في ليلة واحدة. الغضب لم يهدأ منذ رأيناه آخر مرة — لكنه تحوّل من نار تشتعل إلى برود قاتل.
— “اجلسوا.”
قالها بصوت كأنه رعد بعيد ينذر بعاصفة لم تصل بعد.
انتظر حتى استقر الجميع.
ثم ضرب بيده على الخريطة الأمامية.
— “لقد بلغنا أقصى حدودنا في الدفاع. الاستمرار في انتظار ضربات سيد الرماد يعني انتحار فيرون ببطء — وبطريقة تختارها هي لا نحن.”
توقف لحظة، وعيناه تجولان على الخريطة.
— “خسرنا خيرة رجالنا في خدعة دنيئة. ولن نسمح له بتكرارها.”
ثم بدأ في سرد الأرقام بنبرة لا تُخفي ما وراءها:
— “سيد الرماد لا يزال يمتلك عشرة مقاتلين من المستوى الثالث. وثلاثة عشر قائدًا من المستوى الثاني. وحوالي ألف وخمسمئة مقاتل محترف. هذه الأعداد كفيلة بمسح مدن كاملة دون أن تلفت النظر.”
رفع عينيه إلينا.
— “أما نحن — بعد الخسائر المأساوية — فأقصى ما يمكنني حشده هو سبعمئة جندي. ومعنا الفرسان الثمانية الرسميون المتبقون. وأنتم — الفرسان المتدربون الذين نجوا من الجحيم الليلة الماضية.”
ساد الصمت.
لم يكن صمت من لا يجد ما يقوله. كان صمت من يسمع الأرقام ويُعالجها ويجد في النهاية الفجوة بينهما شاسعة بطريقة لا تُطمئن.
— “الخطة بسيطة ومميتة في آنٍ واحد.”
أكمل يوليوس.
— “لن ننتظر حصاره. نحن من سنقوم بمحاصرته. ننطلق فجرًا. المسيرة خمسة أيام للوصول إلى معقله. وفي نهايتها — نخوض المعركة التي ستحدد البقاء أو الزوال.”
وقف ستارك بصعوبة حقيقية — عكازه يُصدر صوتًا على الأرض الحجرية:
— “يوليوس — الجنود محطمون نفسيًا قبل جسديًا. ونحن بالكاد نستطيع الوقوف. يومان فقط للتعافي — ألا يمكن؟”
ردّ يوليوس بصرامة لا تترك مساحة:
— “الانتظار هو ما يريده. هو يعتقد الآن أننا ننوح على جثثنا ونعدّ خسائرنا. غداً حين يرى غبار جيشنا يقترب منه — سيعرف أن فيرون لا تموت. تزحف كالكابوس.”
— “ستتلقون أفضل العلاجات والمنشطات الليلة. غداً فجرًا — أريدكم على خيولكم.”
خرجنا من القاعة.
كل منا يحمل ما سمعه بطريقته الخاصة.
خمسة أيام. هذا كل ما يفصلنا عن المواجهة النهائية.
نظرتُ إلى السماء المرصعة بالنجوم فوق فيرون — تلك النجوم التي لا تعرف شيئًا عما يجري تحتها. تذكرتُ جثث الثلاثمئة وثمانية عشر. الأرقام التي لا تبقى أرقامًا لمن عرف أصحابها.
لم يكن ما سنفعله غداً طلبًا للمجد.
كان زحفًا للانتقام. زحفًا لقطع رأس الرماد قبل أن يحرق ما تبقى من عالم يستحق البقاء.
انصرف الجميع بهدوء.
وكانت إيمي لا تزال بجانبي.
شدّت يدي بقوة — بتلك القوة التي تعني أشياء أكثر مما تستطيع الأصابع التعبير عنها — وهمست:
— “خمسة أيام يا دارون…”
— “لنحرص على أن نعيش لنرى اليوم السادس.”
أومأتُ برأسي.
وفي أعماقي — في ذلك المكان الهادئ المُظلم الذي كان فيه الفهد الأسود نائمًا في غيبوبته — شعرتُ بشرارة.
صغيرة. خافتة.
لكنها حقيقية.
كأنه سمع.
وكأنه يستعد.