الفصل 63 - حرب العصابات (18)
استيقظتُ والكون يدور من حولي كعجلة محطمة لا تعرف أين تتوقف.
لم يكن ثمة صوت يملأ الهواء سوى حفيف الأشجار التي تحرّكها ريح لا تعرف ولا تكترث، وأصوات الأنفاس المكتومة — تلك الأنفاس التي تحاول التشبث بالحياة بطريقة هادئة مؤلمة، كأن الجسد يعرف أن الصراخ لن يُفيد فاختار الصمت بديلًا. مرت نصف ساعة فقط منذ انتهى كل شيء. لكنها كانت كافية ليغرق المكان في ذلك الصمت الخاص — صمت الجنائز. صمت ما بعد الانتهاء.
فتحتُ عيني.
الضوء كان أكثر مما يحتمله رأسي. ثقل يسحق الجمجمة من الداخل — ليس ألم الجرح العادي الذي يُعرَّف بمكانه، بل ذلك الألم المنتشر الشامل الذي يتركه العقل الفعّال حين يُدفع إلى ما وراء حدوده. أرض محروقة — هذا ما كان عقلي عليه. كل مكان نظرتُ إليه بداخلي وجدتُ فيه رماد الجهد المُبالَغ فيه.
وفي الأعماق — في ذلك المكان الذي بات مألوفًا — سكون مطبق.
الفهد الأسود كان نائمًا في قاع وعيي نومًا لا يشبه نومه المعتاد. كان مستهلكًا حتى آخر ذرة من طاقته، مستهلكًا بطريقة الجسد الذي أعطى أكثر مما ينبغي وسقط بعدها دون أن يطلب إذنًا. ذلك الاندماج الأخير — حين دمجتُ بصيرة العقل الفعّال مع غريزته في تلك اللحظة القريبة من النهاية — كان قد كلّفه ما كلّفني.
نظرتُ حولي بصعوبة.
ما رأيته كان يُدمي القلب بطريقة هادئة.
الجميع في الحالة التي لا يتمنى الإنسان رؤية من يُحبهم فيها — يضمّدون جراحهم بخِرَق بالية بدائية، أيادٍ ترتجف وهي تضغط على مواضع النزيف، وجوه تحمل آثار ما مرّوا به ليس فقط في الجروح المرئية بل في العيون التي تقول أشياء لم تستطع الأفواه قولها.
على مقربة مني — رين وخالد.
رين الذي اعتدت أن أراه ثابتًا كأنه جزء من الأرض التي يقف عليها — كان شاحب اللون بطريقة تجاوزت الإرهاق إلى شيء أعمق منه. وجهه كان رماديًا مائلًا للبياض، وعروقه البارزة تحت الجلد كانت لا تزال تصارع بقايا السم الذي تسرّب إلى أعماقه. الترياق كان قد سُكب في فمه، لكن السم لم يكن مستعجلًا للرحيل. خالد إلى جانبه في الحال ذاتها — وجهه يحمل نفس شحوب الموت المؤجل، والتنفس بجهد واضح يُخبر عن معركة داخلية لا تنتهي بانتهاء القتال الخارجي.
وكارل —
نظرتُ إلى ذراعه ثم شحتُ ببصري فورًا.
كان ما رأيته شيئًا لا يُنسى — العظام بارزة بطريقة لا تتوافق مع ما يجب أن يكون عليه الجسد البشري. شيء ما في المعركة كسر ما لا يُكسر بسهولة. لكن إحدى الممرضات العسكريات اقتربت مني وهمست بنبرة تحمل يقينًا أراح قلبي بمقدار ما:
— “يمكننا إعادتها. الإصابة لم تمسّ العصب الأساسي.”
وهذا كان يعني أن الضرر قابل للإصلاح. لا يُشفى من تلقاء نفسه، لكنه قابل للإصلاح. وفي هذا الوقت كان الفرق بين كل شيء ولا شيء.
لكن المأساة الحقيقية —
كانت في ستارك ومحمد.
ستارك ممدود كأنه جثة هامدة ينقصها فقط الثبات النهائي — استنزف روحه بثلاثة أوامر مطلقة في معركة واحدة، وكل أمر مطلق له ثمنه الذي يُؤخذ من المكان الذي لا يرى ولا يُقاس. وجهه الذي اعتدت أن أرى فيه ذلك الهدوء الصلب المتمرس كان الآن مصفرًا شاحبًا، تنفسه بطيء يسبق الانقطاع.
ومحمد — الذي رقص بسيفه المنحني ولم يتوقف — أحرق جهازه العصبي بتجاوز حدود المستوى الثالث لأول مرة. للمرة الأولى. وجسده يُدفع ثمن الاكتشاف. كانا يصارعان للبقاء في هذا العالم بطريقة لا يمكن قياسها أو مساعدتها بالعلاج الجسدي فقط.
ونظرتُ إليهما طويلًا.
ولم أجد ما أقوله.
شعرتُ بظل يقترب.
ثم بدفء يجلس بجانبي.
إيمي.
لم تنطق بكلمة في البداية. جلست بصمت مطبق كأنها تفهم أن بعض اللحظات لا تحتاج كلامًا وأن الكلام فيها قد يكون أقل من الصمت. شعرها البني الفاتح كان منسدلًا حول وجهها بعد أن تحرر من ضفيرته في خضم القتال، ووجهها — وجهها الذي اعتدت أن أجد فيه إما مزاحًا أو هدوءًا — كان عاريًا من كليهما. فقط ما هو حقيقي.
ثم وضعت رأسها على كتفي بحركة هادئة بطيئة.
شعرتُ برعشة خفيفة في جسدها. ليست من البرد — بل من شيء آخر يتراكم في الداخل حتى يجد متنفسه في الرعشة. وبصوت مخنوق تحاول أن تجعله أهدأ مما هو في الحقيقة:
— “أنا سعيدة لنجاتك… دارون.”
لم أُجب.
لم يكن لديّ طاقة للكلام — ليس لأن الكلمات لم تكن موجودة، بل لأن الجسد المنهك يختار أحيانًا الصمت لا لأنه لا يريد القول بل لأن ما يريد قوله أكبر مما يُقال.
عدّلتُ وضعية كتفي ببطء رغم الألم الحارق الذي اندفع في تلك الحركة الصغيرة — عدّلته ليتسنى لرأسها أن يرتاح بشكل أفضل. ولم أقل شيئًا.
كان صمتي هو ردّي الوحيد.
ومواساتي الوحيدة لها وسط ما كان يحيط بنا.
بدأت الأرقام تتسرب إلينا ببطء — كل رقم ثقيل بطريقة الأشياء التي تُقاس ولا يمكن التراجع عنها.
خمسون مقاتلًا فقدناهم في البداية. لكن الآن — مئة وثمانية عشر جنديًا فارقوا الحياة في هذه الغابة التي لم تعد مجرد غابة. وستة فرسان متدربين ذهبوا وكانوا قد دخلوا هذا الطريق بأحلام واضحة وأمل واضح وجسد يتعلم — وانتهوا هنا في طين هذه الغابة.
كانت إيريس جالسة على حجر قرب شجرة كبيرة، بجسد من استُنزف كل ما فيه ولم يُبقِ شيئًا للمظهر. ونور بجانبها تُسندها — تلك الطريقة التي يُسند بها شخص آخر حين يكون هو أيضًا بحاجة لمن يُسنده.
وحدها بيث وجون كانا في حالة أفضل نسبيًا مما حولهما.
جون — الذي ضرب بكل ثقله في مواجهة القائد السادس — كان يُظهر الكسور في ضلوعه بطريقة لا يُفصح عنها وجهه. أدركتُ حينها الشيء الذي فاتني من قبل في فهم قدرته: هو يُصلّب العضلات ويضخّمها، يجعل كل ما هو لحم في جسده درعًا. لكن التصليب لا يطال العظام. العظام تبقى عادية — هشّة أمام ضربات المستوى الثالث التي تحمل إرادة تُضاعف الثقل. وهذه كانت نقطة ضعفه الوحيدة التي ظلت مفتوحة.
بعد عشرين دقيقة من الجلوس في ذلك الصمت الثقيل الهادئ —
نهض من استطاع الوقوف.
واستعددنا للعودة.
لم يكن الاستعداد يعني أن أحدنا كان مستعدًا فعلًا — بل يعني أن الطريق وراءنا لم يعد خيارًا والمدينة أمامنا لم تكن رفاهية بل ضرورة. يجرّ بعضنا بعضًا. يُساعد من يستطيع من لا يستطيع.
كانت إيمي تسير بجانبي.
أمسكت بيدي. ليس بالطريقة العابرة لمن يسير بجانبك — بل بالقوة الكاملة لكف تحتاج أن تُمسك بشيء حقيقي ثابت. أصابعها حول أصابعي وكنتُ أستطيع أن أُحسّ نبضات قلبها تحت جلدها البارد — نبضات سريعة متقاربة لا تُخفي ما بداخلها. كان نبضًا يملؤه الخوف الذي لم ينته بانتهاء القتال.
خرجنا من الغابة.
وأمامنا — أسوار فيرون.
كنتُ أتطلع إليها بذلك الشوق الذي يجعل المكان المألوف يبدو أجمل مما هو في حقيقته. تلك الحجارة الصلبة الثابتة التي تعني الأمان والسقف والفراش وكل شيء لا يملكه الطريق.
لكن —
ما استقبلنا عند الأسوار لم يكن ذلك.
أمام الأسوار كانت هناك جثث. عشرات من الجثث ملقاة على الأرض كحجارة لا قرار لها في أين تقع — جثث مقاتلين ومدنيين، مرتبة بفوضى الموت الحقيقي لا بنظام الرواية. رائحة الموت كانت هنا أقوى منها في الغابة بطريقة غريبة — ربما لأن الغابة تأخذ الروائح في أشجارها، أما الحجارة فتُبقيها.
اعتصرت قلوبنا بذعر حقيقي.
اندفعنا نحو الداخل بأقصى ما تملكه أقدامنا المنهكة.
بمجرد دخولنا —
كانت فيرون التي نعرفها قد اختفت.
المدينة التي تركناها — بشوارعها المألوفة وأصواتها اليومية ورائحتها الخاصة — كانت قد تحوّلت إلى شيء آخر في غيابنا. الجنود المصابون يملأون الممرات بأجساد يحمل كل منها قصته الخاصة من الليلة. العربات تُحمَّل ببطء موت ثقيل في كل زاوية. أصوات المعالجين وأوامرهم المقتضبة تقطع الهواء.
وفي منتصف كل هذا —
كان يوليوس جالسًا.
لم يكن مصابًا بجرح واحد يمكن رؤيته. جسده كان سليمًا بالمعنى الجسدي الحرفي. لكن الهالة التي كانت تُحيط به كانت شيئًا آخر تمامًا — ذلك الضغط الثقيل الصامت الذي يصنعه الغضب حين يتجاوز مرحلة الانفجار ويستقر في مكان أعمق وأخطر. كان الغضب حوله يجعل الهواء نفسه يبدو مشحونًا، كأن الاقتراب منه يعني الاقتراب من شيء على وشك أن يُحسم.
اقتربتُ منه.
صوتي ارتجف رغمي:
— “يوليوس… ماذا حدث هنا؟”
رفع عينيه إليّ ببطء.
كانتا تحملان جمرًا تحت رماد — تلك الطريقة الأخطر للغضب، حين يكون باردًا لا ساخنًا، هادئًا لا صاخبًا. أجاب بذلك الهدوء المخيف الذي يعني أن من يتكلم قد تجاوز الغضب العادي وأصبح في مكان آخر:
— “هاجمونا. عشرة قادة من المستوى الثالث وألف مقاتل محترف. بالكاد تمكنّا من جمع نصف عددهم من الجنود للدفاع.”
صمت. ثم أكمل وصوته يتحرك من الهدوء نحو حدة أكثر وضوحًا:
— “صحيح أنني كنت هنا. وصحيح أنني قتلت أولئك العشرة بنفسي. لكنهم اعتمدوا التضليل اللعين. أرسلوا لي تضحيات بشرية من المستوى الثالث — مجرد طعوم لتشتيتي بعيدًا — لكي ينفردوا بالفرسان.”
توقف لحظة. ثم:
— “النتيجة؟ خسرنا أحد فرساننا الرسميين. وخمسة فرسان متدربين. ومئتان من جنودنا الصناديد.”
ضرب يوليوس الطاولة الخشبية بجانبه بقبضته — ضربة واحدة حاسمة نهائية — فتحطمت الطاولة بصوت ملأ الفضاء وبقي يتردد.
— “لقد خُدعنا. كانت معركة الغابة مجرد تشتيت لتفريق قوتنا ومهاجمتنا من جهتين في آنٍ واحد. أعدادهم تفوقنا بمراحل. أتباع سيد الرماد من المستوى الثالث ضعف عدد فرساننا — ضعف العدد بالمستوى ذاته. لم نكن نملك فرصة حقيقية في هذه الخدعة.”
ثم نظر إلينا جميعًا — نظرة تجمعنا كلنا في رؤية واحدة.
— “أولًا — اذهبوا لتلقي العلاج. تخلصوا من آثار الدماء والسموم وكل ما يحمله أجسادكم من آثار هذه الليلة.”
توقف.
— “ثم سنتكلم. حول هذه الحرب اللعينة التي — للأسف — لم تبدأ بعد. هذا كان مجرد إعلان.”
الصمت الذي تلا ذلك كان مختلفًا عن كل الصمتات التي سبقته في هذا اليوم الطويل.
كان صمت من سمع وفهم وأدرك أن ما يأتي أكبر مما مضى.
وليس أحد منا وجد ما يقوله في مواجهة ذلك.