الفصل 62 - حرب العصابات (17)
ساد الغابة الغربية جو من الثقل الجنائزي.
الأشجار صامتة بطريقة تختلف عن صمت الطبيعة المعتادة. هذا الصمت كان يحمل. كأنها قررت أن تشهد وتبقى صامتة لأن ما جرى تحتها لا يحتاج تعليقًا.
بينما كان القلب يحسم صراع الخيانة، كانت الأطراف مشتعلة بجحيمها الخاص. كل زاوية معركتها. كل شخص ثمنه.
في بقعة تسكنها الظلال الكثيفة، كان محمد وحيدًا أمام ثنائي لا يشبه ما واجهه من قبل.
القائد الأول يمتلك انسياب الظلال. يختفي داخل ظل أي شجرة ويظهر خلف هدفه من ظل آخر. خناجره السوداء تترك جروحًا دقيقة لكنها تتراكم. ولا توجد ضربة يمكن توجيهها نحو شيء لا يبقى في مكانه.
القائد الثاني يمتلك تصلب العظام. نتوءات عظمية حادة نبتت من جسده لتغطيه بدرع طبيعي وسلاح في آنٍ واحد. قنفذ بشري. ما يلمسه يؤلم من يلمسه.
محمد ينزف من أماكن متفرقة. ذراعه اليسرى تتدلى بعد أن ضربها القائد العظمي بمرفقه المصفح. وبصيرة الهلاك تصرخ في عقله بتحذيرات متلاحقة لكن الجسد المنهك لا يواكب السرعة الكافية للاستجابة.
وفي تلك اللحظة التي تلاشت فيها الرؤية ولم يبقَ فيها سوى الظلام…
حدث شيء.
انفجار. من الداخل. من مكان أعمق من العضل والعصب والعظم.
محمد تخطى حدوده البشرية.
لأول مرة، لم يعد يرى فقط نقاط الضعف الجسدية كما تعلمها وصقلها. رأى خيوط الحياة نفسها. شيء أعمق من الهشاشة الجسدية. تيار الوجود في كل كائن أمامه.
المستوى الثالث لم يُطلب. أتى. لأن الجسد أوصل الروح إلى الحافة فقفزت.
بصيرة الهلاك تطورت في تلك اللحظة نفسها.
لم يعد يرى نقاط الضعف بعد أن تبرز. بدأ يرى اهتزاز الظل قبيل خروج الخصم منه. تلك الرعشة الخفيفة التي تحدث في الظلام قبل أن يتشكل منه شيء.
استدار.
وقطع الهواء خلفه.
القائد الظلي خرج يتشكل من الظل ووجد السيف المنحني ينتظره. لم يكتمل تجسده. الحنجرة شُقت قبل أن تستقر في مكانها.
سقط.
والتفت محمد نحو القائد العظمي.
الصفائح العظمية تغطيه من كل اتجاه. لا مكان للسيف. لكن بصيرته الجديدة أرته شيئًا مختلفًا. نقطة المركز. المكان الذي تتدفق منه الإرادة لتغذي هذا الدرع البيولوجي. ليست نقطة جسدية. نقطة طاقة.
ضربة واحدة. مشحونة بكل ما تبقى.
غرس سيفه في الثغرة التي لا تُرى إلا بعيون بلغت ما بلغها.
سقط القائد الثاني.
وسقط محمد خلفه مباشرة.
عيناه تنزفان دمًا داكنًا من الضغط العصبي الذي تجاوز كل حد. ذراعه محطمة. جهازه العصبي على حافة الاحتراق. نال المستوى الثالث لكن الطريق إليه لم يكن مجانيًا.
لم يكن أبدًا.
في جهة أخرى من الغابة، كارل وعمر أمام قائد يمتلك الامتصاص الحركي.
كل ضربة من سيف كارل تزيد الخصم قوة. كل جهد يُوجه نحوه يُعاد إليه في اتجاهٍ آخر. وعمر يبحث يائسًا عن فجوة في ذلك الدرع المتحرك الذي لا يُضعَف بالهجوم.
“كارل! اضرب بكل ما تملك في النقطة التي سأحددها!”
عمر يلقي بجسده في مسار الهراوة. ضربة تتلقاها يداه يشتتان بها انتباه القائد. الثمن واضح.
وفي تلك الفجرة الصغيرة التي صنعها عمر بجسده…
ركز كارل. الضربة الارتجاجية بأقصى ما يملكه. كل ذرة إرادة في نصل السيف.
الانفجار الضغطي حطم الدرع.
لكن قوة الارتداد رجعت على ذراع كارل اليمنى بما لا تحتمله العظام.
صوت الكسر واضح في هدوء ما بعد الانفجار.
سقط كارل مغشيًا عليه من شدة الألم.
وأجهز عمر على الخصم المنهك بما تبقى في يديه.
رين كان قد فقد صوابه.
القائد الذي أمامه يستخدم الغازات الحارقة. والقتال في وجودها ليس قتالًا عاديًا. كل نفس يحرق قليلًا. كل ثانية تراكم.
وخالد خلفه.
يتلقى ما يُوجَّه نحو رين. الحروق تتراكم عليه. والسموم تجد طريقها.
ثم جاءت الطعنة المسمومة.
في كتف خالد.
ليس لأنه لم يستطع تجنبها. لأنه اختار استقبالها بدلًا من رين.
هذا المنظر فجّر في رين شيئًا تجاوز كل مستوى وكل حساب. غضب أسود لا يسأل ولا يفكر.
انقض على القائد.
بما بقي له من سيف وبما لا يُسمى سلاحًا بالمعنى المعتاد.
والنتيجة كانت بشاعة تليق بما أراد رين تحقيقه في تلك اللحظة.
ثم سقط رين بجانب خالد.
كلاهما يقطر سمًا ودمًا. وما بينهما من المسافة لم تتجاوز طول يد.
أما المواجهة الأكثر تعقيدًا فكانت إيمي وكيرا وجين.
القائد يمتلك الفراء الفولاذي.
على جسده فراء كثيف داكن ليس شعرًا بالمعنى البيولوجي. ألياف معدنية مترابطة بقوة الإرادة. تمتص. تصد. تجعل ما يلامسها ينزلق.
سيوف إيمي السريعة تنزلق فوقه دون أثر.
طعنات كيرا الحرجة تتحطم قبل الجلد.
والقائد يضحك.
“إنه جدار حي!”
صرخت إيمي وهي تتراجع وكتفها يكاد ينخرق من نصل.
جين رأى ما يجب فعله.
وهو قرار لا يسأل عن العاقبة.
“سأفتح لكم الثغرة. استعدوا.”
الارتداد الفائق بأقصى طاقته. ليس لصد هجوم. لفعل شيء مختلف.
ركّز القوة كلها في نقطة واحدة من درعه.
واندفع.
الاصطدام بصدر القائد أطلق موجة ارتداد هائلة شقت ما بين ألياف الفراء المعدني. ليس كثيرًا. لكنها ثانية واحدة. ثغرة واحدة في شيء لم يكن له ثغرات.
وثانية واحدة كانت كافية.
انطلقت إيمي. انطلقت كيرا.
كيرا غرست نصلها في الجلد المكشوف تحت الفراء المتباعد.
وإيمي قطعت ما لا يُقطع حين يكون مغطى.
سقط القائد.
وانهار جين.
عضلات صدره تمزقت من قوة الاندفاع. درعه تشقق. التنفس أصبح عملية تحتاج إرادة.
وإيمي وكيرا تنزفان وتلهثان وجسداهما يحملان كل ما مر عليهما.
انتهت المعركة.
الغابة الغربية صمتت أخيرًا. لكنه صمت يمزق القلب. ليس صمت سلام. صمت ما بعد.
العصابات هربت في ذعر حين رأت سقوط قادتها أحد عشر ورؤساءهم. هربت كما تهرب الكائنات التي فقدت ما كانت تحاربه من أجله.
لكن النظر إلى ساحة المعركة الآن…
محمد ممدد وعيناه مغلقتان بالدم الداكن.
كارل بذراع محطمة يسكنها ألم يرفض الصمت.
رين وخالد يصارعان السمومَ والحروق.
وجين وإيمي وكيرا في استنزاف كامل يجعل حتى الجلوس جهدًا.
صمدت فيرون.
الغابة الغربية لم تصبح مقبرتهم.
لكن ثمن ذلك محفور على أجسادهم بطريقة ستبقى أطول من جروح العادية.
وفي مكان لا تصله أصداء هذه النهاية…
سيد الرماد يراقب.
لا يتحرك. لا يتدخل.
فقط يراقب ويحصي.
كما كان دائمًا.