الفصل 61 - حرب العصابات (16)
ساد الغابة جو من الثقل الجنائزي.
الأشجار لم تكن جمادات بعد الآن. كانت شهودًا. والهواء بينها كان يغلي بين ثلاثة أطراف لا يمكن أن تتواجد في نفس المكان دون أن تحسم شيئًا.
ستارك. نبله مجروح. عيناه تحمل تلك النار التي تولد حين يصل الإنسان إلى ما لا يتسامح معه.
أنا. غضب مستعر لا يشبه الغضب المعتاد. أعمق من ذلك بكثير.
وراؤول. الذي كان يفوح منه الموت كدخان أسود. يقف هناك بتلك الابتسامة التي تقول إنه لم يندم.
لم يكن هناك وقت للكلام.
انطلق راؤول كالسهم الأسود.
خنجراه يلمعان ببريق مسموم في الضوء المتقطع بين الأشجار.
“اندمج معي أيها الفهد!”
صرختها بأعلى ما أملك.
وشعرت به.
ليس استدعاء. ليس توجيهًا. اندماجًا حقيقيًا. الفهد يتداخل مع ذرات جسدي بطريقة لا تشبه أي شيء أشعرت به من قبل. عضلاتي تضخمت بشكل أشعرت بجلدي يشتد. عيناي تحولتا وأحسست بالتغيير في كيفية رؤيتي. ومخالب ظلية نبتت من أطراف أصابعي.
كنت وحيدًا لم أكن كافيًا. ستارك وحده لم يكن كافيًا. لكن هذا… هذا كان شيئًا مختلفًا.
اندفعنا معًا.
ستارك بضربة طولية شقت الهواء نفسه.
وأنا من الأسفل كظل لا يرحم.
لكن راؤول كان يبتسم.
“أتظنون أن الإرادة وحدها تكفي؟”
وفي اللحظة التالية، برودة.
تخترق الجمجمة بطريقة لا تُقاوم. وباء الإرادة.
خيوط العقل الفعال بدأت تضطرب أمامي. العالم الذي كان يتحرك ببطء منتظم يسمح لي بالتنبؤ تحول إلى فوضى من الصور المتداخلة. أفكاري أصبحت ثقيلة كأن عقلي يغرق في شيء أسود كثيف. قدرتي على قراءة الخيوط تلاشت في ثوانٍ.
وتلقيت طعنة في كتفي.
ترنحت.
“دارون! انتبه!”
ستارك. لكنه هو أيضًا تلقى ركلة أعادته خطوات.
كان ستارك يحترق من الداخل.
الكلمة المتجلية لا تُعطى مجانًا. تستهلك من شيء أعمق من الطاقة. وهو يعلم أن ثلاثة أوامر هي الحد الذي بعده ينهار جسده.
نظر إليّ. رأى عيني تائهتين في ضباب راؤول.
ورأى راؤول يستعد. الخنجر متجه نحو قلبي.
وفي تلك الثانية الواحدة…
اتخذ ستارك قراره.
“الأمر الأول: تجلَّ… الصفاء!”
وجّه يده نحوي.
انفجر نور ذهبي من راحته. ليس كضوء عادي. بل كشيء يُغسل به. وصل إلى عقلي وكأنه يمر عبر الجمجمة مباشرة. والسواد الذي زرعه راؤول في خيوطي تفتت في لحظة واحدة.
عادت الخيوط.
عاد العقل الفعال بكل دقته. بكل ذلك الوضوح المرعب الذي أعرفه.
“الأمر الثاني: تجلَّ… السكون!”
اهتزت الغابة. صوت ستارك حمل شيئًا لا تحمله الأصوات العادية.
وتجمّد راؤول.
حرفيًا. في مكانه. كأن الهواء من حوله تماسك وأمسك بكل جزء منه. فتح فمه محاولًا الصراخ. لكن إرادة ستارك كانت تثبته بما لا يقاوم.
“الأمر الثالث: تجلَّ… البرق!”
توهج جسد ستارك بنور يعمي الأبصار. وانطلق نحوي. أمسك بيدي.
ضغطتها.
كانت يده ترتجف. التكلفة ظاهرة في كل خطوة. لكن في عينيه شيء لم يتراجع.
اندفعنا.
كإعصار من النور والظل في لحظة واحدة. ستارك بسيفه الذهبي. وأنا بمخالب الفهد وعقل يرى مسارًا واحدًا.
خططته في جزء من ثانية. المسار الوحيد. الثغرة الوحيدة في إرادة راؤول المجمّدة.
ووصلا.
سيف ستارك اخترق الصدر.
ومخالبي مزقت العنق والجانب الأيمن.
لكن راؤول… في لحظة احتضاره الأخيرة، في تلك الشرارة الأخيرة من الإرادة التي لا تستسلم حتى حين يستسلم الجسد…
غرس خنجره المسموم في خاصرة ستارك بعمق.
سقطنا جميعًا.
ستارك ينزف بغزارة. جرحه بليغ. درعه تحطم. وأنفاسه متقطعة بطريقة تقلق.
وأنا…
شعرت بالعقل الفعال ينطفئ.
ليس تدريجيًا. فجأة. كأن مفتاح أُدير.
رأسي كان ينفجر من الداخل. الألم من نوع لم تعتده الجسد من قبل. وجسدي يرتجف من ذلك الإرهاق العميق الذي يأتي من الاستنزاف الكامل.
سقطت على ركبتي.
الرؤية بدأت تسود من الأطراف. والصوت الوحيد الواضح كان أنفاس ستارك المتقطعة بجانبي.
في الجانب الآخر، الأرض تتزلزل.
الرئيس الجديد كان وحشًا حقيقيًا. سيفه الأسود الضخم يحطم ما يلمسه. جون وبيث كانا أمامه ويصمدان. لكن الصمود وحده لا يحسم.
“حان وقت إظهار الحقيقة.”
بيث. بصوت هادئ ومرعب.
وجسدها بدأ يتلوى.
المرونة المطلقة بكامل إمكانياتها.
لم تعد تمشي. تنساب. أطرافها حبال فولاذية تلتف حول الرئيس بسرعة لا تُتابَع. لا تطعنه. تعتصره. والدرع الذي صمد لضربات جون يبدأ يئن تحت ضغط مختلف. والهواء ينفد ببطء.
“أفلتيني أيتها اللعينة!”
ضربة بمقبض السيف نحو رأسها.
لكنها جزء من جسده الآن. لا مكان يصلها منه.
وتقدم الجبل.
جون يقطر دمًا. يقطر دمًا وفيه شيء لا يتراجع.
وجه الرئيس الضربة اليائسة الأخيرة. سيفه نحو صدر جون العاري.
الصوت حين اصطدم السيف بجلد جون لم يكن صوت سيف يقطع. كان صوت سيف يصطدم بشيء لا يستحق صياغة تُقطع. الجلد تحول. الفولاذ المعتق بعمر سنوات. والسيف ارتد.
“دورنا الآن.”
صوت جون يخرج من عمق.
رفع الفأس بكلتا يديه. كل ما تبقى من إرادة المستوى الثالث يتدفق نحو النصل.
وبيث تثبت الرأس في الوضعية المثالية. بصبر من يعرف أن التوقيت هو كل شيء.
الفأس هوى.
كصاعقة حقيقية. لا مجاز.
النصل شق الخوذة. ثم شق ما تحتها. واستقر في منتصف الصدر.
سقط الرئيس الجديد جثة هامدة. محطمًا بشكل لا يتصاعد منه أي سؤال.
انتهى القتال.
بيث انهارت بجانب الجثة تلهث. جون استند على فأسه وألفظ ما لم يجب إلفاظه.
وأنا كنت أحاول الزحف نحو ستارك.
أصابعي على الأرض. والتراب بارد. والرؤية تتلاشى من الأطراف نحو المركز بطريقة لا تسمح بوقف.
صوت طنين يملأ الأذنين. العقل الفعال استنزف كل طاقة عصبية في جسدي حتى الأخيرة. الثمن الذي دفعته لم يكن بالضربات. كان باستنزاف شيء أعمق من الجسد.
قبل أن يغمى علي تمامًا، رأيت.
ظلال الجنود المتبقين يهرعون نحونا.
وجسد راؤول على الأرض. خامد. لا يتحرك.
وجسد ستارك الذي تتقطع أنفاسه.
دفعنا الثمن.
لكن فيرون لا تزال صامدة.
وهذا…
كان كافيًا.
أغلقت عيني.
واستسلمت للظلام الذي كان ينتظر بصبر.
في انتظار ما سيأتي به الفجر الجديد.
Sou:الدفعات ستكون عشر فصول كل يوم و لكن سينشر فصل كل ساعة او ساعتين