الفصل 60 - حرب العصابات (15)
ساد سكون مريب في قلب الغابة الغربية.
بعد أن هدأت عواصف القتال الأولى، بدأت الأرض المبللة بالدماء تتنفس بطريقتها الخاصة. رائحة النصر بدأت تتسلل إلى الصدور المتعبة. اجتمعنا في المنطقة الفسيحة حيث تتشابك الأشجار لتصنع ساحة طبيعية. الجنود يتبادلون نظرات الارتياح. الفرسان المتدربون يضمضون جراحهم بابتسامات باهتة لكن حقيقية.
انتصرنا.
أو هكذا خيل إلينا.
أحصينا خسائرنا. خمسون جنديًا تركوا أرواحهم تحت هذه الأشجار. ثمن باهظ. لكنه كان ثمن إنجاز يُقاس بما يحمله مقابله.
انضمت إيريس وفريق الرماة ونور. إيريس تمسح قوسها بعناية وعيناها ترقبان الأفق بابتسامة هادئة من نوع الابتسامة التي تعرف ما وراءها.
ثم انقطع حبل الهواء في صدري.
غريزة لا قرار. فعّلت العقل الفعال.
تحول العالم في لحظة. الخيوط الحمراء الممتدة في كل اتجاه كانت متوترة بطريقة لا تشبه ما رأيته في أي معركة سابقة. ليس توتر مقاتلين مستعدين. توتر تطويق.
ثم نزلت علينا تلك الإرادة.
كالجبل حرفيًا. ثقل الهواء تضاعف في ثانية واحدة.
مئة مقاتل محترف في دروع سوداء. رايتهم لم أرها من قبل، لكنها تحمل من الهواء شيئًا لا يحتاج ترجمة.
ويتوسطهم رجل طويل القامة. إرادته من المستوى الثالث تفيض كالبخار السام. ومعه خمسة قادة من المستوى الثاني، عيونهم باردة بطريقة العيون التي تعرف أنها لن تحتاج إلى كثير.
سُحبت السيوف من أغمادها. صوت الدروع. وإرادة ستى في صدور منهكة لكنها لم تخسر شيئًا يستحق الخسارة بعد.
“إيريس! انتبهي!”
صرختها خرجت وتلاشت مع صرخة أخرى مزقت كل شيء.
صرخة إيريس.
استدرنا.
وتجمد الدم.
راؤول. واقف خلفها مباشرة. وخنجره المسنن مغروس في خاصرتها بعمق يقول إن من فعل هذا يعرف تمامًا ما يفعله.
لكن وجهه كان الأشد صدمة.
ليس راؤول الذي نعرفه. الملامح نفسها لكن فيها شيء لم يكن موجودًا. ابتسامة شيطانية تعكس شيئًا لم يظهر من قبل. وهالته التي كانت مريبة دائمًا دون أن يستطيع أحد تحديد لماذا، أصبحت الآن واضحة كالشمس.
هالة خيانة.
أول من تحرك كان ستارك.
كالسهم. بلا حساب. هجوم وحشي بسيفه مباشرة.
لكن راؤول تراجع بخفة لا تصدق. وانضم إلى جانب رئيس الأعداء واقفًا بثبات واستفزاز كأنه كان هناك منذ البداية.
ونور تسرع نحو إيريس والدم. وغضب ملأ الهواء من الصدور التي لم تتوقع هذا.
نظر ستارك إلى راؤول بعيون اشتعلت بشيء أعمق من الغضب.
“كنت أتوقع هذا. لم أرتح لك منذ اللحظة الأولى.”
ضحك راؤول. بردودة تهز الأوراق.
“توقعاتك لم تحمِ رامتك يا ستارك. أنتم منهكون، محاصرون، وبلا عين ترشدكم. الغابة ستكون مقبرتكم الجماعية.”
الغضب الذي تملكني كان أعمق من الأعمى.
خيوط العقل الفعال تحولت من الأزرق إلى الأحمر القاني. نظرت إلى ستارك الذي يرتجف من شدة الإرادة المكبوتة.
“ستارك. سأساعدك. هذا الخائن لن يخرج من هنا حيًا.”
كلمات خرجت من بين أسنان مضغوطة بقوة.
انطلق التنسيق من الغريزة والبقاء لا من الخطة.
“جون! بيث!”
صرخها ستارك بصوت قائد لا يشك.
“توليا أمر الرئيس الجديد. المستوى الثالث لا يهزمه إلا المستوى الثالث.”
تقدم جون. الصرخة التي أطلقها ضخّمت جسده. والأرض شعرت بها. بيث انسابت بجانبه كأفعى تختار وقت الإضراب.
محمد، الذي كان لا يزال يلهث، تحرك بعزيمة الشخص الذي قرر أن التعب سبب لا مبرر. أحاط بقائدين من المستوى الثاني. سيفه المنحني يشع ببصيرة الهلاك.
“اذهبوا لقتل الخائن. سأتكفل بهذين حتى لو كان الثمن حياتي.”
كارل وعمر أمام قائد ثالث. إرادة كارل التي ولدت للتو تهتز من حوله كالحرارة فوق الصحراء.
رين، لا يزال يقطر دمًا وهالته الوحشية بالكاد تهدأ لبعض التفكير البشري، استعاد ذلك البعض. أمام القائد الرابع. وخالد خلفه.
والقائد الخامس أمام إيمي وكيرا وجين. ثلاثة لا يريد أن يكون أمامهم من رأى ما يفعلون.
اندفعت أنا وستارك نحو راؤول.
راؤول كان يستخدم خنجريه ببراعة تجعل تحديد مكانه تخمينًا. وقدرته في تذبيل المحيط كانت تعمل. الأرض تحت أقدامنا رخوة. الهواء ثقيل بطريقة مختلفة.
“عزز: الرؤية!”
عينا ستارك توهجتا بالذهب. وأنا فعّلت العقل الفعال بأقصى طاقة يمكنني تحملها.
خيوط راؤول أمامي. سوداء. ملتوية. مليئة بالسموم كما لو أن الخيانة نفسها لها خيوط وهذا هو لونها.
“ستارك، من اليسار!”
انزلق ستارك تحت الطعنة. ووجه ضربة مائلة كادت تحسم كل شيء، لكن راؤول اختفى في سحابة دخان مسموم وظهر خلفي.
“أنت أول من سيموت يا دارون.”
همسها في أذني.
ولم يكمل.
لأن الفهد لم يسمح له.
انقض من ظلي بمخالبه التي أصبحت بالحجم الذي أصبحت عليه في الغابة العميقة. جرح عميق في ذراع راؤول. وتراجع إجباري لم يخطط له.
في الجانب الآخر، جون وبيث أمام الرئيس الجديد.
كل ضربة من جون تحدث زلزالًا مصغرًا. الرئيس الجديد يحمل سيفًا طويلًا مشحونًا بطاقة مظلمة تترك شرارًا أسود عند الاصطدام.
“تصلب!”
جون يصبح كالألماس.
طعنة مباشرة من الرئيس نحو القلب.
لكن بيث كانت هناك قبل أن تصل. التفت حول ذراع الرئيس كشريط من الحرير. خنجرها في الكتف. الضربة حادت.
الرئيس أطلق موجة إرادة سوداء دفعتهما للخلف. لكنهما لم يستسلما.
محمد في حالة التسامي القتالي.
بصيرة الهلاك تعمل بأقصى سرعتها. قائدان من المستوى الثاني في آنٍ واحد. والتفادي يبدو وكأنه رقص لمن يراه لا يعرف ما يحدث فعلًا. وكأنه يرى مسارات السيوف في الهواء قبل أن تبدأ.
كارل وعمر جدار.
القائد الذي أمامهما لم يجد فرصة للتنفس. كل ضربة ارتجاجية من كارل تحتاج صدًا كاملًا، وفي لحظة الصد كان عمر يضرب من زاوية لا تُرد.
رين وخالد.
رين يمزق. وخالد يؤمن. توازن وحشي بين القوة الغاشمة والدقة المساندة.
وإيمي وكيرا وجين.
القائد الخامس لم يكن أمام مقاتلين. كان أمام قدر يُنفَّذ. جين يدفعه للخلف. إيمي تمزق دفاعاته. وكيرا تترك فيه جراحًا لا تتوقف.
كان يموت ببطء تحت وطأة تنسيق لا يعرف الرحمة.
نظرت إلى إيريس في الخلف.
نور تضغط على الجرح بيدين ترتجفان. وإيريس تنظر نحونا بعيون لا تزال تحمل شيئًا لم يتركه السيف.
تذكرت كل لحظة.
كل التدريب. كل الأمل. كل من وقف بجانب من في هذه الغابة.
التفت إلى راؤول.
وشعرت بشيء في عقلي وصل إلى مستوى جديد. ليس فقط خيوطه. بل أعمق من ذلك. نقطة انكسار إرادته. المكان الذي لو ضُرب فيه لا يتعافى.
“راؤول.”
قلتها بصوت هادئ. هدوء ليس ضعفًا بل ضغطًا محكومًا على وشك الانطلاق.
“اليوم لن تموت كفارس. ستموت كجرذ حاول سرقة نور فيرون.”
فعلت ما لم أفعله من قبل.
اندماج. حقيقي. بيني وبين الفهد.
ليس توجيهًا. ليس استدعاءً. بل دمجًا.
شعرت بمخالبه تخرج من أصابعي. شعرت ببصيرته تندمج مع خيوط عقلي. رؤية مزدوجة. إدراك مزدوج.
وانطلقت أنا وستارك.
هجوم متزامن. بلا إشارة مسبقة. لأننا لم نحتج إشارة. الهجوم نفسه كان اللغة التي يفهمها من وقف في نفس اللحظات ورأى نفس الشيء.
هجوم لا يحمل سوى كلمة واحدة:
الانتقام.
والغابة بدأت تشتعل.
ليس بنار حقيقية. بنيران الإرادات المتصادمة التي تُصنع حرارتها شيئًا يُحسّ في الجلد قبل أن يُرى.
وفي سماء فيرون، الغيوم تتجمع.
كأن العالم نفسه يعلم أن ما يجري تحته سيحدد شيئًا لا يُعاد بعده.
———-
Sou:كم شخص توقع خيانة راؤول؟؟