الفصل 59 - حرب العصابات (14)
كانت الغابة الغربية في تلك اللحظة كائنًا حيًا يتقيأ دمًا وفولاذًا.
لم تعد خطوط جبهات واضحة. أصبحت بؤرًا مشتعلة من الصراعات الفردية، كل منها قدر يُنسج ومصير يُحسم. الأشجار العتيقة التي شهدت قرونًا من الصمت كانت تشهد الآن شيئًا مختلفًا: إرادات تُسحق وأخرى تولد من جديد تحت وطأة لحظات لا ترحم.
في بقعة تفوح منها رائحة الموت الناشف المتراكم، كان رين يواجه قائدًا يرتدي فراء ذئب بري.
رجل ضخم. مطرقة حربية تترك حفرًا في الأرض حين تضرب. وابتسامة من يعتقد أن الحجم وحده يحسم النقاشات.
“أنت لست سوى جرو تائه. سأهشم عظامك وأصنع منها قلادة.”
قالها ثم هوى بالمطرقة.
رين يعلم أن رمحه وحده لن يكفي ضد هذا. الفارق في القوة الخام واضح. وهو الذي وصل للمستوى الثاني بصعوبة لم يعتقد في لحظات منها أنه سيصله. لكن في تلك اللحظة، اتسعت عيناه، وشيء تغير فيهما. اللون الأحمر القاني يميل للسواد. ذلك اللون الذي يكون قبيل قرار لا رجعة فيه.
قرر.
الانتعاش الوحشي.
بدأت عضلاته تتشنج بشكل غير طبيعي. تضخمت. وخرجت منه هالة سوداء كثيفة تشبه الدخان حين يحترق شيء ثقيل.
في تلك اللحظة، توقف رين عن التفكير.
لم يعد هناك رين المرتزق. رين الذي يعرف رفاقه بأسمائهم ويحسب التكتيكات قبل الخطوة. بقيت رغبة واحدة فقط، صافية ومظلمة وعميقة كالجوع الحقيقي:
التمزيق.
اندفع نحو القائد بسرعة لم تكن بشرية بالمعنى المعتاد. الرمح في يده لم يتحرك كأداة مصقولة. تحرك كمخلب. كامتداد لشيء وحشي.
حاول القائد صد الاندفاع بمطرقته.
رين لم يتراجع.
تلقى الضربة بكتفه. الصوت كان مقلقًا. لكنه لم يتوقف. باليد الأخرى غرس أصابعه ورأس الرمح في صدر القائد بقوة تُشعرك أنها لا تأتي من عضل وحده.
والدم الذي خرج منه من الكتف لم يضعفه. بل على العكس. الألم كان وقودًا. كلما نزف أكثر ازداد شيء فيه وحشيًا وساخنًا.
انتهى النزال بطريقة لم يتوقعها أحد.
أمسك رين بالرأس بيديه العاريتين. ولم يمنحه شرف النهاية السريعة.
الزئير الذي انطلق أرعب الطيور في أعالي الأشجار.
وحين وقف رين بعدها بين الجثث، كان غائبًا عن الوعي البشري. جسد يتنفس. وعيون تبحث عن الفريسة التالية. وذكرى شخص اسمه رين في مكان ما خلف كل ذلك، ينتظر أن يُستدعى.
في مكان غير بعيد، كارل يرتجف.
المستوى الثاني كان جديدًا عليه. جديدًا بالمعنى الذي لم يستقر فيه بعد. لم يُصبح جزءًا من ذاكرة العضل والعقل. كان لا يزال شيئًا يُمسك به لا يمتلكه.
والقائد أمامه يعرف هذا.
خنجران مسمومان يتركان جروحًا صغيرة مقصودة في مواضع محسوبة. وسخرية تُطلق من لسان يعرف أن الكلمات تجرح بطريقة مختلفة.
“أنت عبء على رفاقك يا فتى. مت الآن لترتاح.”
سقط كارل على ركبتيه.
السم يبدأ بالسريان ببطء. والقائد يندفع لإنهاء ما بدأ.
وفي تلك اللحظة…
نبض.
ليس نبض القلب. شيء أعمق من ذلك. كأن شيئًا كان نائمًا في مكان خلف الصدر استيقظ فجأة حين أصبح الحافة هي الموضع الوحيد.
أنا لست عبئًا. أنا السيف الذي يحميهم.
الضربة الارتجاجية.
لم يهرب كارل.
قبض على مقبض سيفه بكل ما بقي في يديه المرتجفتين. وشعر بشيء يتدفق. ليس دمًا. إرادة. كل ذرة منها تتجمع نحو النصل، تحوله إلى كتلة تهتز بإيقاع لا يُرى لكنه يُحسّ.
اندفع القائد بخنجره نحو العنق.
“خذ هذه!”
الضربة المائلة من سيف كارل التقت بالخنجر.
ولم يكن الصوت صوتًا معدنيًا.
كان انفجارًا في الضغط. كأن الهواء نفسه صُدم وتراجع. تحطم الخنجر كالزجاج. واستمر السيف في مساره كأنه لم يجد مقاومة. الدرع اخترق. القفص الصدري اخترق. ضربة واحدة.
طار القائد في الهواء قبل أن يصطدم بشجرة.
وصوت اصطدام العظام بالخشب كان واضحًا في ذلك الصمت النسبي.
وقف كارل مذهولًا من يديه. من السيف الذي لا يزال يهتز. من شيء خرج منه لم يكن يعرف أنه يملكه.
إرادته ولدت.
الجبهة الأكثر تنسيقًا كانت إيمي وكيرا وجين.
قائد مخضرم بالرمح. طويل. ماهر في إبقاء المسافة. شخص يعرف أن الرمح الطويل يعني أنك تموت قبل أن تصل إليه.
بدأت إيمي.
خطوة النسيم.
تحولت إلى شيء بين الوجود وعدمه. غبش أبيض ينتقل بين الأشجار بسرعة جعلت الرمح يضرب الهواء مرة بعد مرة. القائد يلف. يضرب. يصيب المكان الذي كانت فيه قبل عشر من الثانية. وكانت قد انتقلت.
وفي هذا التشتيت المحسوب، تحركت كيرا.
نصل النزيف.
بهدوء لا يشبه ساحة معركة. بثقة من يعرف ما يفعله وأين يذهب.
كل ضربة من سيفها لم تكن تستهدف إنهاء القائد فورًا. كانت تستهدف الشرايين. المناطق التي حين تُلمس لا تتوقف عن إعطاء ما لديها. النزيف الذي يبدأ بعد كل لمسة بغزارة لا يوقفها شيء. كأن الجرح نفسه يرفض الإغلاق.
“أيتها الحشرات المزعجة!”
دار برمحه دورة واسعة يستهدف إيمي وكيرا معًا بنفس الحركة.
وهنا جاء دور جين.
الارتداد الفائق.
تقدم جين. ببطء مدروس. درعه الضخم أمامه. ووضعه أمام الرمح المنطلق.
الرمح اصطدم.
ولم تكن النتيجة امتصاص الصدمة.
كانت دفعة ارتدادية. موجة طاقة انبثقت من سطح الدرع بشكل لا يشبه أي ارتداد طبيعي. كأن الضربة أُعيدت بضعفها مضاعفًا.
طار القائد عشرة أمتار للخلف. تحطم تشكيله الدفاعي. وعظام صدره أخبرته بثقل ما حدث.
والقائد ينزف. منهك من ملاحقة شيء لا تستطيع يدك الإمساك به. ومكسور من قوة لم يتوقعها من الدرع.
انقضت إيمي من الأعلى. سيفها.
وكيرا من الجانب. الطعنة النهائية في الرقبة.
سقط القائد. صامتًا.
وبدأت كفة المعركة تميل.
في منطقة رين، أرض طُهّرت بوحشية من قرر أن يكون شيئًا آخر لبعض الوقت. الأعداء الذين كانوا هناك لم يعودوا.
في مكان كارل، شاب اكتشف نفسه في اللحظة التي يكون الاكتشاف فيها حدًا فاصلًا بين ما كان وما سيكون.
وفي البقعة التي قاتل فيها الثلاثي، درس في التنسيق الذي أثبت أن ثلاثة قدرات متناغمة تتجاوز في تأثيرها ما يمكن أن يصنعه الواحد منهم مضاعفًا ثلاث مرات.
وعمر وخالد في مناطقهم. وبقية الفريقين يمشطون.
الغابة الغربية لم تعد مكانًا لاختباء العصابات.
أصبحت مقبرة.
لكن في الأفق، في ذلك العمق الذي لا تصله أصداء المعارك المنتهية، الضغط يزداد. ليس بصوت. بل بذلك الإحساس الذي يكون حين تعرف أن ما مررت به لم يكن سوى مدخل.
سيد الرماد ينتظر.
وما بين تلك المعارك التي انتهت وبين ما لم يبدأ بعد، كانت هناك لحظة.
لحظة أنفاس.
لحظة يتذكر فيها الجسد كيف يكون ثقيلًا. ويتذكر فيها العقل كيف يكون مرهقًا.
ثم تنتهي اللحظة.
وتبدأ المواجهة الكبرى.