الفصل 58 - حرب العصابات (13)
كانت الغابة الغربية في تلك اللحظة تجسيدًا حيًا للجحيم.
صرخات البشر تختلط بصرير الفولاذ. ورائحة الدم تجاوزت حدًا معينًا وأصبحت أثقل من رائحة الأشجار العتيقة نفسها. في كل زاوية، قدر يُنسج. خيوط إرادة تُشدّ حتى تنكسر. وكائنات اعتقدت أنها في قمة قوتها تكتشف أن هناك دائمًا شيئًا أعلى.
في بقعة من الغابة حيث الأشجار كثيفة لدرجة أن صرخات الموتى تبدو بعيدة رغم قربها، كان محمد يقف في مواجهة غير متكافئة بكل ما تحمل الكلمة.
قائدان من المستوى الثاني.
الأول: رجل ضئيل الجسد بابتسامة ملتوية فيها شيء من الثقة السامة. يمتلك قدرة الصد العاكس. كل هجوم يوجهه خصمه يُحول طاقته إلى دفاع، يُردّه إلى صاحبه. لا يُهاجَم لأن الهجوم نفسه يصبح سلاحه.
الثاني: عملاق شبه عارٍ تتوهج عروق جسده باللون الأرجواني. التعزيز العضلي المطلق. قوة جسدية تنافس كبار الوحوش. قبضته تحطم الأشجار لا لأنه يحاول ذلك، بل لأنها ما تفعله قبضته بالطبيعة.
ومحمد أمامهما. لمس المستوى الثالث مؤخرًا. شعر بتلك القوة الجديدة تسري في عروقه كالحمم التي لم تبرد بعد. لكن هناك فرق شاسع بين لمس القوة وإتقانها.
وهذا الفرق يجعله في موقف حرج.
“مستوى ثالث مبتدئ؟ يا لها من وجبة دسمة!”
زأر العملاق وهوى بقبضته. ليس نحو محمد مباشرة. نحو الشجرة خلفه. الشجرة التي تحطمت وتطايرت أجزاؤها كاشتراط.
اندفع محمد بسيفه المنحني نحو الرجل الضئيل. لكن كل حركة يؤدي فيها تُردّ. كأن حائطًا غير مرئيًا يتلقى الضربة ويعيدها. ويكون في تلك اللحظة من الارتداد أن يتسع هامش للعملاق.
ضربة من العملاق أصابت كتفه. ليست قاتلة. لكنها كانت كافية لتثبت النقطة. وكانت هناك دماء من جرح صغير في جبهته.
تراجع محمد. يلهث. يُعيد الحساب.
“إذًا… هكذا تسير الأمور.”
همسها لنفسه. ثم أغمض عينيه.
لحظة واحدة فقط.
وفي تلك اللحظة فعّل قدرته.
بصيرة الهلاك.
تحوّل العالم في وعيه.
الألوان الطبيعية تلاشت. حل محلها درجات من الرمادي. والأجساد أمامه لم تعد أجسادًا بالمعنى المعتاد. أصبحت خرائط. خيوط الإرادة تسري فيها كالأنهار، وفي مواضع معينة، حيث الخيوط تنقطع أو تضعف، توهجت نقاط حمراء.
نقاط الهلاك.
ليست عشوائية. كل نقطة تحكي قصة. مكان يتوقف فيه التدفق. لحظة يفتر فيها الدفاع. ثانية يكون فيها الجسد على وشك التحول.
وفهم محمد شيئًا لم يفهمه قبل ذلك: القدرتان معًا يصنعان نمطًا. حين يرد الصد، يشغل الرجل الضئيل انتباهه بالهجوم، والعملاق ينتهز. لكن في اللحظة التي ينتقل فيها من وضع الصد إلى وضع الهجوم، هناك جزء من ثانية.
جزء من ثانية يتوقف فيه كل شيء.
فتح عينيه.
لم تعد فيهما الحيرة.
اندفع العملاق بضربة من الأعلى. زخم كاملٍ في هجوم عمودي.
لم يتراجع محمد هذه المرة.
مال جسده بمقدار إنش واحد. والنقطة الحمراء التي رآها في مفصل ركبة العملاق أثناء الاندفاع كانت ثابتة في ذهنه. حركة من السيف المنحني. خاطفة. مصوبة بدقة جراحية.
قُطع الوتر.
“آرغ!”
سقط العملاق على ركبته.
وفي نفس اللحظة اندفع الرجل الضئيل. ليحمي زميله. المنطق مفهوم. لكن محمد كان يرى اللحظة قبل أن تُتخذ.
انتظر.
حين رفع المدافع يده للضرب، انتقل نمط الصد نحو الهجوم. وفي تلك الفجوة الواحدة، تحرك محمد كشبح. سيفه لم يصطدم بالدرع. انزلق من تحته. وأصاب نقطة الهلاك في العنق.
سقط المدافع في صمت. عيناه متسعتان بذهول من لا يستطيع قبول ما حدث.
التفت محمد إلى العملاق الجريح. ببرود لا يشبه ما كان عليه قبل سبع دقائق.
غرس سيفه في النقطة الأخيرة.
“المستوى الثالث لا يتعلق بالقوة فقط يا حثالة. بل يتعلق بمن يملك بصيرة أعمق.”
مسح سيفه وأدار ظهره.
على الجانب الآخر من تلك البقعة من الغابة، كنت أواجه اختبارًا مختلفًا.
القائد أمامي كان سيافًا. ليس نوع السياف الذي يعتمد على القوة. النوع الذي يجعل كل حركة دقيقة كالعملة المعدنية محفورة بدقة.
إرادته كانت نصلًا. حادة. مركزة. لا تتفرع. لا تضيع.
فعّلت العقل الفعال.
وللمرة الأولى منذ وصلت للمستوى الثاني، لم تكن الرؤية مشوشة.
تعزيز الفهد أصلح شيئًا في ذلك الارتباط. أصبحت البيانات تتدفق بسلاسة لم أعهدها من قبل. رأيت خيوط إرادة القائد تخرج منه في خطوط واضحة. خيوط متوترة. كأنها أوتار على وشك القفز.
لكن الرؤية وحدها لم تكن كافية.
الجسد لم يعتَد بعد على الاستجابة بالسرعة التي تتطلبها المعالجة. ما أراه يأتي قبل الحركة بجزء من ثانية. لكن الجسد يستغرق جزءًا آخر للاستجابة. وبينهما هامش.
هامش كافٍ للخطأ.
سيفه ترك جروحًا سطحية على ذراعي وجانب ملابسي. كل مرة أتفادى فيها بنسبة تسعين بالمئة.
“ما خطبك؟ هل هذا كل ما يملكه عبقري المستوى الثاني؟”
سخر بنبرة يعرف أصحابها أنها تصنع ثغرة عاطفية.
لم أجب.
لأنني كنت أرى الخيط يشتد.
الطعنة المستقيمة قادمة.
في عقلي: تراجع. انحنِ. لا. الجانب الأيسر هو الثغرة.
وفي تلك اللحظة حدث شيء لم أتوقعه.
لم أعد أرى الخيوط من الخارج.
بدأت أشعر بها.
الفرق بين الرؤية والشعور مهم. حين ترى، أنت تراقب شيئًا خارجك. حين تشعر، أنت داخل ذلك الشيء. إرادتي بدأت تتشابك مع خيوط القائد. ليس لأنني دخلتها، بل لأن فهمي لها عمق حتى لم تعد حدودًا فاصلة بيني وبينها.
أصبحت أفهم نيته قبل أن يقررها هو.
الهجوم الدواراني جاء قويًا. زخم السيف يملأ الهواء.
لكنني رأيت خيط النية يلتف حول خصره لحظة قبل الحركة.
تقدمت للداخل.
إلى المنطقة العمياء. المسافة التي لا يتوقع السياف أن يجد فيها خصمه.
وضعت يدي على معصمه. وبفهم لتوازن الجسد أعمق مما كنت أعرفه قبل ساعة، كسرت الزخم تمامًا.
“لقد رأيت حركتك قبل أن تفكر بها.”
قلتها.
ليس تفاخرًا. بل إعلانًا. لنفسي أكثر مما هو له.
وأطلقت سيفي القصير في خط موازٍ لخيوط إرادته المتفككة.
سقط.
ولم يفهم كيف تحول ذلك المتراجع إلى ملك الساحة في لحظة واحدة.
في أعمق نقطة من الغابة، حيث الظلام يبتلع الضوء قبل أن يصل إلى الأرض…
قائد آخر يرتجف.
لم يكن يواجه إنسانًا.
الفهد الأسود.
لكن ليس ذلك الفهد الذي اعتدته.
شيء تغير.
ارتفاعه تجاوز المتر ونصف. طوله ثلاثة أمتار. جسد كجسد حصان بري ضخم لكن بعضلات وحشية مكسوة بما يشبه الظلال السائلة التي تلتصق بجلده الأسود. مخالبه تلمع ببريق معدني لم يكن فيها من قبل.
في السابق كانت تمزق الحجر.
الآن كانت تمزق الفولاذ.
القائد كان يرتدي درعًا ثقيلًا ويحمل هراوة حديدية. آمن بما لديه.
“اظهر أيها الوحش الملعون!”
صرخها وضرب الهواء.
لكن الفهد لم يكن في الهواء.
الاندماج مع الظلام تطور. لم يعد مجرد اختفاء. كان انسيابًا حقيقيًا عبر الظلال. لا صوت. لا حركة مرئية. مجرد انتقال من موضع لموضع كأن الظلام نفسه يحمله.
شعر القائد بألم مبرح دون أن يرى من أين جاء.
انقض الفهد من خلف شجرة بحركة خاطفة أفقية. مخالبه شقت ساقي القائد. ليس جروحًا عادية. اقتُطع لحم ودرع معًا كأن المادتين بنفس الهشاشة.
سقط القائد. يصرخ. يحاول الزحف.
الظلام من حوله تحرك.
ظهر الفهد فوقه. عيناه البنفسجيتان المتوهجتان كانتا آخر ما رآه القائد بوضوح حقيقي.
ضربة واحدة. مخالب تمزق الظهر والصدر وما بينهما.
الدرع لم يعترض. كأنه لم يكن.
ثم أمسك الفهد برقبة القائد بفكيه. وبحركة واحدة من عضلات عنقه، انتزع ما لا ينبغي انتزاعه. صرير العظام والحديد اختلطا في صوت واحد مرعب.
وقف الفهد الأسود فوق ما كان قائدًا.
وأطلق زئيرًا صامتًا.
ليس صوتًا يُسمع بالآذان. بل شيء يُحسّ في العمود الفقري لكل من كان في نطاق تلك الغابة.
حين سكنت تلك الجبهات الثلاث، كانت الغابة قد تغيرت.
محمد يقف شامخًا. بصيرة الهلاك في عينيه لا تزال تُريه العالم بطريقة مختلفة. يمسح سيفه بهدوء شخص أنجز شيئًا كان يعرف أنه سيُنجزه.
وأنا أتنفس الصعداء. أمسح ذراعي. الجروح السطحية لا تزال تنزف قليلًا. لكن في صدري شيء لم يكن موجودًا قبل هذه المعركة. وعي مختلف. كأنني فتحت بابًا لم أكن أعرف أنه كان أمامي طوال الوقت.
والفهد الأسود عاد.
ليس بذلك الحجم الذي ظهر به في الغابة العميقة. عاد بحجمه الاعتيادي. أو ما أعتبره اعتياديًا الآن. لكن في خطواته وهو يسير بجانبي كان وقار شيء لا يحتاج إلى إثبات نفسه.
كانت هذه المعارك معمودية.
ليس بالمعنى الديني. بل بالمعنى الذي تُصبح فيه بعد التجربة شيئًا مختلفًا عما كنته قبلها. حدث اكتمال ما. اكتمال اللمسة الأولى لما وصل إليه كل منا في طريقه.
محمد والمستوى الثالث الذي يبدأ يفهمه.
أنا والمستوى الثاني الذي يبدأ يعيشه لا يستخدمه فقط.
والفهد الذي أصبح شيئًا أكبر مما كان.
لكن في مكان ليس ببعيد، في العمق الذي تصمت فيه المعارك ويبدأ شيء آخر…
الخيوط التي أراها بقدرتي لا تزال ممتدة.
من ذلك العمق. من تلك النقطة التي لم تتحرك طوال كل ما جرى. التي راقبت وقيّمت وحصت.
سيد الرماد.
يعلم ما حدث. يعلم ما أصبحنا عليه.
وكان ينتظر.
وفي تلك الانتظارية، لأسباب لا أستطيع شرحها لكنني أحسها بوضوح، كان الأمر أشد إزعاجًا من أي مواجهة مباشرة.