الفصل 57 - حرب العصابات (12)
كانت الغابة الغربية في هذه النقطة قد توقفت عن كونها مجرد تجمع من الأشجار والبرودة والظل.
أصبحت ساحة إرادات.
الهواء نفسه كان مختلفًا. ثقيلًا بطريقة لا تُحسب بالمقاييس العادية. ليس ثقل الرطوبة أو حرارة الصيف. ثقل الإرادات المتصادمة يصنع ضغطًا في الأثير نفسه. الجنود العاديون الذين كانوا على أطراف هذه المنطقة يتلقون ذلك الثقل كموجات صدمة غير مرئية. بعضهم يتراجع. بعضهم يسقط.
رائحة الصدأ والدم والصمغ المحترق من الأشجار المتشققة. والمعركة منقسمة إلى جحيمين لا يرى أحدهما الآخر.
الجحيم الأول.
أمام ستارك وجون، وقف الرجل الذي يلقبونه بالرئيس الأول.
ليس لقبًا مجانيًا.
جسده كتلة من العضلات المتراكمة على مدار سنوات لا تُحصى. درع جلدي مدعم بصفائح معدنية تغطي نقاط معينة بعناية تدل على خبرة لا على حظ. في يده اليمنى سيف ضخم لا يحمله خمسة رجال بشكل مريح، في يده اليسرى درع دائري محاط بمسامير حادة كأسنان وحش.
من مسافتي كنت أرى خيوط إرادته.
وكانت تلك الخيوط تشكل قبة. ليس خيطًا هنا وآخر هناك. بل قبة فولاذية كاملة تحيط به من كل جانب. إرادته وحدها كانت تعادل في ثقلها ما يجمعه ستارك وجون معًا.
الجاذبية في محيطه كانت تضاعفت. هذا ما أشعر به وأنا بعيد. فكيف كان يشعر به من أمامه؟
“النبل لن يحميك هنا يا ستارك، والقوة الغاشمة ليست سوى ضجيج.”
قالها الرئيس الأول بصوت أجش. صوت من استخدم حنجرته لإعطاء أوامر طويلة وفي أماكن صاخبة حتى تشرب بعض من صخبها.
ثم اندفع.
الضربة الأولى.
كافية لتحطيم الأرض لو أصابت الأرض.
قفز ستارك. حركته خفيفة محكمة. سيفه يلمع ببرودة هادئة، محاولًا طعنة دقيقة في فجوة الدرع بين الكتف والعنق.
لكن الرئيس عكس حركته بسرعة لا تتناسب مع جسد بذلك الحجم. عكسها بالطريقة التي يفعلها من عرف كيف يستخدم وزنه لا من يُثقله وزنه. صدم سيف ستارك بنتوءات درعه الدائري وأفقده زخمه. ثم جاء الرد، السيف الضخم ينطلق نحو خصر ستارك بسرعة قوسية.
في تلك اللحظة انقض جون.
صرخة جون هزت أوراق الأشجار.
وفي تلك الصرخة، شيء تغير.
انطلقت قدرته: التضخيم الجسدي.
تضخمت عضلاته كأن شيئًا في الداخل يريد أن يخرج وليس لديه مكان كافٍ. جلده تحول إلى رمادي داكن يشبه لون الصخر القديم. وضع ساعده العاري أمام نصل السيف الضخم القادم.
الصوت الذي صدر لم يكن صوت سيف يقطع لحمًا.
كان صوت سيف يصطدم بصخر. الشرارات تطايرت في أقواس صغيرة مضيئة.
“خذ هذه!”
رفع جون فأسه العظيمة وأهوى بها على درع الرئيس.
موجة الارتداد كانت كافية لتدفع ستارك للخلف خطوات. لكن الرئيس الأول، هذا المخضرم من المستوى الثالث، لم يتزحزح سوى خطوة واحدة.
مال بجسده. استخدم زخم ضربة جون بدلًا من مقاومته. ودفع درعه الدائري بقوة في صدر جون بالمسامير إلى الأمام.
المسامير اخترقت حتى التصلب.
وقُذف جون أمتارًا في الهواء حتى اصطدم بجذع شجرة ضخمة انشطرت من قوة الارتطام. الصوت كان كصوت انفجار في الصمت.
سعل جون دمًا.
ظل على الأرض يتنفس. لكن ببطء مؤلم يقول إن الأضلاع دفعت ثمنًا.
نظر ستارك إلى جون.
ثم إلى الرئيس الذي يتقدم ببرود قاتل. تلك الخطوات الواثقة المحسوبة لشخص يعرف أن المعركة انتهت لصالحه.
ولمرة واحدة في حياته…
شعر ستارك باليأس.
ليس يأس الشخص الذي يخاف. يأس من رأى كل ما أعده وصقله وبنى عليه هويته يتحطم أمام شيء أقدم وأكثر خبرة.
النبل. أناقة الحركة. التكتيك المصقول. كل ذلك كان يتحطم واحدًا بعد الآخر أمام الخبرة الخام.
“هل هذا كل ما يملكه فرسان المدينة؟”
سخر الرئيس. وهو يرفع سيفه نحو جون المنهك على الأرض.
وانكسر شيء داخل ستارك.
ليس انكسار الهزيمة. انكسار القيد.
النبل الذي كان يُغلفه دائمًا، تلك الطبقة التي يرتديها كما يرتدي الدرع، تلاشت. وحل محلها غضب من نوع لم يره فيه أحد من قبل. غضب وحشي صافٍ. بلا حسابات. بلا أناقة.
عيناه تحولتا.
الذهبي الهادئ أصبح ذهبًا متوهجًا. وانطلقت إرادته تغطي جسده وسيفه بلون أحمر قانٍ عميق.
الكلمة المتجلية.
“اثبت!”
كلمة واحدة. لكنها لم تكن مجرد كلمة. كانت أمرًا من الإرادة للواقع نفسه.
الهواء تجمد حول الرئيس. قدماه كأنهما غرستا في الأرض فجأة. جسده بات يزن أطنانًا في لحظة.
واندفع ستارك.
لم يعد السياف الأنيق الذي يحسب زوايا الطعنة. كان يتحرك كإعصار. كشيء لم يُقيَّد بالأسلوب ولا بالشكل.
“عزّز: النصل!”
توهج السيف. حرارة تشعل الهواء على حواف الفولاذ.
الضربة على الدرع الدائري لم تكن لصده. كانت لتحطيمه. والدرع الذي صمد لمعارك لا تُحصى تشقق كأنه مصنوع من الفخار لا الفولاذ.
ولم يتوقف ستارك.
طعن. قطع. ضرب بمقبض السيف في وجه الرئيس. لا يُفكر في الدفاع. يمزق الإرادة قبل الجسد. يجعل الرئيس الذي كان متأكدًا من النصر يعيد حساباته في كل ثانية.
“عزّز: القوة!”
الضربة الأخيرة أطاحت بسيف الرئيس الضخم من يده. ثم أمسك ستارك بالرئيس ودفع رأسه في بقايا درعه المحطم.
الدماء كانت تغطي وجه ستارك.
ونظراته كانت تقول شيئًا واحدًا: لا قواعد هنا. فقط البقاء.
الجحيم الثاني.
في الجانب الآخر من الغابة، حيث الضباب أكثف والروائح أكثر تعفنًا.
الرئيس الثاني كان مختلفًا تمامًا.
رجل نحيل. بعين واحدة، والأخرى خلف رقعة جلدية قديمة مدببة الحواف. يمسك سيفًا طويلًا رقيقًا يشبه الإبرة العملاقة. مستوى الثالث يتركز عنده في شيء واحد: الدقة المطلقة. كل حركة بالميليمتر. كل ضربة إلى النقطة التي تؤدي فيها أقصى أثر بأقل جهد.
وأمامه: بيث وراؤول.
اندفع الرئيس الثاني بسرعة تعجز العين عن تتبعها تتبعًا كاملًا.
سيفه الرقيق صفر في الهواء مخلفًا خطًا صوتيًا حادًا نحو قلب بيث.
وبيث أظهرت ما لطالما أبقته في الظل.
المرونة المطلقة.
انثنى عمودها الفقري بزاوية تعجز عنها كل معادلات الفيزياء البشرية. لفّ جسدها حول نصل السيف كأنها كائن بلا بنية صلبة. حركة تُقلب المعادلة في لحظة واحدة، وتحول المستهدَف إلى مهاجم.
غرزت نصلها الصغير في اتجاه رقبة الرئيس.
تراجع الرئيس. بحركة رشيقة. لكن شعر فجأة بثقل لا مصدر له.
الأرض تحت قدمي الرئيس تحولت إلى أسود.
النباتات من حوله بدأت تذبل. ليس ببطء الخريف. بسرعة كأن حياتها تُسحب.
راؤول.
لم يكن يقاتل بسيف. كان يقاتل بوجوده نفسه. القدرة التي يُطلق عليها وباء الإرادة لا تهاجم الجسد مباشرة. تهاجم الحواس. تثقل البصر. تضيّق الرئتين. تجعل كل حاسة تبدأ بالسقوط تحت وزن لا يُرى.
الخناجر في يديه تقطر بشيء أسود لا يشبه أي سائل طبيعي.
“أنت تشعر بالثقل، أليس كذلك؟”
همسها راؤول بصوت يجعلك تتساءل من أين يأتي صوته تمامًا.
“بصرك يضعف.. رئتاك تضيقان.. أهلًا بك في عالمي الميت.”
الرئيس الثاني، مخضرم المستوى الثالث، وجد نفسه يواجه معادلة لم يتدرب عليها. سرعة بيث تجعل إصابتها شبه مستحيلة، لأن جسدها لا يبقى في المكان الذي تتوقع فيه أن يكون. وحقل راؤول يسرق طاقته في كل ثانية تمر.
حاول الرئيس هجومًا دوارنيًا واسعًا. محاولة لإبعاد بيث بالزخم.
قفزت بيث. لفّت ساقيها حول غصن شجرة فوقها. واستغلت مرونتها لتغيير اتجاه حركتها في الهواء كاملًا. عادت كسهم نحو ظهره من زاوية مختلفة تمامًا عن التي توقع.
وفي نفس اللحظة ظهر راؤول خلف الرئيس. كشبح تشكّل من الظل نفسه. خنجراه يتحركان بإيقاع أفعى مزدوجة، يمزقان خيوط إرادة الرئيس واحدة بعد واحدة.
“تلاشَ.”
كلمة واحدة من راؤول.
رؤية الرئيس الثاني اهتزت. عينه الواحدة بدأت تنزف شيئًا داكنًا. شعر بأن جسده يزن جبلًا والهواء الذي يستنشقه بات يحمل سمًا لا يرى.
استغلت بيث. انطلقت بسرعة تتجاوز ما رآه منها طوال المعركة. جسدها يتلوى بين الأشجار كأنها سائل لا جامد. وصلت إلى المسافة الصفرية في لحظة.
“انتهى الأمر.”
غرست نصلها في الفجوة تحت إبطه. وراؤول في نفس اللحظة غرس خنجره في كاحله.
سقط الرئيس الثاني على ركبتيه.
محاصرًا بين سرعة النور وثقل الظلام.
في جميع أنحاء الغابة، المعارك كانت تصل إلى ذروتها.
ستارك، بدمائه وذلك الشيء الجديد الذي انكشف فيه، واقف فوق حطام درع الرئيس الأول وهو يتنفس بثقل مرضٍ.
جون يستجمع ما بقي فيه من قوة بعد أن أعادت له التضخيم شيئًا من الصمود.
بيث وراؤول يُغلقان الدائرة.
وفي أرجاء المعسكر الأوسع، كانت أصداء المعارك الأخرى تصل كموجات.
كنت أراقب.
من مكاني. من خلال تلك القدرة التي تتيح لي رؤية الخيوط.
رأيت خيوط إرادة الرئيسين الأول والثاني تتفكك. الشبكة التي كانت تحيط بهما تتفتت خيطًا بعد خيط. وحين تتفتت إرادة القائد، يشعر بها من تحته. الجنود العاديون يشعرون بانتهاء شيء كانوا يعتمدون عليه دون أن يدركوا أنهم يعتمدون عليه.
الخوف ينتشر.
العصابات بدأت تدرك أن ما أُرسل إليهم لم يكن جنودًا عاديين أو حتى فرسانًا من النوع الذي اعتادوه. كانوا يواجهون شيئًا آخر. حاصدي أرواح متنكرين في زي مقاتلين.
لكن في أعماق تلك الغابة، في المكان الذي لا تصله أصداء المعارك المنتهية بعد…
سيد الرماد ينتظر.
لم يتحرك. لم يتدخل. يراقب. يُقيّم. يُحصي.
الخيوط التي أراها تمتد منه لا تزال هادئة. لا تزال مستقرة.
كأن كل هذا ليس إلا فصلًا أولًا من شيء أطول.
وكأنه يعلم ما يأتي بعد.