الفصل 56 - حرب العصابات (11)
كان الضباب يزحف بين جذوع الأشجار العملاقة كأنه أنفاس وحش متربص يكتم صوت تنفسه، والبرد القارس يلسع الوجوه المكشوفة ويعضّ الأطراف المدرّعة وما تحتها. لكن أحداً لم يرتجف. ليس لأن البرد لم يكن قارصاً — بل لأن ما في الصدور كان أشد حرارة من أي برد.
خلفي، كان ثلاثمائة جندي يقفون في صمت مطبق ثقيل كصخرة. تشكيلات حديدية صلبة قُسّمت بدقة إلى عشر فرق كبرى، كل فرقة تضم ثلاثين مقاتلاً يقودهم فارسان متدربان. أغلبهم يرتدون الدروع القياسية ذات الصفائح الحديدية المتداخلة على الصدر والكتفين، والتروس المستديرة المعلّقة على الأذرع اليسرى التي كانت تلمع حتى في ذلك الضوء الباهت للفجر المضبَّب. عيونهم كانت تقدح بالعزيمة والرهبة في آنٍ واحد — ذلك المزيج الغريب الذي لا تجده إلا في عيون من يعرف حجم ما هو مقبل عليه ويُقرّر المضي رغم ذلك. كانوا ينتظرون. ونحن معهم ننتظر. تلك اللحظة التي سيتوقف فيها الزمن ليبدأ التاريخ في كتابة نفسه بالدماء.
كنتُ أقف في المقدمة، وحولي “قتلة القادة” — أولئك الذين تم اختيارهم لتمزيق رأس الأفعى قبل أن تجد وقتاً لتحريك أنيابها. كلٌّ منهم يقف في سكون المقاتل الذي حسم أمره قبل أن يصل إلى هنا. كنا نرقب الأفق الذي يلتهمه الضباب من الجهتين، بانتظار إشارة إيريس — الفارسة التي تقبع الآن فوق أعلى قمة شجرية تستطيع الوصول إليها، قوسها الطويل مستعد لبث الموت بنبضة واحدة من إصبعها، وبصيرتها تغطي الغابة كشبكة من النور يفوت منها ما يفوت الآخرين.
استدعيتُ الفهد الأسود.
لم يخرج هذه المرة ليزأر أو ليندفع بعيداً بحثاً عن فريسة. بدلاً من ذلك، أحسستُ به يأتي بطريقة مختلفة تماماً — يلتف حولي بحركة لولبية بطيئة ومتعمدة، كأن جسده الظلي لا يتجمع من الخارج بل يخرج من داخلي. شعرتُ بضغط خفيف على مفاصل أصابعي وعلى عظام ساعديّ كأنه يُسكب في الألياف ويستقر هناك. ثم تحوّل تركيزه نحو الأعلى — نحو عيني.
شعرتُ بحرارة مفاجئة خلف الجفنين، لا موجعة بل حادة كلمسة حديد بارد يُحمَّم بالنار للحظة ثم يُسحَب. كأن عيني تُعاد صياغتهما بمادة غريبة لا اسم لها في اللغات التي أعرفها.
أغمضتُ عيني ثانية واحدة.
وحين فتحتُهما ببطء، لم تكن الغابة مجرد أشجار وظلال وضباب.
رأيتُ العشرة.
عشرة خيوط غليظة من الإرادة، تمتد من أعماق الغابة المظلمة وتتفرع كأعصاب كائن جبار غير مرئي تحت الأرض. كانت تلك خيوط القادة العشرة — كل واحد منها له لون ونبض ووزن مختلف، كأن الإرادة لها بصمات كما للأصابع بصمات. خيوط حمراء داكنة تنبض بغضب مضبوط، وخيوط برتقالية تتسارع بتهيّج، وخيوط خضراء باردة تدل على من تعلّم إخفاء ما يشعر به.
وبفضل تعزيز الفهد، استطعتُ تمييز أربعة منها تلمع بتردد مضطرب وغير منتظم — ذلك الاضطراب الذي يُشبه ضربات قلب نائم يحلم لا قلب حارس يقظ. لم يكونوا في حالة تأهب قصوى. وهذا كان كل ما نحتاجه.
أشرتُ بيدي اليمنى إلى محمد بإشارة واحدة بسيطة لم نتفق عليها بالكلام لكننا عرفناها كلانا. انطلق خلفي على الفور، صامتاً كما هو دائماً في اللحظات التي تسبق القتال، يثق في تلك العين التي بدأتُ أمتلكها بثقة لم أطلبها منه أبداً.
بدأنا التحرك نحو أقرب الخيوط الأربعة.
لم أكن أركض. كنتُ “أنساب”. كلمة أخرى لا توصف ما كنتُ أفعله. مرونة خرافية ملأت مفاصلي التي كانت تميل أحياناً إلى التيبّس في البرد القارس، وخفة حركة جعلت الأشجار تبدو وكأنها تتنحى من طريقي بإذن لم أطلبه. اندماج الفهد قد عزّز الألياف العضلية وضبط إيقاعها، محوّلاً جسدي إلى سلاح نابض يعرف وجهته. كنا أنا ومحمد نتحرك بسرعة هائلة في صمت تام، كأننا شهابان صامتان يشقّان ظلام الغابة، لا يتركان وقع أقدام على الأرض المبللة ولا حفيف في الأغصان المتشابكة.
الصياد والفريسة الغافلة
انقسم المشهد أمامي حين تجاوزنا الحاجز الأخير من الأشجار الكثيفة.
في بقعة نصف مكشوفة، تتسرب إليها بقايا ضوء الفجر الباهت من فوق كأنه يُسرَق من السماء سرقة، كان هناك أربعة قادة من المستوى الثاني. جلسوا في تشكيل قتالي متقارب — ذلك التشكيل الذي تتعلمه العظام لا العقل، الذي يأتي تلقائياً حين تعيش المعارك وقتاً طويلاً. وحولهم أربعة وستون مقاتلاً من النخبة؛ رجال على وجوههم ندوب الاحتراف وفي حركاتهم سكون الخبرة.
لكنهم كانوا يرتكبون الخطيئة القاتلة: الاطمئنان.
السيوف في أغمادها. الأكواع مرتكزة على الركب. الأعين تتجه للداخل لا للخارج. هذا هو الفارق بين جندي ينتظر ومقاتل يغفل.
سحبتُ سيفي في حركة واحدة انسيابية لم تُحدث صوتاً يُذكر، وأشرتُ لمحمد نحو الجهة اليمنى بنظرة واحدة بينما انحرفتُ أنا نحو اليسرى. كان علينا أن نُبطّل قدرتهم العددية في الثواني الأولى — تلك الثواني التي لا تتكرر.
فعّلتُ “العقل الفعال”.
تحوّل العالم. الحركة السريعة صارت بطيئة كما تبدو النجوم ثابتة لمن يشاهدها من تحت الماء. رأيتُ الخيوط الخفيفة ترتسم على رقابهم وصدورهم كخطوط مُرسَمة بحبر الضوء — مسارات مثالية أرسمها الخيوط بنفسها كأنها تُساعدني. بدأتُ أرسم مساري القتالي في عقلي بالتفصيل الكامل قبل أن تتحرك قدمي خطوة واحدة.
في الثانية الأولى، كنتُ بالفعل داخل مجموعتهم. سيفي خطّ قوساً أفقياً أسفل مستوى الذقن مباشرة — أول حنجرة أُسدلت عليها الستارة.
في الثانية الثانية، كنتُ فوق الأكتاف. قفزتُ بحركة قرأتُها من موضع الأرجل المتراصّة — الفجوة بين الكتفين الثالث والرابع كانت مفتوحة مقدار ثلاثة أصابع، ما يكفي. النصل دار في حركة دائرية معكوسة حين كنتُ في الهواء، محوّلاً ثقل جسدي إلى زخم الضربة.
في الثالثة والرابعة، والقدمان على الأرض من الجانب الآخر، كان النصل يعمل كما يعمل المنجل في موسم الحصاد — ليس عنفاً بلا هدف بل دقة تعرف أين تضرب وتعرف متى تتوقف.
حين انتهت الثانية الخامسة، كان واحد وعشرون مقاتلاً قد سقطوا على الأرض المبللة كأكياس تُفرَغ من محتواها. لم يدركوا من أين أتاهم الموت. ولم يجد أغلبهم وقتاً ليسألوا.
وفي الجهة اليمنى، كان محمد يجسّد معنى “المستوى الثالث” بطريقة لا تُوصَف بسهولة لمن لم يرها.
هو لا يرى الخيوط كما أراها. لكنه يمتلك شيئاً آخر — ذلك الشيء الذي يأتي حين تُدمج العقل والجسد والتقنية في منظومة واحدة لا فاصل فيها ولا تردد. سيفه المنحني، ذو الشفرة الرمادية الداكنة المُطرَّقة بحرفية تجعلها تُوزّع الوزن بالتساوي من المقبض إلى الطرف، كان يمرّ عبر الفواصل بين فقرات الرقاب كأنه اكتشف سرّ تلك المسافة الصغيرة وحفظه.
ببرود قاتل لا تشوبه عاطفة ولا تُشغله مشاعر اللحظة، وبحركات مختصرة تُفسّر معنى “الكفاءة” في أنقى صورها، تساقط تسعة وعشرون مقاتلاً في جهته. لم يكن يبحث عن أي منهم بعينه، بل كان يتعامل مع الخطر الأقرب ثم الذي يليه ثم الذي يليه، كخوارزمية بسيطة تُنفَّذ بمثالية لا تُتيح للخطأ فرصة.
خمسون جثة. أقل من عشر ثوانٍ.
فرّ المقاتلون القلائل المتبقون في رعب لم تعرف أجسادهم كيف تُبطئه — بعضهم ألقى سلاحه وهو يجري، وبعضهم يجري بيديه على رأسه كأنه يحاول أن يمنع رأسه من السقوط. وبقي الأربعة قادة.
في تلك اللحظة، انسلخ الفهد الأسود عن جسدي. تجسّد بضخامته المرعبة في الهواء المفتوح، فراؤه الأسود يشع بذلك الضوء البنفسجي الباهت الذي لا يُضيء المحيط بل يُضيء نفسه فحسب. لم يتردد. انقضّ على أقرب القادة الذي كان لا يزال يحاول سحب فأسه الضخمة ذات الذراع الطويل من الحزام — فأس مصنوعة لاختراق الدروع الثقيلة لا لقتال وحش ظلي. أدرك ذلك في اللحظة التي التقت فيها عيناه بعيني الفهد.
أما أنا، فقد وجدتُ نفسي وجهاً لوجه أمام رجل لا تنخدع به بنيته الضخمة — جسد مكتنز مبني بانتظام يخبرك أنه لم يُبنَ بالتدريب وحده بل بالسيرة كلها، كتفاه تملآن عرض القميص الفولاذي المُبطَّن بالجلد الأحمر الداكن، وعيناه تحترقان بذلك الغضب الخاص برجل رأى جيشه ينهار في أقل من دقيقة. في يده سيف طويل ضخم ذو مقبض مزدوج، نوع يتطلب ذراعين بقوة استثنائية ليُحرَّك بالسرعة الصحيحة. خيوط إرادته كانت تشتعل كأنها التهبت جميعها في لحظة واحدة.
محمد، دون أن يضيع نصف ثانية، اندفع نحو القائدين الآخرين اللذين يقفان جنباً إلى جنب — كلاهما سيّافان من المستوى الثاني، يُمسكان سيفين متوسطيّ الطول بقبضات لا ترتجف. لكن محمد واجههما بابتسامة باردة تُشبه سطح بحيرة في ليل بارد — لا موجة فيه، لا دفء، لكنه يعكس كل شيء بدقة مشوّشة. كانت الابتسامة ثقة، لا غروراً. الفارق بينهما أن الثقة تعرف ما ستفعله، والغرور يظن أنه يعرف.
ومن بعيد، في تلك اللحظة بالذات حين بدأ الجميع يجد خصمه، شقّ صفير حاد الهواء من فوق كأنه يخيط السماء بخيط واحد. كان ذلك سهم إيريس — يشع بنور أزرق باهت يُميّزه من بين مئة سهم، يخترق الهواء بزاوية لا تحسبها العيون العادية لأنها تأتي من حيث لا تنظر. اخترق رأس القائد الخامس في مكان بعيد تماماً عن موقعنا بدقة لا تترك مجالاً للصدفة. كان ذلك الصفير الإعلان الرسمي — بداية القتال الشامل.
الجبهات المتعددة
في مكان آخر من الغابة، حيث تتكاثف الأشجار حتى تكاد تُصبح جداراً، تقدّم كارل.
كان يتحرك بثبات لم يعرفه فيه أحد حين كان ذلك الشاب الذي يكفي أن يرى درعاً مشحوذة لتتصلّب عضلاته. الآن، خطواته كانت متساوية ومقيسة، وعيناه تبحثان لا تتجنبان. وبجانبه كان رين.
رين كان منظراً لا يُنسى لأسباب لا تتعلق بالجمال.
هالته كانت سوداء — ليس تشبيهاً بل وصفاً. شيء ما حوله كان يبتلع الضوء القليل الذي تسرّب بين الأشجار. نظرته لم تكن نظرة إنسان يذهب إلى معركة — كانت نظرة شيء قرّر بهدوء تام أنه مات بالفعل ولا يبحث عن شيء سوى أن يحدد من سيصحبه في ذلك الرحيل. القائد الذي يواجهه كان يرتجف بالفعل قبل أن يُسلّ رين سيفه. كان جسده يقرأ ما عجز عقله عن ترجمته: أن هذا الرجل المُقبِل لن يُفاوض ولن يتراجع ولن يرحم.
وفي بقعة قريبة تتشابك فيها جذور شجرتين عملاقتين فوق الأرض كأنهما أضلع قفص، كان الثلاثي إيمي وكيرا وجين يتقدمون بتناغم يُخبر من يراه أنهم قاتلوا معاً من قبل.
جين في المقدمة، يرتدي درعه الضخم ذا الطبقات الثلاث الذي يعكس كل ضربة كما يعكس الجدار الحجري القنبلة الصغيرة — لا يكسره، لكنه يستوعبه. كيرا وإيمي تلتفّان حول التشكيل كالأشباح التي لا تقاتل بل تتصيّد — تبحثان عن الفجوة التي يخلقها جين حين يُثبّت نفسه ويُجبر الخصم على التركيز فيه. وحين تظهر تلك الفجوة، لا تستغرق أكثر من ثانية تجدان فيها ما جاءتا لتجداه.
كان معهم في البداية عمر وخالد، لكنهما انفصلا بسرعة البرق حين رصدا خصمهما المخصّص لهما — الرجل الذي يتحرك بالطريقة التي يتحركها فقط من يقود لا من يتبع. اندفعا نحوه بالتنسيق الذي صنعه التدريب والمعارك معاً، تلك “رقصة الموت” الثنائية التي لا تبدو رقصة من الخارج بل تبدو فوضى، لكنها فوضى مُنظَّمة تخدع الخصم وتخدمهما.
وفرقا رين وكيرا الباقون كانوا يشقّون طريقهم عبر الغابة كسيل يجد مجراه بين الحجارة — لا يتوقف عند عقبة بل يلتفّ حولها أو يتجاوزها. يتجهون نحو القادة الباقين بتنسيق جعل قوة العصابات تبدو عشوائية مقارنة بما يواجهها.
الجبهتان الكبريان
وبعيداً عن صخب المعارك الصغيرة التي كانت تُعلَن نتائجها بالأصوات المتقطعة، وفي عمق الغابة حيث الهواء نفسه يفوح منه شيء يُشبه رائحة الموت الكبير، كانت هناك جبهتان تتحرّكان بمنطق مختلف تماماً عن كل ما سبق.
ستارك وجون.
كانا يتقدّمان بإرادة جبّارة كأن الأرض تشعر بأقدامهما. الهواء كان يثقل فعلاً كلما اقتربا من هدفهما، كأن إرادتيهما تتوسعان خارج جسديهما وتحتلان الحيز المحيط. ستارك يرتدي درعه الفولاذي الثقيل ذا الكتفين العريضين المُدعَّمين بصفائح إضافية، وفي يده الكبيرة سيفه العريض الذي اشتُهر بأن وزنه يكفي لكسر الدرع لا اختراقه. وجون، بفأسه المزدوجة المُعلَّقة على ظهره في حامل جلدي مُصمَّم خصيصاً لها، يمشي بجانبه بخطوة أبطأ وأثقل. كلٌّ منهما يعرف دوره دون أن يُتفق على كلمة.
وفي الجهة الأخرى من تلك المساحة الداكنة، كان الثنائي الأكثر غرابة في هذه الحرب: بيث وراؤول.
بيث تتحرك كخيط من النور المكثّف — خفيفة، مُركّزة، تقرأ التضاريس بعيني صياد لا عيني مقاتل. ثيابها الرمادية الداكنة تكاد تختفي في الظلال حين تتوقف. وراؤول يسير إلى جانبها وخلفه تلك الهالة الغريبة — ليست ظلاله الطبيعية، بل شيء أكثر كثافة، كأن الظلال التقطت شيئاً منه وقرّرت اتباعه. الأشجار التي يمرّ قريباً منها يبدو عليها شيء يشبه الذبول السريع. لم أستطع تفسير ذلك حين رأيته، لكن عيني بصيرتي الجديدة أخبرتني أن خيوط إرادته من تلك القضبان الفولاذية التي تنتصب لا تتدفق.
كانا يتجهان نحو الرئيس الثاني — وحش من المستوى الثالث ينتظر في وسط دائرة لم يُنشئها هو بل أنشأتها حوله هيبة ما يعرفه عن نفسه.
في تلك الأثناء، بدأ الجنود الثلاثمائة تحت إشراف الفرسان المتدربين هجومهم الكاسح. لم يكن وصف المعركة دقيقاً لما كانوا يفعلونه. كان تطهيراً. العصابة التي فقدت قادتها فجأة تشبه خلية نحل فقدت ملكتها — حركة بلا توجيه، قوة بلا هدف. بدأت مجموعات الجنود تتقدم بخطوات مدروسة، تُحاصر وتُضيّق وتُصفّي.
ومن الأعلى، كانت إيريس وفرقة الرماة تُمطر الغابة بوابل من السهام الدقيقة، يُعلَن كل منها بصفير قصير ثم صمت. ترشد الفرق المتعثرة بإشاراتها، وتدعم الجبهات التي تتعثر، وتقتنص كل من يُحاول الهرب عبر الممرات الجانبية.
نظرتُ إلى الرجل الضخم أمامي. خيوط إرادته كانت تلتهب بغضب حقيقي — غضب من رأى كل ما بناه يتهاوى في دقائق، غضب من يعرف أنه بات وحيداً في ميدان تحوّل ضده.
رفع سيفه الطويل ببطء مقصود، بيدين تعرفان وزنه تماماً، في وضعية دفاع تعلن في الوقت ذاته استعداداً مضاداً.
رفعتُ سيفي. فعّلتُ “العقل الفعال” إلى أقصى حدوده الممكنة، حتى شعرتُ بنبضات تلك الحرارة خلف الجبهة تبدأ من جديد.
قلتُ بصوت منخفض لا يتجاوز المسافة بيننا:
— “اليوم سنعرف من هي الإرادة التي ستحكم هذه الغابة.”
لم يُجب. لكنه رأى خيوط موته تبدأ بالتشكّل في المساحة التي تفصلنا، وقرأ في عيني أنني أراها أيضاً.
الملحمة الكبرى. لقد بدأت للتو.