الفصل 55 - حرب العصابات (10)
سكن الضجيج في رأسي فجأة، وحلّ محله ذلك الصفير البارد الرهيب الذي يسبق الانهيار — ذلك الصمت الداخلي الذي ليس هدوءاً بل هو غياب كل شيء آخر. كنتُ واقفاً في غرفتي المظلمة، عيناي مغمضتان، وجسدي ساكناً كتمثال، لكنني لم أكن أرى الظلام. كنتُ أرى “الخيوط”.
كانت الخيوط في كل مكان. تتشابك وتتقاطع وتمتد من كل شيء حي كأنها نسيج الحقيقة نفسها المخفي تحت قشرة العالم المرئي. خيوط بيضاء شفافة تتدفق كضوء القمر عبر مياه راكدة، وخيوط ذهبية تنبض كشريان قلب، وخيوط رمادية تتلوى كدخان يبحث عن مخرج. كل خيط كان إرادةً، وكل إرادة كانت حياةً، وكل حياة كانت قصةً أستطيع الآن أن أقرأ فصولها الأولى قبل أن تُكتَب.
في تلك اللحظة التي لمستُ فيها حافة المستوى الثاني — “الفهم” — شعرتُ وكأن الكون قد انسلخ من قشرته الزائفة البريقة ليُريني لبّه المنسوج من الإرادة الخالصة. كأن ستاراً مسدلاً منذ الأزل تحرّك إصبعان غير مرئيان طرفه ليكشفا عن مسرح لم أكن أعلم بوجوده.
فتحتُ عينيّ ببطء.
ثقل جفوني كان ثقل الرصاص. نبضٌ عنيف يضرب خلف صدغي الأيمن بإيقاع لا يرحم، كأن فأساً صغيرة تُدقّ في العظم مرة تلو الأخرى. الثمن. دائماً هناك ثمن. دقيقة واحدة — ستون ثانية لا ثانية تزيد — هي كل ما يمكن لهذا الجسد المتهالك تحمّله تحت وطأة “العقل الفعال” في صورته الجديدة المتفتحة. ما بعد الدقيقة، تبدأ الأوعية الدموية في الاحتجاج ثم في الاستسلام، ويبدأ الوعي بالتفتت كرماد ورقة تحترق. لكن — ورغم كل هذا القيد الخانق — كان هناك شعور آخر يسري في عروقي معاً: رضا غريب أعمق من الألم وأثقل منه، شعورٌ لا يُخطئه من عرف الوصول بعد طريق طويل.
لقد فعلتُها.
ستة أشهر. ستة أشهر فقط كانت كافية لأعبر البوابة التي استغرقت عباقرة القارة سنواتٍ يعدّونها بالندم. تذكرتُ الأساطير التي كانت تُتداول في الحانات والثكنات عن ذلك العبقري الأسطوري الذي حطم الرقم القياسي بوصوله إلى “الفهم” في ثمانية أشهر متواصلة من الانكسار والمحاولة والعودة. ثمانية أشهر كانت تُذكر بنبرة التقديس. واليوم — في هذه الغرفة الباردة ذات الجدران الحجرية الرطبة والشمعة التي كادت تنتهي على طاولتي — أنا دارون، المرتزق الذي لم يكن يملك سوى ظله وسيفه وعناده، قد حطمتُ ذلك الرقم وسحقتُه. لم يكن هذا غروراً بالمعنى الأجوف للكلمة. كان سلاحاً. سلاحاً سأحتاجه في الجحيم الذي يقف على باب الغد وينتظر.
خرجتُ من غرفتي. ردائي كان أبيض الأطراف بالحبر الجاف الذي استخدمته ليلة أمس في رسم الخرائط الذهنية على الورق، وحذائي الجلدي لا يزال مربوطاً بعقدة الطوارئ التي أعدّها حين أنام دون أن أتيقن من الليل. سرتُ نحو قاعة الاجتماعات الكبرى عبر الممرات الحجرية التي يعرفها جسدي حفظاً من كثرة العبور.
الهواء في القصر كان ثقيلاً ذلك اليوم. رائحة البخور الداكن الذي يُحرقونه قبل المعارك الكبرى تمتزج برائحة الحديد المشحوذ حديثاً — تلك الرائحة المعدنية الحادة التي تعرفها الأنوف التي مرّت بما مررنا به. مزيج غريب من العبادة والاستعداد للقتل.
عند وصولي، انفتحت الأبواب الثقيلة المصفّحة على طرفين وكشفت عن مشهد يحبس الأنفاس لمن يرى ما أراه الآن.
كان يوليوس يجلس في صدر القاعة على كرسيه الواسع المصنوع من خشب البلوط الداكن، يرتدي درعه الذهبية الكاملة التي تلمع بريقاً خافتاً في ضوء الشموع الاثنتي عشرة المصطفة على الطاولة الطويلة. وحوله فرسانه العشرة — نخبة النخبة، رجال ونساء اختارتهم السماء أو الجحيم أو كلاهما لمحو ما يجب محوه من الخارطة.
لكنني الآن لم أرَهم كما كنتُ أراهم من قبل.
بعيني الجديدة — بهذه البصيرة التي لا تزال طازجة وحادة كجرح لم يُجفّف بعد — رأيتُ ما تحتهم. الخيوط. خيوط الإرادة تخرج من كل واحد منهم كأنهر مضيئة تتدفق في اتجاهات مختلفة. بعضها واسع وهادئ كنهر كبير يعرف مجراه، وبعضها ضيق ومضطرب ينفجر بحواجزه ذات اليمين وذات الشمال.
وكان هناك ذلك الفارس الجديد. الذي انضم في بداية هذه الحرب ولم يكشف عن نفسه إلا قليلاً أمام من لا يرون جيداً. لكنني رأيته الآن بما لم يره فيه أحد. خيوط إرادته كانت لا تتدفق بل تنتصب — قضبان من فولاذ مضيء بانتظام صارم محسوب كعمود قصيدة قديمة، كأن كل خيط منها وُجد في مكانه بقرار لا بفطرة. وهذا وحده كان كافياً لأن يجعلني أشعر بذلك التوتر اللطيف خلف عيني.
تقدمتُ بخطوات ثابتة، ولأول مرة منذ عرفته، وجدتُ في نفسي الجرأة والرغبة الحقيقية لأسأله:
— “عذراً أيها الفارس.” توقفتُ أمامه بمسافة تُظهر الاحترام لا الخوف. “لم يسبق لي أن نلتُ شرف معرفة اسمك.”
رفع عينيه إليّ. وكانت عيناه رماديتين بدرجة تقترب من الفضة، تنظران بطريقة تجعل المرء يشعر أنه يُوزَن لا يُنظَر إليه. وزن بعينيه روحي — أو هكذا بدا — ثم فتح شفتيه:
— “راؤول.”
صوته كان عميقاً، له رنين يشبه قرقعة الرعد حين يأتي من بعيد لا من قريب. ولم يُضف كلمة أخرى. الاسم وحده كان كافياً؛ كأنه يعلم أن من يسأل عنه يعرف ما يعنيه هذا الاسم.
امتلأت القاعة في الدقائق التالية. تدفّق الجميع من أبوابها الثلاثة، وتشكّل المشهد الكامل تدريجياً كلوحة يُكملها رسّامها المقطعة بعناية.
فريق كيرا وقف في الميمنة. كيرا نفسها ترتدي صدريتها الفضية ذات الحوافّ الزرقاء المطرّزة، وشعرها الداكن مضفوراً إلى الخلف بتعقيد يُخفي ذكاءً أكثر مما يُظهر أناقة. أفراد فريقها يصطفون خلفها بهدوء من يعرف دوره تماماً.
فريقي اتخذ مكانه في الوسط.
لكن ما جذب انتباهي وشدّ عيني شداً لا إرادياً كان فريق رين.
رين. الصديق المرتزق الذي عرفته ضاحكاً حين لا يستحق الموقف الضحك، والذي يُعلق على المواقف الكارثية بتعليقات تجعلك تتساءل إن كان يأخذ الحياة بجدية أصلاً. ذلك الرجل لم يكن موجوداً في تلك القاعة. الكيان الواقف مكانه كان شيئاً آخر تماماً.
عيناه كانتا غائرتين في وجهه كأنهما تراجعتا إلى الداخل هرباً من شيء يرفضه وجهه. يحيط بهما سواد عميق يفضح ليالي من الأرق المتراكم كطبقات الطين في قاع نهر لا يجف. وتعبير وجهه لم يكن غضباً ولا حزناً ولا أياً من تلك المشاعر التي تُفهَم وتُوصَف. كان برداً انتحارياً — ذلك النوع من البرد الذي ينتمي إلى رجل قرّر بهدوء تام أنه مات بالفعل وما تبقى من عمره هو فقط مسألة توقيت وانتقام. كأنه قد تسوّى مع نهايته وبقي فقط ليُحدد من سيأخذ معه.
ورأيتُ بعيني الجديدة خيوط إرادته. كانت مسننة، حادة، متشظية كأنها كُسرت مرةً وحاولت إعادة تركيب نفسها لكنها أعادت تركيب نفسها بالاتجاه الخاطئ. كانت تمزّق الهواء من حوله كشفرات حلاقة متطايرة.
شيء ما حدث له. شيء لا أعرفه بعد.
في الجهة المقابلة، اصطف قادة الفرسان المتدربين بنظام يُظهر تدريبهم قبل أن يُظهر أجسادهم. وعلى رأسهم كان محمد.
وقف محمد بوقار مذهل لا يتكلّفه. ظهره مستقيم كخط يُرسَم بالمسطرة، ويداه خلفه في هيئة من يستقبل لا من ينتظر. وبمجرد أن التقت عيناي بعينيه عبر المسافة، رأيتُ فيهما شيئاً لم أكن أتوقع رؤيته: فخراً. فخراً مكتوماً يتحرك خلف هدوء تعلّم إخفاءه، فخر المعلم الذي لا يُعلن لكنه يعرف حين يرى تلميذه وقد عبر الضفة التي وصف له ضفافها طويلاً. أومأتُ له بحركة خفية كادت لا تُرى. وأومأ بخفوت مماثل. لم نكن بحاجة لأكثر من ذلك.
أشار يوليوس بيده إشارة واحدة هادئة.
تقدّمت بيث.
كانت بيث في هيئتها الكاملة ظاهرة لافتة لمن يعرف كيف ينظر. ترتدي ثياب الاستطلاع الرمادية الداكنة ذات الأكمام الضيقة والجيوب المتعددة المُثبَّتة بأحزمة جلدية دقيقة، وفوقها رداء أزرق غامق خفيف يتحرك مع تحركها كأنه جزء من هواء يحيط بها خاص بها. وتحركاتها حين تمشي لا تُصدر صوتاً كافياً لتنبيه أحد، كأن قدميها تعرفان ما يعلمه الظل. خيوط إرادتها — كما رأيتُها بعيني الجديدة — كانت رقيقة وشفافة وسريعة كخيوط العنكبوت في مهب ريح خفية.
بسطت خارطة ضخمة للغابة الغربية فوق الطاولة بحركة واحدة منسجمة، وقالت بصوت حاسم لا يعلو لكنه يملأ الغرفة:
— “أيها السادة. العدو لم يعد يختبئ. بدأت جحافل العصابات بالتحرك بكثافة على طول الغابة الغربية، وقد انتهى وقت الإخفاء. تقديراتنا تشير إلى نشر ما يقارب خمسمائة مقاتل على المحاور الرئيسية. لكنهم ليسوا مجرد حثالة مُجنَّدة بالمال.”
وضعت إصبعها على نقاط حمراء متناثرة على الخارطة كدم جفّ:
— “هناك عشرة قادة من المستوى الثاني يُوزّعون على الجبهات، ورئيسان من المستوى الثالث يقودان الزحف الأساسي. هدفهم واضح ومقروء: خنق المدينة وشل حركتها قبل أن نتمكن من تنظيم أي هجوم مضاد فعلي على سبارك.”
صوت يوليوس جاء هادئاً كزجاج: “ما هي خطتك يا بيث؟”
— “سنرسل قوة من ثلاثمئة جندي ومرتزق، يدعمهم خمسة وعشرون فارساً متدرباً على التحرك في الغابة الكثيفة.” لم تتوقف، كأنها تقرأ ما حفظته. “لكن قلب المعركة الحقيقي سيعتمد على الخمسة الكبار: ستارك، وجون، وراؤول، وأنا. ومعنا الفارسة إيريس — رامية السهام التي ستكون أعيننا في السماء وصوتنا في غياب الرؤية.”
بدأ توزيع الأدوار يتشكّل فوق الخارطة كقطع شطرنج تُوضَع واحدة تلو الأخرى فوق رقعة الموت:
— “إيريس ستكون في المرتفعات. تُرشد الجنود وتؤمن التغطية ببصيرتها من فوق ما لا تراه العيون على الأرض.” توقفت بيث ثانية واحدة، ونظرت في وجوه الخمسة الكبار تباعاً: “أما الرئيسان من المستوى الثالث، فمواجهتهم ستكون انتحارية بكل ما تحمله الكلمة. ستارك وجون سيواجهان الرئيس الأول. وأنا وراؤول سنشكّل الجبهة أمام الرئيس الثاني.”
أومأ ستارك برأسه دون كلام. وجون وضع يده على مقبض فأسه دون أن ينظر إلى أحد. أما راؤول فلم يتحرك مطلقاً، كأن الخبر لم يصله أو وصله وأدركه من قبل أن يُقال.
— “يتبقى القادة العشرة من المستوى الثاني.” أكملت بيث وفي صوتها ما يُشبه ثقل الاعتراف. “هؤلاء هم من سيُحددون مصير الجنود العاديين إذا تُرِكوا أحراراً يتصرفون كما يشاؤون.”
في تلك اللحظة، شعرتُ بشيء ينبض في صدري. ليس الخوف وليس الحماس، بل شيء بينهما بالضبط — شيء يُشبه الإدراك حين يصل إلى نقطة لا عودة.
تقدمتُ خطوة للأمام. وأحسستُ بأنظار العشرة الكبار تنغرز في جسدي كما تنغرز مخالب في قماش.
— “سأواجه أحدهم وحدي.”
قلتُها. الصوت لم يرتجف.
لم يكد صدى كلماتي يتلاشى حتى تحرّك رين. تقدّم ببطء لم يُشبه أبداً بطأ الإحجام، بل بطأ الحتمية. وحين تكلّم كان صوته حشرجةً خارجة من عمق لا يُعرف قاعه:
— “وأنا.. سأمزق أحدهم أيضاً.”
وكما تبدأ الصخور بالتساقط حين تتحرك أولاها، تتابعت الالتزامات.
كيرا وإيمي وجين أعلنوا تعاونهم لمواجهة القائد الثالث. جين، بدرعه الصلب المُعمَّر ذي الطبقات الثلاث من الجلد المُقوَّى بالحلقات المعدنية، سيكون السد الذي تتكسر عليه الضربات. وإيمي — وسيفاها القصيران ذوا الشفرات المزدوجة اللذان تُحرّكهما بتناوب يُضلل أي خصم عن توقع الضربة الحقيقية — ستكون الموت الخاطف الذي يأتي بعد أن يكسر جين حركة العدو.
تقدّم كارل. الشاب الذي عرفتُه يوماً يرتجف خلف جدار حين تُشحَذ السيوف في الغرفة المجاورة. وقف الآن بكل ثبات لا تكلّف فيه:
— “سأواجه الرابع.”
وعمر وخالد قرّرا دمج قوتيهما جسداً واحداً وعقلاً واحداً لمواجهة الخامس، بالتنسيق الذي اكتسباه من معارك يكره كلاهما استرجاعها.
ثم حدث ما جعل القاعة تتوقف عن التنفس.
تقدّم محمد.
لم يُسرع ولم يُدرم الوقوف بما يلفت الانتباه. تقدّم بخطوة واحدة هادئة كاملة الوقار. ولم يرفع صوته حين تكلّم، لكن كلماته كانت لها من الثقل ما يجعل الصمت بعدها أثقل:
— “سأقاتل اثنين منهما معاً.”
اتسعت العيون. فتحت الأفواه. وقبل أن يتمكن أحد من الكلام، أكمل محمد بنفس الهدوء المتمكّن وفيه شيء يُشبه الفرح الداخلي الصامت:
— “لقد لمستُ طرف الخيط الذهبي — بداية المستوى الثالث. وهذان القائدان سيكونان قرباناً لولادتي الجديدة. لن أحتاج لرحمة في ذلك.”
ساد صمت آخر. نوع الصمت الذي لا يأتي من الكلمات بل من ثقلها.
إيريس، من موقعها المرتفع قليلاً على منصتها الحجرية الصغيرة، رفعت قوسها الطويل ببطء حتى صار أمامها عمودياً كأنها تُقسم به:
— “سأتكفل بأحدهم من بُعد قنصي. سهم واحد لا يرى القادم ولا يسمعه.”
تبقّى اثنان من العشرة. نظر الجميع إليّ. ونظرتُ أنا إلى ظلّي على الأرض الحجرية.
ابتسمتُ. ابتسامة باردة تُشبه الزجاج أكثر مما تُشبه الدفء:
— “لا تقلقوا على الأخير.” رفعتُ عيني وتجوّلتُ بها في وجوههم واحداً تلو الآخر. “الفهد الأسود سيتولى أمره. منذ أن لمستُ بداية المستوى الثاني، لم يعد الفهد مجرد أداة استدعاء تستجيب للأوامر. لقد أصبح كياناً يفهم جوهر القتال بوعيه هو، لا بأمري أنا. سيكون قتاله غداً تقييماً لقوته الجديدة، ولن يحتاج أصابعي على قفاه.”
رعشة. أحسستُ بها تسري في الغرفة كموجة غير مرئية. أن يقاتل استدعاء وحده — بلا تدخل صاحبه — ضد قائد من المستوى الثاني؛ هذا كان تجاوز الخيال نحو شيء لا اسم له بعد. لكن أحداً لم يُشكّك. لأن البصيرة التي كانت تشع من عيني في تلك اللحظة — تلك النظرة التي تُخبر المُقابل أنك ترى ما لا يستطيع رؤيته — كانت كافية.
سكون ما قبل العاصفة
اختتم يوليوس الاجتماع. قال كلمة واحدة، بصوت هادئ كرصاصة مُطاطة تبتلع صوت اصطدامها:
— “غداً.. نكتب تاريخ هذه المدينة. بدمائنا، أو بدمائهم. انصرفوا.”
خرجنا. لكن الجو لم يكن للاحتفال ولا للكلام الكثير. انتشر الجميع في صمت مؤسَّس، كل واحد يحمل ثقل ما التزم به. بدأ الاستعداد المحموم يتشكّل في كل ركن من أركان القصر؛ صوت الشحذ يتصاعد من الغرف الجانبية كموسيقى باردة، وصرير حلقات الدروع حين تُفحَص وتُعدَّل وتُشدّ، وحركة الخطوات التي باتت أسرع وأثقل في نفس الوقت.
يوم واحد. يوم واحد يفصلنا عن أكبر مواجهة شهدتها الغابة الغربية منذ ذاكرة لا يعرف الكثيرون كيف تُقرأ.
عدتُ إلى غرفتي في آخر النهار، حين كان الضوء يُسحب من النوافذ الضيقة ببطء اليائس. أغلقتُ الباب. جلستُ على الأرض الحجرية الباردة، لا على الكرسي ولا على السرير — على الأرض، حيث يجلس من يريد أن يتذكر أنه جزء من هذا العالم لا فوقه.
استدعيتُ الفهد الأسود.
ظهر. لكن هذه المرة بشكل مختلف.
ليس تلك الأجزاء من الدخان الذي يتجمع ببطء. ظهر بضخامة جديدة وفورية، حجمه لم يعد حجم الفهود التي رأيتُها. كان يُساوي حصاناً في طوله وعرضه على الأقل، وربما يتجاوز. فراؤه الأسود الكثيف يشع بضوء بنفسجي باهت كلون الغسق الأخير قبل السواد التام، ضوء لا يُضيء ما حوله بل يُضيء نفسه فحسب. عيناه كانتا مفتوحتين بالكامل وفيهما — ولأول مرة — شيء يُشبه الوعي المستقل. شيء يرى لا مجرد شيء ينظر.
وضعتُ يدي على رأسه. الفراء كان دافئاً بدرجة تُفاجئ، كأن نار خفية تحت الجلد لا تنطفئ. وحين أغمضتُ عيني، شعرتُ بشيء يحدث لم يحدث من قبل — شعرتُ بوعيه يلمس وعيي. ليس اندماجاً كاملاً، بل لمسة. مصافحة بين كيانين يُقرّان لأول مرة بوجود بعضهما.
— “غداً يا صديقي.” صوتي في الغرفة الصامتة كان يبدو أصفى وأثقل في آنٍ واحد. “سنريهم ما معنى أن يلمس المرء الفهم. غداً، لن نكتفي بمواجهة الخيوط وتتبّعها خيطاً خيطاً. سنمزق النسيج كله.”
أغمضتُ عيني.
الغرفة كانت صامتة. لكن المدينة بالخارج لم تكن صامتة بنفس القدر. كانت تنبض بهدوء من نوع خاص — هدوء لا يُشبه الراحة. يُشبه أكثر ذبيحة تنتظر السكين، أو يُشبه — من الزاوية الأخرى — وحشاً ضخماً يستجمع أنفاسه في الظلام قبل أن يقفز.
والغد كان آتياً. لا يستأذن ولا ينتظر.