الفصل 66 - المعركة الأخيرة
بزغ فجر اليوم الخامس فوق مدينة سبارك كجرحٍ غائر في نسيج السماء.
لم يكن الضوء الذي تسلل عبر سحب الدخان الكثيفة ذلك الضوء الذي يُبعث على الأمل ويجعلك تتنفس بعمق وتشعر أن ما بعده سيكون أفضل. كان نذيراً. ضوء مجزرة عُمّدت بمئة وعشرين ساعة من الزحف المرير عبر السهول الحجرية الواسعة، عبر الليل والمطر والجوع والجراح التي لم تجد وقتاً للالتئام، حتى أوصلتنا أخيراً إلى هنا. إلى حافة الهاوية.
وقفنا على تلةٍ صخرية تشرف على أسوار مدينة سبارك.
كانت سبارك تبدو ككائن ميت يرفض السكون. جدرانها الحجرية الشاهقة كانت مغطاة بطبقات من الرماد المتصلد الذي تراكم سنوات حتى أصبح جزءاً من المادة لا طبقة فوقها، وكأن المدينة بأكملها قد غُلّفت بكفن من الكراهية. لا شجرة واحدة على أسوارها. لا راية. لا صوت طائر. فقط الرماد والحجر والصمت الذي يثقل أكثر من أي ضجيج.
قال يوليوس بصوت هادئ يحمل في طياته صدى العواصف الرعدية لمن يعرف كيف يُنصت:
“خمسة أيام من الألم لتصلوا إلى هنا. اليوم سأعلم سيد الرماد أن فيرون لا تنحني، بل تكسر الأعناق.”
تراجعتُ خطوة إلى الوراء وشعرتُ بالفهد الأسود يتململ في أعماقي، لا كإحساس خفيف بل كهديرٍ دموي يتدفق في العروق، طاقة احتُبست خمسة أيام ووجدت أخيراً أن البوابة أمامها على وشك الانفتاح.
بجانبي كان ستارك يقف كتمثال من الذهب البارد. هالته كانت مضغوطة بشكل مُحكم لدرجة أن الهواء المحيط به كان يبدو أكثف، كأن المسافة بينك وبينه تقاوم الاقتراب برفق. لم يعد ستارك القائد الذي تعرفه، الذي يحمل في ابتسامته شيئاً من الدفء حتى في أشد اللحظات. كان الآن المقصلة التي تنتظر دورها بصبر الحديد.
خلفنا وقف السبعمائة جندي في تشكيل رأس السهم. يحيط بهم الفرسان الثمانية الرسميون الذين صمدوا بعد كل ما فقدنا، وفرساننا المتدربون الذين صقلهم جحيم الغابة حتى أصبحوا شيئاً آخر غير ما دخلوا به. كانت قلوبهم تدق كطبول الحرب بإيقاع موحد، وعيونهم لا ترى سوى شيء واحد: الانتقام لثلاثمائة وثمانية عشر رفيقاً تركوا جثثهم خلفنا على طول الطريق.
ثلاثمائة وثمانية عشر. عددٌ كنتُ أحمله في صدري كحجر لا يتحرك.
تقدّم يوليوس نحو حافة التلة ببطء مُدروس.
فجأة سكنت الرياح الطبيعية تماماً، كأنها استأذنت وانسحبت. حلّ صمت مرعب لثانية واحدة كاملة، صمت من النوع الذي يسبق شيئاً لا مثيل له.
ثم انفجر الجحيم.
بدأت هالة يوليوس تتجلى.
لم يكن ما رأيناه مجرد تضخم للطاقة أو ارتفاع في الحرارة المحيطة. كان تحولاً. كأن يوليوس قرر في تلك اللحظة أن يكون ما هو عليه بالكامل، دون تحفظ ودون رحمة.
بدأ الهواء حوله يدور بسرعة جنونية تتصاعد باستمرار، مُخلّفاً دوامات ذهبية وبيضاء تمزق الحصى الصغيرة من تحت قدميه وترسلها مشعّةً في كل اتجاه. شعره الذهبي يرفرف كأجنحة طائر يرفض أن يبقى أرضاً. وعيناه اشتعلتا بنور سماوي قاتل، ليس نور المصباح بل نور البرق الذي يجد هدفه.
لم يكن يوليوس يتحكم في الرياح. كان يخلقها من جوهر إرادته ذاتها.
“أيتها الرياح العظيمة، اقرضيني قوتك ومزقي أعدائي!”
زأرها بصوت لم يكن صوت رجل يتكلم بل صوت رجل يأمر عنصراً من عناصر الطبيعة ويعرف أنه سيُطاع.
رفع يده عالياً، وأصابعه ترسم شيئاً في الهواء المتدوّر حوله. ثم أهوى بها نحو البوابة الرئيسية لمدينة سبارك.
انطلق من كفه إعصارٌ مضغوط لا أملك كلمات كافية لوصفه لمن لم يشهده. لم يكن هواءً معتادا متسارعاً. كان كتلة من الضغط الجوي المطلق المشبع بالإرادة حتى آخر جزيء فيه، وزناً لا يُرى ولكنه يُحسّ قبل أن يصل بثوانٍ.
ببببببااااام!
عندما اصطدم الإعصار بالبوابة، لم تتحطم الخشبة أو تتشقق الفولاذ. تبخّرت. تبخّرت كأنها لم تكن موجودة إلا في حلم قررت الطبيعة أن تُنهيه. الموجة الارتدادية انطلقت في كل اتجاه بقوة جعلت الأرض تحت أقدامنا ترتجف ارتجاجاً واحداً حاداً، وأدّت إلى تصدع الجدار الحجري المحيط بالبوابة لمسافة مئة متر في كلا الاتجاهين.
تهاوت الأحجار العملاقة كقطع لعب طفل. انقشع الغبار الكثيف ببطء ليكشف عن فجوة هائلة مفتوحة في قلب دفاعات سبارك، جرحٌ أحدثه رجل واحد في أسوار مدينة بأكملها.
“الهجوم الشامل!”
صرخ يوليوس، واندفعت ريحه لتشكّل نفقاً من الضغط يسير الجنود في مساره يحميهم من السهام المنهمرة كالمطر من الأبراج.
اندفع جيشنا كالسيل الجارف وسط حطام الجدران. وبدأت صرخات الحرب تمزق سكون سبارك الميت قطعة قطعة.
بمجرد دخولنا أدركنا أن سيد الرماد كان قد أعدّ لنا ما أعدّه.
لم يخرج لنا في معركة مفتوحة. لم يجمع قواته في نقطة واحدة. فعل ما يفعله العقل الذي لا يُقاتل بالعضلات بل بالحساب.
وزّع قادته الثمانية من المستوى الثالث في ثمانية مراكز استراتيجية داخل المدينة، كل واحد منهم يحيط به مئات المقاتلين في موقع مُختار بعناية. خطته واضحة لمن يعرف كيف يقرأها: تشتيت قوتنا، استنزاف جنودنا في زواريب المدينة الضيقة حيث لا تُجدي الأعداد ولا تُجدي هالات القادة الكبار، ومنعنا من الوصول إلى القصر ككتلة واحدة.
‘إنه يريدنا أن نصل إليه منهكين. يريدنا أن نكون قد خسرنا ما لا يُعوّض قبل أن نصل إليه.’
“تفرقوا!”
صرختُ وأنا أُوجّه العقل الفعال لرسم خرائط الاشتباك السريعة في ذهني، كل خيط من خيوط الإرادة في المدينة يُحدد مكان تمركز.
“كل فريق يتجه إلى هدفه. يوليوس وستارك وأنا سنتجه للقلب مباشرة!”
انفصلت الفرق كشرايين دم متفجرة في كل اتجاه.
محمد ضد الشبح اللامرئي:
في الحي الغربي المظلم حيث لا تصل الشعلة إلى كل زاوية، كان محمد يواجه قائداً يمتلك قدرة التخفي المطلق.
لم يكن خصمه يختفي في الظلال كمن يقف خلف جدار. كان يتلاشى تماماً عن كل حاسة، لا يُرى ولا يُحسّ ولا تجد له إرادةً واضحة في الهواء. الجنود من حول محمد كانوا يسقطون تباعاً بضربات خفية لا مصدر لها، كأن الموت يختار من يريد ويأتيه دون استئذان.
أغلق محمد عينيه.
لم يكن بحاجة للبصر. فعّل بصيرة الهلاك بأقصى مستوياتها، وتحوّل وعيه كله نحو ما لا تراه العين.
‘أنا لا أبحث عن جسدك. أنا أبحث عن نيتك في القتل.’
رأى محمد في تلك العتمة الداخلية خيوط المصير تهتز في الهواء الفارغ أمامه. خيوط باهتة جداً، كادت تكون غير موجودة، لكنها كانت هناك. إرادة القتل لا تختفي حين يختفي الجسد.
فجأة استدار نصف دورة كاملة بثقة من لا يُخطئ، وغرس سيفه المنحني في فراغٍ تام.
سُمعت صرخة ألم مكتومة في الهواء.
ظهر القائد وهو يُمسك ببطنه النازفة التي لم يتوقع أن تكون مكشوفة، ذهوله مكتوباً على وجهه بخط لا يُمحى. كيف؟ لكن محمد لم يمنحه وقتاً للسؤال. في ومضة واحدة من سرعة المستوى الثالث، قطع حياة الشبح قبل أن يتمكن من التلاشي مجدداً.
“لا يمكنك إخفاء قدرك عن بصيرتي.”
همسها محمد وهو يُكمل زحفه وسط دهشة الجنود الذين لم يروا ما رآه، ولن يفهموا ما حدث إلا حين يقصّه عليهم لاحقاً.
كارل وعمر ضد سيد التجنب:
في الساحة المركزية حيث البلاط يعكس الدماء كالمرآة، كان كارل يواجه خصماً لا يُضرب.
القائد هنا لم يكن يمتلك درعاً ثقيلاً ولا قوة مفرطة. كان يمتلك قدرة التهرب التام. كل ضربة ارتجاجية يوجهها كارل بقوته الكاملة كانت تمر عبر فراغ حقيقي؛ الخصم يتحرك بنعومة سائلة لا تُصادم بل تتحاشى، متوقعاً زوايا الهجوم قبل حدوثها بكسور من الثانية، كأنه يقرأ الضربات من مصدرها لا من مساراتها.
“إنه يتلاعب بالمساحة!”
صرخ عمر وهو يغرس رمحه في الأرض ليمنع انزلاقه على البلاط الأملس.
“إذاً سأحطم المساحة بأكملها!”
ردّ كارل بغضب أبيض هادئ، أخطر أنواع الغضب.
شحن كارل قبضته اليمنى بالضربة الارتجاجية حتى شعرتُ بالموجة حتى من مكاني البعيد. لكنه لم يوجّهها نحو الخصم هذه المرة. وجّهها نحو الأرض.
ضرب البلاط الحجري بكل قوته.
الارتجاج لم يكن موجة واحدة بل سلسلة من الترددات المتتالية التي انتشرت في كل اتجاه عبر الحجارة، تهزّ الأرض تحت القدمين وتُعطّل أي حساب دقيق للتوازن. توازن القائد اختل للحظة واحدة، لحظة واحدة فقط لكنها كانت كافية.
انقض عمر برمحه وثبّته. وأجهز كارل بضربة ساحقة هوت على قفصه الصدري بصوت أخبر الجميع أن المعركة انتهت.
فريق إيمي ضد المحرك الذهني:
المواجهة الأكثر رعباً كانت لفريق إيمي وكيرا وجين.
القائد الذي واجهوه كان يمتلك قدرة التحريك الذهني بمستوى يجعل القتال المعتاد ضده هزلاً. بمجرد اقترابهم ارتفعت جثث الجنود والأنقاض والحجارة في الهواء كأن قانون الجاذبية استأذن وغادر، لتشكّل جداراً دفاعياً، ثم بدأت تُقذف نحوهم كقذائف لا تُخطئ موجّهة بعقل يحسب لا يُخمّن.
“لا أستطيع الاقتراب!”
صرخت إيمي وهي تقفز جانباً متفادية عربةً خشبية طائرة اخترقت الهواء حيث كان رأسها قبل ثانية.
شعر جين بجسده يُرفع عن الأرض بقوة غير مرئية ترفعه ببطء مُتعمّد ليُدرك ما يحدث له. القائد كان يبتسم ابتسامة من يُريد أن يُشاهد ألمه، ويضغط ذهنه على جسد جين بقوة تصعد تدريجياً نحو الكسر.
“جين! استعمل الارتداد الآن!”
صاحت كيرا وعيونها تحدد مركز الطاقة في الجسد الجالس المتحكم.
فعل جين قدرة الارتداد الفائق بكل ما بقي له من تركيز محبوس في جسد يُضغط عليه. لكن ليس لصد ضربة مادية هذه المرة. وجّهه نحو الداخل، نحو القوة الذهنية التي تخنقه، ودفعها.
الانفجار الارتدادي كسر القبضة الذهنية لثانية واحدة.
ثانية واحدة فقط.
كانت تكفي.
انطلقت إيمي في تلك الفجوة بسرعة تجاوزت حدود الصوت، شعرها يتطاير خلفها وسيفها المسموم يتقدم الكل. وصلت لنحر القائد قبل أن يُغلق جفنيه في الردّ. نصلها المشبع بالسم الذي يُسرّع النزيف شق عنقه بحركة واحدة لا عودة فيها.
تهاوى المحرك الذهني.
وتحطم حوله كل ما كان يرفعه، الحجارة والأنقاض والجثث، كل شيء عاد إلى الأرض دفعة واحدة بصوت ارتجاج ملأ الزقاق بأكمله.
بينما كانت المدينة تتطهر بدماء قادتها، كنا نحن الثلاثة نشق طريقنا كالإعصار في الشارع الرئيسي المؤدي للقصر.
لم يستطع أي جندي عادي الوقوف أمامنا. ليس لأننا لم نكن نُريد القتال، بل لأن الوقوف أمامنا كان يعني الموت بثمن لا يستحقه أحد من هؤلاء الجنود الذين لم يختاروا سيدهم.
يوليوس كان يسير في المقدمة وخطواته تترك حفراً صغيرة في البلاط الحجري من ثقل الهالة المضغوطة حوله. كلما حاول مقاتلو المستوى الثاني اعتراض طريقنا، كان يوليوس يرفع يده فقط لا أكثر. شفرات هوائية غير مرئية تنطلق وتقطع الدروع واللحم ببرود مرعب لا يُفرّق بين الجلد والفولاذ. قوته في قمة المستوى الرابع كانت تجعل كل مواجهة تبدو إبادةً من جانب واحد.
ستارك كان يتحرك إلى يميني بعيون تُمشّط الأسطح والنوافذ والزوايا الخفية. هالته الذهبية تومض بشكل متقطع كنبضات قلب عملاق يُعدّ ضرباته. كان يحافظ على كل ذرة إرادة للأوامر النهائية، لا يُبذّر ما لا ضرورة لبذله.
أما أنا، فالعقل الفعال كان يعمل بأقصى طاقته، يُحلّل مسارات النبال والرماح من أبراج الحراسة، يُوجّه سيفي لصدها في حركات باتت غريزية لا تفكير فيها. وفي أعماقي كان الفهد الأسود يزمجر بهدوء مشحون، لا يريد الانطلاق قبل أن يأتيه الوقت.
وصلنا إلى الساحة الكبرى أمام القصر.
كانت الساحة صامتة بشكل مريب. الرماد يُغطي كل شيء كغطاء لم يُرفع منذ سنوات. الجثث هنا لم تكن لجنودنا. كانت لجنود سبارك أنفسهم، قُتلوا على يد سيد الرماد لتغذية طقوسه الملعونة. قتل جنوده بنفسه. هذا وحده كان يُخبرني بما سنجده خلف تلك البوابة.
توقفنا أمام البوابة الداخلية للقصر.
لم تكن بوابة عادية. كانت مصنوعة من معدن الرماد، مادة لم أرها من قبل، سوداء بسواد يمتص الضوء بدلاً من أن يعكسه، وتُصدر صريراً خفياً مستمراً يشبه صرخات أرواح حُبست فيها ونسيت كيف تصمت. كانت هذه البوابة هي ما يفصلنا عن سيد الرماد.
وضع يوليوس يده على المعدن الأسود.
فجأة اشتعلت النقوش البركانية المنحوتة على سطح البوابة باللون الأحمر القاني، كأنها أوردة دم تعود للنبض. شعرنا جميعاً بضغط هائل يخرج من خلف البوابة، ضغط لم يكن جسدياً وحده. كان ضغطاً روحياً يُحاول سحق الإرادة قبل أن تدخل، يُهمس لك: من أنت حتى تطرق هذا الباب؟
“إنه ينتظرنا.”
همس ستارك وبدأت هالته الذهبية بالاشتعال بعنف متصاعد، كأنها ترد على التحدي.
“أشعر بوجوده. إنه ليس وحيداً. لديه أربعة من حراسه الشخصيين، جميعهم في المستوى الثالث.”
نظرتُ إلى يوليوس.
على وجهه تعبير لم أره فيه من قبل في كل المعارك وكل الاجتماعات وكل اللحظات الصعبة التي مررنا بها معاً. لم يكن خوفاً. كان تركيزاً مطلقاً، ذلك النوع من التركيز الذي يأتي حين تعرف أنك وصلت إلى اللحظة التي كنت تتقدم نحوها منذ أمد بعيد.
“دارون. ستارك.”
قالها بصوت هادئ لا يحتاج إلى رفع النبرة ليحمل ثقله.
“خلف هذه البوابة لا يوجد تراجع. إما أن نخرج بمدينة سبارك محررة، أو نكون جزءاً من هذا الرماد للأبد.”
استللتُ سيفي.
شعرتُ بمخالب الفهد الأسود تبرز في خيوط إرادتي، تمدّ نفسها كأنها تستعد للقفزة التي انتظرتها طويلاً. والعقل الفعال أصدر تحذيراً أخيراً في أعماق وعيي بصوت بارد كحساب: تحذير: طاقة معادية مجهولة المصدر. الاحتمالية القصوى للموت: خمسة وثمانون بالمئة.
‘خمسة وثمانون. يعني خمسة عشر احتمالاً للبقاء. سأكون ضمن الخمسة عشر.’
“افتح البوابة يا يوليوس.”
قلتُها وصوتي ثابت كالصخر الذي تقف عليه.
“لقد جئنا لننهي هذا الكابوس.”
وضع يوليوس يده الأخرى على البوابة. وبدأت الرياح السيادية تدور حوله بقوة هائلة متصاعدة، تجمع نفسها لتحطيم العائق الأخير، مُستعدة لأن تكون الأداة التي تفتح هذا الباب إن لم يكن الباب يريد أن يُفتح.
مع صوت صرير المعدن الثقيل وهو يبدأ بالتحرك ببطء مُقاوِم، انبثق ضوء أحمر مرعب من الداخل. ضوء لا يُبدد الظلام بل يُعمّقه.
وتراءى لنا ظلّ رجل جالس على عرش من العظام والرماد.
يُحيط به عشرة ظلال قاتلة لا وجوه لها في هذا الضوء، فقط أشكال وإرادات تنبض بكثافة تجعل الهواء بينها وبيننا يبدو مشحوناً.
توقفت البوابة في منتصف الطريق.
ساد صمت خانق.
وفي ذلك الصمت، في تلك المسافة الضيقة بين ما كنا عليه وما نحن على وشك أن ندخله، شعرتُ بشيء لم أستطع تسميته بدقة. لم يكن خوفاً. لم يكن يقيناً.
كان الشعور الوحيد الذي يملأ صدرك حين تقف على حافة شيء لا تعود بعده نفس الشخص، لا تُقرر ماذا ستكون، لكنك تعرف أن ما كنته قبل هذه اللحظة قد اكتمل.
والبوابة كانت تنتظر.
ونحن كنا نتقدم.