الفصل 6 - الإرادة
بعد التراجع، قمت بإزالة الدم والأوساخ بماء بارد. كان الماء شديد البرودة حتى لكأنه يعض الجلد، لكن برودته ساعدتني على استعادة بعض وضوح الأفكار. الماء البارد لا يكذب. لا يجامل. يوقظك.
كنت أشعر بشعور غريب من النشوة. النصر. البقاء على قيد الحياة في وجه عدو جبار. لقد حققنا شيئاً عظيماً بحق، أنا وإيمي، حين وقفنا في وجه ذلك الفارس ونجونا.
بعد إزالة الدماء والأوساخ، عدت إلى المكان الذي اعتدت الجلوس عليه دائماً، أو على الأقل خلال فترة تواجدي هنا القصيرة. كان جسدي منهكاً. عضلاتي تحترق من الإجهاد كأن أحداً أشعل ناراً في داخلها. كل حركة تكلف. أردت الراحة أكثر من أي شيء. أعلم أن ألم العضلات سيستمر لعدة أيام.
جلست وأغمضت عيني لبرهة.
بعد الراحة لبعض الوقت، شعرت بخطوات تقترب مني من الخلف. خطوات واثقة، أعرف وقعها. استدرت بفضول.
إيمي. بتلك الابتسامة الساحرة المعتادة على وجهها. إن كان هناك شيء مختلف فيها عن المعتاد، فهو الضمادات. ضمادات نظيفة تغطي كتفها ونصف ذراعها، مع مسند من الجلد لتثبيت الذراع. شعرت بالقلق حين رأيتها.
طهرت إيمي حلقها بنبرة مصطنعة وقالت:
“لا تقلق، إنه مجرد جرح. ستعود ذراعي كما كانت.”
ثم رمت في حجري كيساً صغيراً قبل أن أرد.
“تفضل نصيبك.”
كنت محتاراً. ففتحته على مضض ورأيت خمس عشرة عملة فضية تلمع في راحة يدي. أردت السؤال، ولكنها سبقتني كعادتها:
“إنه ثمن ذلك الدرع الذي ارتداه الفارس. لقد كان غالياً حقاً، خاصة وأنه كان سليماً تقريباً.”
نظرت إليها بغرابة. كيف؟ متى؟ ثم قالت:
“ثمنه كان خمسة وعشرين عملة فضية. أخذت عشرة وأنت خمسة عشر.”
لم يختفِ تعبير الغرابة من وجهي، مما جعلها تقول بلهجة استفسارية:
“ماذا؟ لماذا أنت متفاجئ؟ ماذا تريد؟”
أجبتها: “لقد كان درع ذلك الشخص. لماذا حصلنا عليه وبعناه؟ إنه ليس ملكنا.”
ضحكت بصخب، ضحكة حقيقية من العمق:
“حقاً أنت غريب يا دارون! إنه ميت. ومن الطبيعي الحصول على نصيبنا من الغنائم. هكذا يسير الأمر هنا.”
أشارت لسيفه الطويل الذي كنت أتجاهله متعمداً:
“سيفه ذو جودة ممتازة. سيفك في حالة سيئة. إنه لك. استخدمه.”
عبست وقلت: “حقاً لا أشعر بارتياح عند استخدام أغراض شخص قتلته.”
نظرت إليّ نظرة هادئة ثم قالت:
“حسناً. الموت هو نهاية كل شيء. إنه الخسارة الكبرى. والنجاة هي الفوز الأعظم. والفائز يحصل على كل شيء من الخاسر. هكذا يسير الواقع يا دارون.”
نظرت إليها وقلت: “لن أسمح لنفسي بأن تثبط لأمر تافه كهذا. شكراً لك.”
ابتسمت إيمي وقالت: “لا عليك.”
ثم تغير تعبير وجهها إلى شيء أقرب للفضول الجاد:
“على كل حال… كيف تمكنت من قتله والتهرب من هجماته بتلك الطريقة؟ كدت أموت من هجمتين. دارون.”
كنت محتاراً كيف أصف الأمر لها. فكرت قليلاً في الكلمات المناسبة.
“لقد شعرت بهجومه. أشبه بنيته أو إرادته. مما جعلني أرسم مساراً لهجماته مسبقاً.”
نظرت إليّ باندهاش غريب. باندهاش وشيء آخر لم أستطع تحديده. كأنني كشفت عن شيء لا ينبغي الكشف عنه بهذه السهولة.
صرخت بانفعال: “دارون! هل تقول الحقيقة؟ هذا جنون!”
احترت بشدة وقلت: “ماذا؟ ماذا هناك؟”
نظرت إليّ بفضول حقيقي عميق وقالت:
“أتعلم… الإرادة هي أساس البشر ببساطة. وهي مركز قوتنا ووجودنا. وبالطبع هناك مراحل لها.”
أضافت: “أنا مجرد مرتزقة. أعرف فقط أول مرتبتين.”
“المرتبة الأولى هي الإحساس بها والشعور بها، كما فعلت أنت. بمجرد أن تتمكن من الشعور بها يمكنك التنبؤ بمعظم هجمات خصمك. فالإنسان بطبعه يعيش وفقاً لإرادته حتى وإن أخفاها جيداً. عندما يهاجم، يطلقها ولو ببساطة.”
“المرتبة الثانية هي التحكم في الإرادة. لا أعلم الكثير، ولكنني أعرف أن من يتحكمون بإرادتهم يفوقون مستوى البشر العاديين. بل هناك حتى من يقول أن عمرك يتمدد ثلاثة أضعاف إن وصلت لهذه المرحلة.”
“آسفة، ولكنني لا أعرف حتى كيف تصلها أو ماذا يوجد بعدها.”
توقفت لحظة ثم أضافت:
“أعلم أنه إن أتقنت المرتبة الأولى فأنت في مستوى فارس. أما المرتبة الثانية فتجعل منك فارساً كبيراً.”
“هناك فارس كبير واحد في مقاطعتنا. وواحد فقط في المقاطعة التي نقاتلها.”
“إنهم ليسوا بشراً يا دارون. لا يمكننا حتى تخيّل قوتهم.”
فكّرت بعمق في كلماتها لبضع دقائق. الأرض حولي تتحدث عن دم وحرب، وهي تحدثني عن إرادة وقوة وعوالم أعلى. أين أكون أنا من كل هذا؟
قلت: “شكراً لك يا إيمي. لقد ساعدتني حقاً.”
أضافت: “الشخص الذي قاتلناه كان فارساً متدرباً. لو واجهنا فارساً حقيقياً لكنا أموات. لحسن الحظ أنه كان مجرد متدرب.”
نهضنا وتوجهنا إلى مكان توزيع الطعام. وبمجرد إكمال وجبتنا، سقطنا في نوم عميق يعكس إجهادنا المتراكم من هذا اليوم الثقيل