الفصل 5 - عدو قوي
استمر القتال…
لم يعد هناك معنى للوقت. دقيقة؟ ساعة؟ لم يكن يعلم. الوقت يسيل بطريقة مختلفة حين تكون في قلب المعركة. يبطئ وأنت تتفادى ضربة. يتسارع وأنت لا تزال تلهث بعدها.
كل ما كان يدركه—أنه ما زال حياً.
بصعوبة، تمكن من قتل جندي آخر. ثم آخر. ثم ثالث. كل واحد منهم كان أقرب إلى الصدفة من المهارة. ضربة في اللحظة المناسبة. تراجع في الوقت المناسب. نجاة أكثر من كونها انتصاراً.
تنفّس بصعوبة. الدماء تغطي يديه وسيفه وحتى وجهه. لا يعلم كم قتل. خمسة؟ ربما.
رفع نظره نحو إيمي.
كانت تتحرك بسرعة مذهلة. خفيفة. دقيقة. قاتلة. جسدها يتدفق بين الأعداء كسائل يجد طريقه بين الصخور. سيفها القصير يلمع مع كل ضربة، ومع كل ومضة يسقط أحدهم.
عشرة؟ أكثر؟ لم يكن متأكداً. لكنه كان متأكداً من شيء واحد—أنها مرعبة. بحق.
الغريب…
أن شعور الرهبة بدأ يتلاشى. ذلك الاشمئزاز، ذلك الثقل الذي كان يطحنه بعد كل قتيل، لم يعد كما كان.
وقف للحظة يحدّق في سيفه.
خمسة أشخاص… هل هذا كل ما يلزم ليعتاد الإنسان على القتل؟
إذاً… ماذا عن أولئك الذين قتلوا العشرات؟ هل هم بشر؟
لم يشعر بالدهشة. فقط تقبّل الفكرة. في هذا العالم، وجود الوحوش طبيعي.
وفجأةً—
شعور.
ثقيل. مظلم. كأن شيئاً ينظر إليه من بعيد، كأن ظلاً باردة مسّ ظهره.
التفت فوراً.
إيمي—كانت تنظر في نفس الاتجاه. عيناها ضيّقتا قليلاً.
إذاً لم يكن وحده.
هناك—
رجل.
ضخم البنية بشكل يفوق المعتاد. درعه من الفولاذ المصمت، قاتم وسميك، ليس كالدروع الجلدية الخفيفة التي يرتديها الجنود العاديون. سلاحه… كان سيفاً بحجم لا يُصدق، سيف من ذلك النوع الذي يحتاج رجلاً بيدين قويتين. وحضوره… مختلف. مختلف بشكل لا تحدده الكلمات.
لم يكن جندياً عادياً.
كان كارثة.
يتحرك… فيسقط من حوله الجنود كأوراق الخريف. يضرب… فيموت من أمامه قبل أن يتمنى التراجع. لا توقف. لا تردد. لا إشارة من جسده تخبرك بما سيفعل قبل أن يفعله.
أسرع من أن يُلاحَظ. أشد فتكاً من أن يُقاوَم.
كابوس… لا. أسوأ من كابوس. الكابوس ينتهي حين تستيقظ.
عرق بارد تسلل إلى ظهره فجأة. قدماه ارتعشتا بطريقة لا يستطيع إخفاءها. هذا ليس خصماً يمكن مواجهته. هذا موت يسير على قدمين.
وفجأةً—
نظر إليه.
أعين باردة. فارغة. خالية من الغضب أو الحقد أو حتى الرغبة في القتال. فيها فقط… النهاية. عيون من لا يرى في مقابله إنساناً بل عقبة.
كاد يسقط من مكانه.
ثم تحرك. نحوه. بسرعة مرعبة.
قبل أن يصل—
قوة سحبته من الخلف بعنف.
وسقط أرضاً.
إيمي.
“ماذا تفعل أيها الأحمق؟!”
وجهها من فوقه كان يحمل الرعب والغضب في آن واحد:
“اهرب! إنه فارس! ستموت!”
كل شيء بداخله كان يصرخ: اهرب. اهرب. هذا ليس خصمك. هذا فوق مستواك.
لكن لم يتحرك.
إذا هرب… ستبقى هي. ستقاتله. وستموت.
قبض على سيفه.
لا. لن يهرب.
وكما توقع—
اندفعت إيمي.
سريعة. حادة. كالسهم المرسل من قوس مشدود. سيفها اتجه نحو عنقه بدقة مذهلة.
صدّ. بسهولة مرعبة. كأن هجومها كان يتحرك ببطء شديد بالنسبة له.
ركلة—جعلتها تطير للخلف عدة أمتار. سقطت على ظهرها، لكنها نهضت فوراً كمن وُلد يعرف كيف يسقط ويقوم.
كانت ماهرة—لكنه كان وحشاً.
اندفع نحوها. سيفه الضخم نزل بقوة مرعبة. حاولت التهرب. تحركت بكل ما تملك من سرعة. لكنها لم تنجُ بالكامل.
تمزق كتفها. من أعلى الكتف وحتى منتصف ذراعها. شق عميق أخرج الدم دفقة قوية.
تجمّد.
إيمي تُقتل. إيمي التي أنقذته مرتين. إيمي التي جلست بجانبه وهو يبكي ولم تقل شيئاً. إيمي التي أطعمته بكلماتها أكثر مما أطعمه الحساء.
عليّ أن أفعل شيئاً.
لا—عليّ أن أقتله.
وفي تلك اللحظة—شيء ما انفجر داخله. ليس خوفاً. ليس تردداً. بل إرادة. إرادة خالصة لا تعرف حسابات.
اندفع.
لم يكن بنفس سرعة الفارس. بعيد عن ذلك. لكنه كان أسرع من قبله. أسرع مما كانه في أي لحظة سابقة.
بضربة نظيفة حادة—خدش وجهه. شق جلده وأخرج خطاً رفيعاً من الدم.
لحظة صمت.
ثم تحوّل كل تركيز الفارس إليه. كل اهتمامه. كل ثقله.
اندفع نحوه.
وفي تلك اللحظة—
شعر بها.
ليس الهجوم… بل نية الهجوم. مسار الهجوم. كأن شيئاً في داخله يستشعر ما قبل الفعل.
رفع سيفه—
وصدّ الضربة.
القوة كانت هائلة. ارتدت في كتفيه وصدره وهزت عظامه. جعلته يتراجع ثلاث خطوات قسراً.
لكنه لم يسقط.
هجمة أخرى. نفس الشيء. رأى المسار. تفاداها.
مرة. مرتين. ثلاثاً. كان يقرأ حركاته. لا يهاجم. لكنه يقرأ.
ثم—
إشارة خفية من إيمي. من خلفه. إشارة يدها اليسرى.
فهم.
كانت تطلب منه أن يكون طُعماً.
اندفع نحو الفارس. ضغط على ساقيه، هاجم، أجبره على التركيز عليه كلياً، أن لا يرى غيره.
ثم—
في لحظة واحدة. فتحة.
ومن الخلف—
اخترق سيف قصير رقبته.
كان سيف إيمي.
تجمّد. ثم تهاوى. ببطء.
سقط معه دارون. وسقطت إيمي بجانبه.
أنفاسهما تحترق. التعب لم يكن عادياً، كان قاتلاً تقريباً.
التفت إليها. نظرت إليه—وابتسمت. رغم الدم على كتفها. رغم الألم الواضح في ملامحها.
“لقد فزنا…”
“نجونا… بأعجوبة.”
نظر إليها—ولأول مرة حقيقية منذ أن استيقظ في هذا العالم… ابتسم.
“نعم…”
“نحن أحياء.”
“شكراً لك.”
نظرت إليه بدهشة لحظة، ثم ضحكت:
“وأخيراً ابتسمت أيها الكئيب.”
لم يمر وقت طويل—حتى دوّى بوق التراجع في الأفق.