الفصل 4 - إستئناف القتال
مع بزوغ شمس اليوم التالي—
لم يكن هناك وقت للراحة.
تم جرّ الجنود إلى ساحة التجمع بسرعة، أصوات الأوامر الحادة تقطع أي بقايا هدوء كانوا يمسكون بها بصعوبة. لا تمدد، لا تأمل، لا دقيقة واحدة لإعداد النفس. فقط الأوامر، وأصوات الأقدام تتحرك، وخشخشة الدروع.
هذه المرة… كان كل شيء مختلفاً.
التشكيل تغير تغيراً واضحاً لا يمكن إخفاؤه. الصفوف الثلاثة التي وقف فيها بالأمس لم تعد موجودة بشكلها السابق. الخسارة كانت واضحة بكل مأساتها: ثلث الجيش سقط في اشتباك الأمس. لم يكن رقماً على ورقة. كانت فجوة حقيقية، مرئية، تستطيع أن تراها في الصفوف، تشعر بها في الهواء.
فراغ… يمكن رؤيته. يمكن الشعور به. فراغ بحجم أرواح.
تم تقسيمهم إلى كتلتين منظمتين. واحدة على اليمين، وأخرى على اليسار. صفان متوازيان، يحملان توتراً صامتاً ثقيلاً.
نظر حوله بسرعة—
ثم تنفس قليلاً.
إيمي… كانت في نفس مجموعته.
مجرد رؤيتها، مجرد رؤية ظهرها المستقيم وكيف تقف بذلك الثبات الهادئ، خفّف شيئاً داخله. ولو قليلاً. كخيط رفيع يتعلق به في ريح قوية.
رفع نظره نحو الأفق.
جيش العدو كان قد اتخذ تشكيلاً مختلفاً تماماً عن الأمس. نصف دائرة ضخمة، تحيط بساحة المعركة من ثلاثة جهات. من اليمين… من اليسار… ومن الأمام.
للحظة، ضاقت عيناه.
يريدون تطويقنا.
فهم الآن. تقسيمهم إلى جناحين لم يكن عشوائياً. كان محاولة لكسر هذا الطوق قبل أن يكتمل، لمنعهم من الالتفاف.
عاد بنظره إلى الأرض بين الجيشين.
وتجمّد.
السهول الخضراء… لم تعد خضراء. صُبغت باللون الأحمر. الدماء كانت في كل مكان، بقعاً داكنة تتفاوت في الحجم. وحتى بعد تنظيف الجثث، بقيت آثار ذلك الأمس. أطراف ممزقة. بقع داكنة امتصتها الأرض. الأرض نفسها… بدت وكأنها تتذكر.
دوى صوت الأبواق.
مرة أخرى.
ومعه—
تحرك الجميع.
هذه المرة لم يكن اندفاعاً عشوائياً فقط. كان هناك غضب. حقد. شيء ثقيل في الهواء، كأن المعركة نفسها امتصت أرواح من سقطوا بالأمس وحوّلتها إلى وقود. كأن كل من يسير يحمل معه ثأراً حتى لو لم يعرف اسم من مات.
تشكيلهم كان دفاعياً. أما العدو فكان يندفع كرمح بشري.
لم يمر وقت طويل… حتى وصلوا.
صرخات. صليل سيوف. صرخات ألم وغضب. الفوضى بدأت من جديد.
ابتلع القتال الصفوف الأمامية… ثم اقترب. ثم أكثر. الموجة تقترب منه خطوة خطوة، وكل خطوة تزيد نبضات قلبه.
إنهم قادمون.
“استعد.”
صوت إيمي، هادئ لكنه حازم، جاء من يمينه. لم يكن فيه خوف، لكن كان فيه انتباه. انتباه من يعرف ما قادم.
شدّ قبضته على سيفه. أنفاسه تسارعت. الارتعاش الخفيف في ساقيه لم يختفِ. لم يتعلم بعد كيف يتجاوزه.
وفجأةً—
ظهروا أمامه.
أربعة جنود. يندفعون نحوه مباشرة، عيونهم مركزة، حركاتهم عدوانية. لم يكن لديه وقت للتفكير.
إيمي تحركت أولاً.
بسرعة مذهلة. جسدها خفيف كأنه لا ثقل له. لمع سيفها القصير في ضوء الصباح بومضة قصيرة، حركة واحدة انتهت قبل أن يدرك بدايتها، وكانت كافية. أحدهم سقط قبل أن يلحظ كيف.
اشتبكت مع آخر دون تردد.
تبقّى اثنان.
نظر إلى أحدهما. جندي بدرع جلدي متقن، سيفه ممسوك بيد متمرسة. نظر إليه بتلك النظرة الباردة التي تحسب وتقدر.
ثم اندفع دارون.
اصطدمت سيوفهما باحتكاك معدني جارح. الضربة كانت بدائية، ليس فيها أناقة ولا تقنية. لكنه وضع فيها كل ما لديه، كل ذرة قوة في ذراعيه.
حاول الجندي الوصول إليه.
لكنه تراجع. تفادى. خطوة… ثم أخرى.
لم يكن يقاتل بقدر ما كان يهرب داخل القتال. يتجنب الضربات، لا يوجه ضربات. هذا كل ما يعرفه.
ثم—
لحظة.
خطأ صغير. تشتّت. عيون الجندي تحوّلت للحظة نحو شيء ما خلف دارون.
فرصته.
اندفع بكل قوته. غرس سيفه في حنجرته.
الدم اندفع دافئاً على يديه.
وسقطا معاً.
حاول النهوض. لكن جسده لم يستجب فوراً. العضلات ترفض، الأرض تشده.
وفي تلك اللحظة الخاطفة من الضعف—
الجندي الأخير. من الخلف. يهاجم.
لم يستطع التحرك. الجسم لا يزال يحاول استعادة توازنه.
العالم… تباطأ.
الأصوات اختفت.
فقط الخوف بقي. عارياً. عاجزاً.
سأموت.
وفجأةً—
دم.
توقف الجندي. عيناه اتسعتا. ثم سقط.
خلفه—
إيمي. سيفها القصير مغروس في ظهره، أمسكته هناك حتى تأكدت.
أنقذته. مرة أخرى.
“انهض!”
صرخت بصوت لا يحتمل التردد:
“المعركة لم تنته!”
نهض بصعوبة. سحب سيفه من الأرض. اندفع نحو جندي آخر قادم.
لكن عقله كان في مكان آخر.
أنقذتني. مرة. مرتين… كم مرة بعد؟ إلى متى؟
هل سيبقى هكذا؟ يعتمد عليها… لينجو؟
شدّ على أسنانه.
شعور جديد بدأ ينمو داخله. ليس خوفاً. ليس ذنباً. بل شيء أشد مرارة:
كراهية.
موجهة نحو نفسه. لأنه ضعيف. لأنه لا يستطيع النجاة وحده.