الفصل 3 - دفعة معنوية
يحدق في انعكاسه المرتجف فوق سطح الماء في الوعاء المعدني الصغير. وجه شاب. حاجبان منقبضان. عيون تحمل شيئاً ثقيلاً لا اسم له.
لم يرَ وجه قاتل.
بل وجهاً فارغاً. وجهاً يبحث عن نفسه ولا يجده.
استدار ببطء، وتوجه نحو مكان توزيع حصص الطعام. صفٌّ طويل من الجنود، بعضهم يحمل علامات المعركة على أجسادهم، جروح خفيفة وخدوش وعيون محمرة من التعب والرعب. وقف في الصف.
دقائق مرت… بطيئة ثقيلة كأنها تحمل وزن ما مضى.
حين وصل دوره، وُضع في يده صحنٌ من الحساء الباهت اللون، رائحته خافتة غير مميزة. ورغيف خبز بحجم كفه، جافّ في أطرافه، يكاد يتفتت. حدّق فيهما قليلاً… ثم تحرك بلا كلمة.
سار مسافة قصيرة عبر المخيم، يتجاوز مجموعات الجنود وشعلات النيران الصغيرة، قبل أن يجلس في نفس المكان الذي جلس فيه مع إيمي ليلة البارحة. نفس الأرض. نفس الحجر البارد تحته. نفس الظلام من حوله.
لكن ليس نفس الشخص.
رفع الملعقة ببطء، قرّبها من فمه… ثم توقف.
رائحة الحساء لم تكن سيئة إلى هذا الحد. بخار خفيف يتصاعد منه، يحمل دفئاً يحتاجه الجسد. ومع ذلك… حلقه رفض ابتلاعه.
حاول مرة أخرى.
لقمة صغيرة. بالكاد مرت. كأن جزءاً منه يقاوم، يضرب في وجه الجسد الجائع ويقول “ليس الآن”.
ليس بسبب طعمه.
بل بسبب ذلك الشعور.
ذلك الشعور المقرف الثقيل الذي التصق به منذ لحظة الطعن، منذ رأى السيف يدخل صدر ذلك الجندي، منذ شعر بجسده يتراخى تحته كدمية تفقد خيوطها.
وجه الجندي… رغم أنه لم يره بوضوح خلف الخوذة، رغم أن ملامحه ظلت مجهولة، لم يفارق مخيلته. كأن عينيه من خلف تلك الشقين الضيقتين كانتا لا تزالان هناك، تراقبانه.
شدّ قبضته على الملعقة حتى ابيضّت مفاصله.
معدته تقلّبت بعنف، موجة غثيان خفيفة تصعد إلى حلقه.
شعور بالذنب…
بدأ ينهشه من الداخل بعنف لم يتوقعه. لماذا الذنب؟ لماذا يشعر بالذنب؟ ألم يكن أو يموت؟ ألم يكن هو أو ذلك الجندي؟
حاول تهدئة نفسه.
فشل.
كان عاجزاً. خائفاً. ضعيفاً. وأكثر من أي شيء… كان فارغاً. فراغٌ هائل لا قاع له، يبتلع كل فكرة تحاول النشوء، كل شعور يحاول الاستقرار.
هل هو بسبب فقدان ذاكرته؟ هل هناك نسخة منه في مكان ما، نسخة تعرف من تكون وتعرف كيف تتعامل مع هذا كله؟
أم لأنه لا ينتمي إلى هذا المكان أصلاً؟
لا يعلم.
فقط جلس هناك… متصلباً. الحساء يبرد في صحنه. الليل يتقدم. والعالم يدور من حوله ولا يعلم أنه توقف.
ثم—
ضربة.
صفعة خفيفة على منتصف ظهره. ليست مؤلمة، لكنها حازمة، مفاجئة. فيها شيء من المزاح ولو قليل.
أيقظته من دوامته الداخلية فوراً.
استدار بسرعة—
إيمي.
كانت تقف أمامه، وعلى وجهها تلك الابتسامة التي رأيتها ليلة البارحة. دافئة. حقيقية. فيها لا تصنع.
“ما الذي تفعله هنا وحدك كالكئيب؟”
كانت ابتسامتها دافئة. دافئة بشكل مؤلم، بشكل غريب. كأن الدفء وحده كان يكشف كم كان بارداً.
وقبل أن يدرك—
انهمرت دموعه.
بصمت في البداية. بضع قطرات خرجت دون إذن، دون مقدمات، دون أن تستشيره. ثم بلا سيطرة. تدفق حار على خديه.
اتسعت عيناها بصدمة حقيقية.
“ماذا؟! هل آلمتك؟ هل ضربتك بقوة؟ أنا—أنا لم أقصد! أنا آسفة!”
حاول أن يتكلم. حرّك شفتيه. لكن الكلمات لم تخرج. فقط الدموع تخرج. فقط ذلك الشيء الثقيل الذي كان محبوساً منذ لحظة الطعن.
مرت دقائق.
جلست بجانبه خلالها. بصمت كامل. لم تضغط عليه. لم تسأله. لم تشرح له لماذا الدموع عيب أو لماذا يجب أن يتماسك. فقط… بقيت. حضورها وحده كان كافياً.
ومع الوقت… هدأ.
أنفاسه استقرت. الموجة مرت. مسح دموعه ببطء، بحركة بطيئة وكأنه يخجل منها حتى من نفسه.
نظرت إليه بحذر، صوتها أخف:
“هل أنت بخير…؟ هل تحتاج شيئاً؟”
صمت للحظة. ثم قال بصوت خافت يكاد لا يُسمع:
“القتل… كان شعوراً مقيتاً.”
لم يضف شيئاً. كلمتان فقط، لكن فيهما كل ما أراد قوله.
قبضت على يده. لم تقل شيئاً في البداية. فقط أمسكت يده.
“لا أريد أن أشعر به مرة أخرى.”
فكرت قليلاً، يمكن رؤية ذلك في عينيها، كأنها تزن الكلمات قبل أن تطلقها. ثم قالت بهدوء:
“أعلم أنه صعب.”
توقفت لحظة.
“لكن… هذه هي الحياة هنا.”
“أحياناً… عليك أن تختار خيارات تكرهها… لتستمر.”
رفع رأسه ببطء.
“تعلمين ما الذي كرهته أكثر؟”
نظرت إليه. انتظرت.
“أنني… شعرت بالسعادة بعدها.”
صوته انخفض أكثر وكأن الكلمات نفسها تخجله:
“كأنه إنجاز.”
هزّت كتفيها ببساطة غير متوقعة:
“وما المشكلة في ذلك؟”
“إنه إنجاز فعلاً.”
“نحن أحياء، أليس كذلك؟”
“أليس هذا أفضل إنجاز يمكننا تحقيقه هنا؟”
صمت. نظر إلى الأرض. أحاول تهضم كلماتها.
ثم قال ببطء:
“كان قتله… سهلاً.”
“سهلاً بشكل مقزز.”
“بمجرد أن دخل السيف… انتهى.”
“لم يكن هناك… أي شيء يمنعني.”
نظرت إليه بثبات، لا ترتجف ولا تتهرب من الكلمات:
“لهذا السبب… بقاؤنا أحياء هو الإنجاز الحقيقي.”
“لأن موتنا… أسهل بكثير.”
أنزل نظره إلى الأرض. كانت محقة. تماماً. الموت سهل. الحياة هي التي تحتاج إلى إرادة.
لقد نجا… والآن؟ يجلس هنا يبكي على شيء حدث بالفعل، شيء لا يمكن تغييره. لا يمكن استعادته. لا يمكن إلغاؤه.
نظر إلى الحساء أمامه. ثم قال بصوت منخفض:
“نجوت بصعوبة…”
“لكن… لا شيء يضمن أن يكون الأمر بهذه السهولة غداً.”
قبض على الملعقة.
“عليّ أن أكون أقوى.”
“رجل جائع… سيموت أسرع.”
ثم—
بدأ يأكل.
بسرعة. بعنف. بإصرار وكأنه يتشبث بالحياة بكل لقمة. كأن كل ما يأكله هو تأكيد صغير: أنا هنا. أنا أستمر.
نظرت إليه إيمي وضحكت بخفة ودفء:
“ببطء أيها الشره… لن يهرب طعامك.”
توقف للحظة. نظر إليها. ثم ابتسم ابتسامة خفيفة، ضيقة، لكنها حقيقية.
كلماتها لم تكن مجرد مزاح. كانت دفعة. شيء صغير أعاده خطوة إلى الوراء من حافة لم يدرك أنه كان يقترب منها.
شعر بها في داخله. بوضوح.
إيمي… أنقذته. مرة أخرى.