الفصل 2 - بداية القتال
لم تأتِ الشمس برحمة في ذلك الصباح.
جاءت بقسوة المنبّه الذي لا يعبأ بحالتك، تشقّ ظلمة المخيم بضوء حارّ يغزو العيون قبل أن تكون مستعدة. وقبل أن يتاح لأحد أن يتمدد أو يتثاءب أو يودّع بقايا نومه الثقيل، كانت أصوات الضباط تقطع الهواء كسياط:
“قفوا! تشكّلوا! الكل إلى مواقعه الآن!”
أُيقظ الجنود كلهم في الصباح الباكر. لم يكن هناك وقت لوجبة دافئة أو لحظة تأمل. فقط الماء البارد على الوجه وصوت الأوامر وخشخشة الدروع وهي تُرتدى بسرعة في الهواء البارد.
تم توزيعهم وتشكيلهم في تشكيلة قتالية بدائية من ثلاثة صفوف: الصف الأمامي، الأوسط، والخلفي. خط دفاعي بشري. درع بشري. جدار من الأرواح.
نظر دارون إلى يمينه ويساره. وجوه شابة وقديمة، متجهمة وخائفة، واثقة ومتشككة. كلهم في نفس المكان. كلهم يحملون نفس السيوف، نفس الدروع الجلدية القاتمة. وكلهم يعلمون ما قادم، وإن لم يتحدث أحد عنه.
أدرك بسرعة أنه في الصف الخلفي.
المكان الأكثر أماناً في الجيش. الخط الأخير. من المفترض أن يكون تحت حماية الصفوف الأمامية، ولكن… المفترض شيء والواقع شيء آخر.
لم ينفِ ذلك شعور الرهبة عن نفسه. ظل يلف صدره كعصابة ضيقة تزداد ضيقاً مع كل دقيقة تمر.
وأين إيمي؟
بحث عنها بعينيه في تلك الحشود الكثيفة. ثم وجدها. كانت في مركز التشكيل، في الصف الأوسط. وظهرها يحمل ذلك الاستقرار الهادئ ذاته، كأن الحرب التي تنتظر لا تختلف عندها عن تدريب آخر.
شعر بشيء غريب حين رأى مكانها في الصف الأوسط، موقع أكثر خطورة بكثير من موقعه. قلق خفيف نشأ في صدره.
الصمت امتدّ.
دقائق طويلة… ثقيلة… ثابتة. الجنود واقفون في صفوفهم، أنفاسهم تتصاعد في الهواء البارد كأبخرة خفية. لا حركة لا صوت إلا صوت الريح العابرة.
ثم—
صدى بوق.
ثم صدى آخر. صوت أول جاء من صفوفهم، والثاني جاء من الجهة المقابلة. بوق الأعداء.
حتى الأحمق يدرك أن هذا إعلان بدأ الاشتباك.
كأن العالم نفسه شهق.
اندفع الجميع.
ألف جندي أو أكثر، يندفعون بصرخات صاخبة، كحيوانات مفترسة أُطلقت من قفصها. صدى صرخاتهم يصطدم بالأفق ويعود مضاعفاً. وقع أقدامهم الجماعي يشق الأرض إيقاعاً ثقيلاً ثابتاً، كأن الأرض نفسها ترتجف.
كان لهذا الصوت شعور غريب. هيبة… ورعب.
سرعان ما اشتبكت مقدمتا الجيشين. كانا موجتين متعاكستين تصطدمان بقوة هائلة، لكل منهما زخمها وحيويتها، والتقاؤهما كان انفجاراً من الفوضى. صوت تشابك السيوف كصليل المعدن يقطع الهواء. صرخات الاستنجاد. صرخات الغضب. صرخات الموت.
كان الأمر مرعباً بحق.
سرعان ما شمل الاشتباك الصف الأوسط.
شعر دارون بهاجس غريب ينمو في صدره. لم يكن وهماً. كان يدرك أنه سيصل القتال إلى موقعه في غضون دقائق. جسمه يعلم قبل عقله، كأن خلاياه تحسب المسافات وتعرف الحساب.
كان خائفاً.
رأسه شبه فارغ، كأن الخوف نظّف كل فكرة وكل خطة. جسده ثقيل كأن الدرع الجلدي صار من الحديد الصلب. ساقاه باردتان حتى الركبة.
ثم بدأ الاشتباك في الصف الأخير.
وصل إليه.
الفوضى عبرت الصفوف وأكلت المسافة بينهم بسرعة. رأى يمينه ويساره جنوداً يتشابكون، يضربون، يسقطون. الدماء… في كل مكان. بقع حمراء على الأرض الخضراء التي كانت جميلة بالأمس. جثث تتراكم. رجال يتألمون بصوت وبصمت.
ثم هاجم أنفه.
رائحة الدم.
ليست رائحة تصفها الكلمات بعدالة. ثقيلة، معدنية، حيوانية، تملأ الرئتين بشيء يريدك أن تتقيأ وأن تجري في نفس الوقت.
ثم رآه.
بين أفراد الجنود المشتبكين، برز جندي له خوذة تغطي وجهه بالكامل، خوذة داكنة بلا مميزات. كان يعرج بوضوح في خطواته، يتكئ على ساقه اليمنى أكثر من اليسرى. كان عليه دماء تغطي معظم جسده، لا يمكن تمييز إن كانت دماءه هو أم دماء من قاتلهم.
فجأةً، التقت أعينهما.
كانت الخوذة لها شقان ضيقان للعيون. ومن خلالهما… كانت عينان تنظران مباشرة إليه.
ارتعشت قدماه.
وخارت قواهما فرفضتا التحرك. جسده يشعر ببرودة قاتلة تبدأ من القدمين وترتفع ببطء. قلبه ينبض بجنون، بقوة وبسرعة، لدرجة أن نبضه يكاد يحجب صوت المعركة من حوله.
كان خائفاً.
خائفاً على مستوى لم يختبره من قبل، أو على الأقل من قبل ما فقد ذاكرته.
إنه يتقدم نحوه.
الأفكار تتشابك وتتصادم:
علي أن أنجو.
لا أريد الموت.
علي قتله لأنجو.
قتله سبيلي الوحيد للنجاة.
وفجأةً—
تحرك جسده.
لم يكن قراراً واعياً. لم تمر الفكرة من عقله إلى يديه. كان الجسد قد قرر وحده، استجاب لشيء بدائي أعمق من العقل وأسرع من التفكير. اندفع بكل ما لديه، ساقاه تتحركان قبل أن يأمرهما.
أمسك بسيفه بقوة شديدة، لدرجة أن أصابعه كادت تنكسر تحت الضغط. المقبض الجلدي يحتك بكفه، يجعل يده ترتجف من الشدة.
اخترق صدره.
السيف دخل. الجسد استقبل النصل بمقاومة خفيفة ثم لا مقاومة. وسقطا معاً. الجندي يتهاوى، ودارون فوقه، ثقل جسده يضغط على الرجل الذي لم يعد يتحرك.
كان يرتجف.
كل جزء منه يرتجف. يداه، ركبتاه، فكّاه. كان شعوراً مقيتاً حقاً. شعر وكأن صدره يُسحق تحت صخرة ضخمة لا ترحم.
ثم—
في منتصف هذا الشعور المقيت، ازدهر شعور آخر.
مناقض له تماماً.
شعور يمكن وصفه بالجميل بشكل مربك. وحينها أدرك: كان سعيداً. سعيداً لنجاته. قتله كان إنجازاً له، أول إنجاز في حياته، أو على الأقل بعد فقدان ذاكرته.
لكنه لم يتوقف عن الارتجاف.
لم يتوقف عن الخوف والرهبة.
لا يعلم كم مضى على بدء القتال. ثواني؟ دقائق؟ ساعة كاملة؟ الوقت يفقد معناه حين يكون جسدك في حالة خوف.
سرعان ما سمع صدى صوت آخر.
بوق الانسحاب.
بالكاد نهض على قدميه. جسده متعب بشكل لم يتوقعه، كأن الخوف وحده كان يستهلك طاقة أكثر من القتال. عرج إلى موقع جيشه، ساقاه ثقيلتان كالحجارة.
لكن خوفه لم يزُل.
بل تحوّل.
لقد قتلت شخصاً.
لقد سعدت لموت أحدهم.
لماذا كنت سعيداً؟
لماذا قتلته؟
الأسئلة تدور دون إجابات.